أعاد قوله مرة أخرى: بقولك تتجوزيني؟ بدأت أنفاسها تتسارع وهى لا تصدق ما تسمعه. ثم لاحظت أنه ينتظر إجابتها على آحر من الجمر بسبب التوتر الذى لم يستطع أن يخفيه. دنيا بعدم تصديق: دكتور علي، حضرتك بتقول ايه؟ مش معقول! رفع حاجبه: مش معقول ليه؟ دنيا بإرتباك: يعني... هو.. ثم صمتت من شدة إرتباكها. علي بهدوء: فكري براحتك وردي عليا ومش عايزك تشعري بأي ارتباك أو قلق و لو رفضتي مش هزعلك. هنفضل زي ما إحنا عادي.
أومأت برأسها ثم ذهبت من أمامه بسرعة ومعها إبنتها. دَلَفَت إلى شقتها وحاولت ألا تفكر في شئ حتى تنفرد بنفسها. حممت ابنتها وتناولوا الطعام ثم وضعتها في السرير فنامت على الفور. بعدها جلست تفكر في ما طلبه منها. لا تنكر أنه كان شهماً ولطيف للغاية معها ومع إبنتها حتى أنه وسيم و لبق، ولكن الزواج هذا شئ آخر تماماً! لا تستطيع أن تخوض تلك التجربة مرة أخرى، لن تتحمل خيبة الأمل هذه المرة!
ستخبره برفضها التام لتلك الزيجة حالما تراه، عزمت أمرها على ذلك. تبخرت كل تلك الإرادة حينما رأته في اليوم التالي، لم تستطع حمل لسانها على النطق بالرفض. بعد انتهاء الدوام قال بهدوء: فكرتي يا دنيا؟ دنيا بتوتر: أيوا. نظر لها نظرة ثاقبة: وردك؟ دنيا بتردد: أنا اا.. قال بثبات: هترفضى صح؟ أحمر وجهها ولم تجيب. قال بتساؤل: ممكن أعرف ليه؟ تنهدت بقلة حيلة: يا دكتور أنت تستاهل أحسن مني وأنا مش مستعدة لتجربة زي دي تاني.
هز رأسه بتفهم: أنا متفهم ده بس أنا أستاهلك تماماً. يمكن انتِ اللي تستاهلي أحسن مني. فجأة بدأت تبكي مما أثار فزع علي الذي قال بقلق: مالك؟ بتعيطي ليه؟ دنيا ببكاء: علشان أنا رفضتك وحساك زعلان. ابتسم ابتسامة صغيرة: لا مش زعلان. ممكن ما تعيطيش، اقعدي و اهدى. مسحت دموعها وجلست بينما هو أحضر لها كوب ماء فشربت قليلاً وهدأت. حدق بها وقال بصوت عميق ولطيف: لو عايزة تحكي حاجة أنا موجود أسمعك. نظرت إلى إبنتها التي تلعب
قريبة منهما ثم تنهدت بتعب: أنا يا دكتور اتولدت واتربيت في بيئة بسيطة أوي، بيئة فيها الرجل هو المُعيل والسند الوحيد للست ومن غيره متقدرش تعيش. أمي ربتني وكبرتني على كدة. الرجل دايما صح مهما عمل ولازم نسمع الكلام. يمكن علشان أبويا كان كدة، مكنش أحسن أب في العالم بس كان حنين شوية. بس أنا اتربيت على مبدأ أقول نعم وحاضر من غير نقاش. كنت شاطرة أوي وبحب المدرسة بس بسبب قلة الفلوس ومبدأ البنت مالهاش في الآخر غير بيتها وجوزها دخلت ثانوي تجاري علشان لما أخلص أقعد في البيت.
نظرت له بألم: مكنتش عايزة أتقل عليهم ف وافقت ودخلت وأنا ساكتة. بعدها أيمن اتقدم لي ووافقت علشان أبويا وأمي كانوا موافقين عليه. مكنوش شايفين فيه أي عيب ف ليه الرفض!
اتخطبنا سنتين واتجوزنا. محبتوش بس تقدر تقول العشرة أو التعود. ساعات كانت الحياة حلوة وساعات كان في مشاكل بس كنت بقول مفيش حال دايم والحياة مش دايما حلوة وطبيعي يحصل مشاكل أو خلاف. لما حصلت مرة و غضبت، أمي زعقتلي وقالت لي مهما حصل متسبيش بيت جوزك مهما عمل هو سندك في الآخر. وهو كمان كان دايما يقولي أنا معاكِ و أنتِ من غيري ولا حاجة. يمكن مش بالكلام لكن بالفعل أكتر لحد ما آمنت بكده. لما اتجوز على أد ما توجعت ونفسي أهرب بس في نفس الوقت خايفة. خايفة من الدنيا اللي عمري ما كنت مستعدة أواجهها وخايفة بنتي تتربي من غير أب. وكنت جبانة وخايفة أني مقدرش أحقق حاجة لوحدي. مش هقدر أشتغل بمؤهلي وأنا براعي بنت.
نظرت له بدموع: ولحد دلوقتي جبانة وخايفة أنا وبنتي يا دكتور شوفنا من الوجع يكفينا العمر كله. مش هنستحمل حاجة تاني. كان يستمع لها بهدوء وقد ظهر التأثر عليه أثناء حديثها والحياة القاسية المكبوتة التي عاشتها تكتم كل رغباتها وأحلامها لأجل الآخرين وأبوين بتفكير ساذج ومعقد. قال بهدوء: بس ده كان غلط و وهم يا دنيا؟ دنيا بحيرة: وهم؟
قال علي بذكاء: أيوا كل ده وهم. وهم أهلك عيشوك فيه طول عمرك. حاولوا يخلوه حقيقة جواك لحد ما صدقتيها. بس ده كان غلط كبير و غلطك أنت كمان يا دنيا أنك استسلمتي ليهم وخلتيهم يشكلوا شخصيتك ويعملوها زي ما هم عايزين و دفنتي ذاتك الحقيقة جواكِ. كل الوقت ده بتعافر ونفسها تطلع. دنيا الحقيقة مش جبانة ولا ضعيفة بالعكس قوية وشجاعة جدا و تقدر تواجه العالم كله لوحدها. مامتك فضلت تزرع فيكِ ده لحد ما بقي طبع فيكِ وأقنعتك بيه بس في
النهاية مش حقيقتك. وغلطك الأكبر أنك قبلتي ده. قبلتي بالهزيمة من غير ما حتى تحاول تخوضي الحرب علشان نفسك أو حريتك أو اختياراتك. أنا بقولك أهو دلوقتي هو الوقت الصح يا دنيا. كل التجارب اللي مريتي بيها المفروض تعلمك وتقويكِ مش تضعفك أكتر. لازم تبقي قوية علشان نفسك وعلشان بنتك وأنا متأكدة أنك من جواكِ كدة بالضبط.
كانت تنظر له بدهشة، كيف استطاع أن يحلل الأمر بتلك الطريقة، ويواجهها بأمور طالما رفضت التفكير بها أو مواجهتها. أكمل بحكمة: لازم تفوقي من الوهم ده. حتى جوزك جري ورا وهم. فوقي وعيشي حياتك. وأنا مش بقولك كدة علشان توافقي عليا بالعكس تقدري ترفضيني و تقفي وتعيشي وربنا سندك من غير أي حد. بس مش هعتبر رفضك ده قرارك النهائي وهستني ردك ومهما كان هتفهمه و أقدره. ثم أخذ نفساً عميقاً: بس فى حاجة لازم تعرفيها عني.
نظرت له باهتمام ف أكمل: أنا كنت متجوز قبل كده. نظرت له بدهشة ف قال علي بإبتسامة باهتة: بس دلوقتي أنا مطلق. لأنه أنا مش بخلف، احتمال أنه أنا أخلف ضعيف جدا. هي بنت أصول بس مقدرتش تستحمل ف انفصلنا بهدوء وأنا مقدرش ألومها لأنه ده حقها. دي حاجة أساسية لازم تعرفيها عني علشان تفكري صح في كل حاجة.
هزت رأسها ببطء ثم نهضت دون أن ترد وحملت ابنتها وعادت إلى شقتها. وبعد نوم ابنتها، ظلت تفكر طوال الليل حتى أنها لم تستطع أن تنم ولو لدقيقة. في اليوم التالي عندما كانت تفتح العيادة أتى رجل كبير في السن جارهم يسأل عن علي. عم أنور: فين دكتور علي يا بنتي؟ دنيا بإبتسامة: لسه مجاش من المستشفى، اتفضل حضرتك استناه مش هيتأخر. عم أنور ببشاشة: لا أنا كنت جاي أعزمه على الغدا عندي بس شكله مش فاضي هاجي له وقت تاني.
دنيا بلطف: طب اتفضل استناه لو سمحت. جلس وهو يحادث دنيا ببساطة شديدة: تعرفي يا بنتي علي ده إبن حلال أوي. من ساعة ما ولادي كلهم اتجوزوا وسابوني لوحدي بعد ما مراتي ماتت دايما بيزورني ويسأل عليا. بيونس وحدتي ربنا يكرمه يارب ببنت الحلال ويعوضه خير. ابتسمت له ثم حضر علي الذي ابتسم ابتسامة عريضة حينما رأى عم أنور الذي نهض ليحييه. علي بإبتسامة: عم أنور عامل ايه؟ عم أنور بسعادة: الحمد لله يا دكتور علي أخبارك؟
علي بحزم خفيف: قولتلك قبل كده أنا علي وبس متقوليش دكتور تاني أنا إبنك. عم أنور برضي: ربنا يكرمك يا بني، أما كنت جاي أعزمك على الغدا النهاردة و هات الحلوة دي معاك. نظر علي بإبتسامة إلى دنيا التي ارتبكت: تمام هنيجي إن شاء الله. ربت على كتفه ثم غادر. بينما قالت دنيا بتعجب: بس يا دكتور أنت مشغول أوي النهاردة. رد عليها بثقة: مفيش حد ينشغل عن جبر الخواطر. ازداد احترامها له وفي لحظة قالت له بتهور: أنا موافقة.
علي بإستيعاب: على جوازنا. هزت رأسها ببطء وهي تستوعب ما قالته. فانتشرت ابتسامة سعادة بطيئة على وجهه جعلتها تشعر بصوابية قرارها. علي بسعادة: أنا مبسوط أنك وافقتي، عايزانا نكتب الكتاب امتى؟ دنيا بخجل: أي وقت. اقترح عليها: إيه رأيك نكتب الكتاب بكرة وعم أنور يكون وكيلك؟ دنيا بإبتسامة صغيرة: موافقة. ارتدت فستان بسيط وعقد القرآن في شقة علي بحضور صديقيه ك شاهدين وعم أنور ك وكيل لدنيا.
ثم بعدما انتهى ذهبوا. بينما بقوا مع الطفلة التي نامت. دَلَفَت دنيا إلى غرفة الأطفال ومددت حلا على السرير ثم خرجت بهدوء. كانت مرتبكة ومتوترة كثيراً كأنها أول مرة تتزوج بها. وقف أمامها بصمت وقبل جبينها فشعرت بنبضات قلبها تتسارع حتى تكاد تصم أذنها. قال بصوت رخيم: مش عايزك تتوتري، مفيش حاجة هتتم من غير إرادتك أو لما تكونِ مستعدة. ابتسمت له بإمتنان. بينما ضمها إليه بلطف وحنان.
مرت الأيام بينهم لطيفة هادئة وبدأت تشعر دنيا وكأنها تحيا حياة جديدة والله يعوضها بعدما عانت كثيراً. حتى أن ابنتها حلا أصبحت متعلقة كثيراً بعلي وتعتبره والدها. في مرة عندما كانوا عائدين من نزهة وقبل أن يدلفوا سمعوا طرق على باب شقة أهل دنيا في الطابق العلوي. دنيا: بقولك يا علي خد حلا وأنا هشوف مين بيخبط على باب بيتنا. أخذ علي حلا التي أسرعت له بحماس: تمام شوفي مين ولو عايزيني اندهي عليا. صعدت لتتفاجئ: ماما سماح؟
والدة أيمن بلهفة: دنيا حبيبتي بقالي كتير بخبط محدش بيرد. عانقتها دنيا بحب: وحشتيني أوي عاملة إيه؟ والدة أيمن: الحمد لله يا حبيبتي أخبارك؟ دنيا بإبتسامة: أنا الحمد لله بخير، انتِ جاية تزوريني؟ تغضن جبينها بحزن: لا كنت جاية أشوف لو ينفع أعيش معاكِ يا بنتي. دنيا بصدمة: أوعي تقولي؟ وضعت يدها على فمها من صدمتها ثم قالت: طردك؟
والدة أيمن بحزن: ربنا يجازي اللي كان السبب، فضلت تعمل مشاكل بيني وبينه لحد ما خلته يمشيني النهاردة. دنيا بعدم تصديق: أنا مش مصدقة بجد. صعد علي في تلك الأثناء: مين يا دنيا؟ نظرت له والدة أيمن ثم عادت ببصرها إلى دنيا بتساؤل. قالت دنيا: ده علي جوزي. والدة أيمن بدهشة: اتجوزتي! ابتسمت بسعادة: ربنا يهنيكِ و يعوضك كل خير يا بنتي. نظرت دنيا إلى علي بتردد: دي ماما سماح أم أيمن. ابتسم علي بترحيب: أهلاً بحضرتك.
والدة أيمن بإحراج: أهلاً بيك يا بني، طب أنا همشي أنا. دنيا برفض: تمشي فين لا اقعدي هنا. التفتت إلى علي بتوسل: أيمن طردها من البيت بسبب رشا، ممكن تعيش معانا، كانت كويسة معايا أوي أكتر من ماما كمان. علي بغضب: يطرد أمه علشان مراته؟ إزاي يقدر يعمل كدة! زفر بعمق ثم قال بصرامة: طبعاً هتعيش معانا مفيش كلام. والدة أيمن بإعتراض: لا طبعاً يا بني مش عايزة أبقى تقيلة عليكم.
علي بحزم: مش تقيلة ولا حاجة تنوري ده بيتكوا واعتبريني إبنك. دمعت عيناها ثم قالت: ربنا يجازيك كل خير يابني ويرزقك الذرية الصالحة. ابتسم بحزن على دعوتها التي جرحته دون قصد. عادوا إلى الشقة وقد مكثت معهم وكان علي يعاملها بإحترام حتى أنها أحبته كثيراً وأصبحت تدعو له كثيراً وتعتبره إبنها. في يوم كانوا يتناولون الغداء ورن هاتف والدة أيمن ف نهضت لتجيب ورفضت أن يحضر لها أحد الهاتف.
كانت تتكلم وفجأة صرخت بصدمة ووقع الهاتف من يدها فركضوا لها. دنيا بقلق: في إيه يا ماما؟ والدة أيمن ببكاء: أيمن ابني عمل حادثة واتشل!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!