الفصل 10 | من 15 فصل

رواية قارب الموت الفصل العاشر 10 - بقلم مريم الجنيدي

المشاهدات
19
كلمة
4,953
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

تحرك الجميع للخارج وعمار من بينهم، لا يعرف مصيره. دب الأمل فيهم مرة أخرى بعد الكثير من اليأس والتعب. كانت عينا عبد الرحمن لا تفارق نسيم التي تتحرك بجانب صديقتها الجديدة. لم يرتاح أن تظل معهم وبجانبهم شاب غريب، لكنه تفهم أنها بحاجة لوجود فتاة مثلها معها. لذلك كانت عيناه تتابعها من بعيد، ليس لأي شيء سوى إراحة ضميره.

لقد تعرف على عبيدة في الأيام الماضية ليعرف سلوكه. علم أنه سوري، رغم أن الآخر بذل جهدًا كبيرًا ليتحدث باللهجة المصرية، لكنه للأسف لم ينجح. طمأنه وقتها أنه ليس عليه أن يخشى شيئًا، ولا يخشى من معرفة أحد جنسيته. وللأمانة، وجده شابًا ذا خلق كريم واحترام ونبل كبير. فطمأن قلبه قليلاً، وما طمأنه أكثر أنه خلال الأيام العشر الماضية لم يوجه كلمة واحدة لنسيم واحتفظ بحدوده جيدًا. أقترب عبد الرحمن من باهي الشارد وهو يسأله: "مالك!

سرحان في إيه؟ تنهد باهي بحزن، والهم يظهر على وجهه كأن الأيام العشر التي مرت كانت عشر سنوات، فملامح الكبر رسمت خطوطها على وجهه. "قلبي مقبوض، ربنا يستر." ارتجف عمار وهو يمر ليصعد للسيارة دون أن يعرف مصيره. صعدوا جميعًا للسيارات، تمسكت عبيدة بيد شقيقته وهي تبتسم لها كي تطمئن. بعد ساعتين في الطريق، توقفت السيارات ونزل الجميع منها.

قال باهي بصدمة وهو ينظر لقارب الصيد المتهالك القديم، ولعدد الناس المهاجرين الذين ينتظرون في المكان. "هناك المئات من البشر المتواجدين في المكان، ومن المستحيل أن يصعدوا جميعًا على هذا المركب المتهالك." أقترب الحراس منهم لكي يجبروهم على الصعود. اعترض باهي وتعالى صراخ الجميع. "المركب دي مش هتستحمل، مستحيل تاخد العدد ده كله." رد عليه أحد الحراس الممسك بعصا غليظة: "يلا خلصونا، لو مش عاجبك ابقى انط في البحر."

اعترض باهي وعبد الرحمن. عدد كبير من الشباب على الصعود. تعالت الأصوات والصراخ والتخبط بين الجميع عندما بدأ الضرب العشوائي من الحراس للمهاجرين. صرخ باهي وهو ينحني يمسك قدمه بعدما طالتها إحدى ضربات العصا. هجم عبد الرحمن يضرب أحد الحراس الذي يحاول تكبيله. وقف عمار ينظر حوله بذهول من الفوضى المنتشرة. صرخت نسيم وهي ترى عبد الرحمن يسقط على الأرض بعد أن ضربه أحدهم.

تمسكت سيلا بشقيقها بخوف وهي تبكي. الوضع كارثي على الجميع، لكن أوقفهم جميعًا صوت الطلقات النارية التي انطلقت في الهواء تشق صوت الصرخات وتعلو عليها. انحنى الجميع على عقبيهم بعدما صرخ بهم الريس. ليعلو صوته بحدة: "دي المركب الموجودة، واللي كلكم هتركبوها، واللي معترض يترمي نفسه في البحر. مفيش رجوع ومفيش اعتراض، مش هنضيع نفسنا ووقتنا عشانكم." تكلم عبيدة بصدمة: "العدد كبير على هالمركب، ما بتكفي." ابتسم الآخر بسخرية:

"هتكفي، هتقفوا جنب بعض وهتكفي، وما فيش حل تالت، والكلام خلص. وكلمة كمان هنستخدم العنف، وتبقى توصل أوروبا غرقان ومتكسر." رد عبد الرحمن بغضب: "يعني بعد كل القعدة اللي قعدناها دي، عشان تطلعونا مركب بالشكل ده! رد الآخر ببرود: "كل القعدة دي عشان ناخد الفلوس من أهاليكم. بالنسبة للمركب دي اللي موجود، وما فيش غيرها. تحب تروح إيطاليا سباحة؟ أنهى كلامه وهو يشير للحراس بالتحرك.

تحرك الحراس بالعصيان والسلاح يجبرون الجميع على الصعود، ومن يعترض كان ينال من عصيانهم ما يكفي لبلع اعتراضه بجوفه. نظر عبد الرحمن لنسيم التي تبكي وهي تمسك ذراعها بألم، وملامح الذعر تحتل وجهها وهي تنظر حولها بتيه. ليتقدم منها سريعًا بعدما وجدها وحيدة دون رفيقتها. اقترب منها في الزحام وأمسك كم سترتها يسحبها منها. لتقول ببكاء بعدما وجدته هو من يسحبها: "عبد الرحمن مش لاقية سيلا، إيه اللي بيحصل! سحبها أمامه

ونظر حوله ثم قال لها: "صاحبتك مع الولد اللي معاها، متخافيش. امسكي فيا." تشبثت بذراعه وهي تتأرجح وتتخبط بسبب الزحام والفوضى. نظر باهي حوله بضياع وهو يرى الجميع حوله يصعدون على القارب بالإجبار تحت تهديد السلاح والعنف المبرح. تألم من قدمه المصابة بعد أن ضغط عليها. لا يصدق الكابوس البشع الذي يحياه. لقد ترك عائلته ليعيلهم، لكن ما يحدث الآن أنه يتم دهسه ويتقدم للهلاك بقدمه ولا طريق للعودة، ولا اختبار آخر للحياة.

كل ما أراده في الحياة هي مكالمة لعائلته ليسمع صوتهم ولو لآخر مرة في حياتهم. فشكل المركب المتهالك مع عدد البشر الموجودين للصعود عليها لا يبشر بالخير أبدًا، ستغرق لا محالة. حاول البحث حوله عن أي مفر، لكن تكدس الناس وتزاحمهم حال دون ذلك. فنظر للأعلى يصرخ باستغاثة وعيناه مدمعة بعجز مميت. "يارب."

تسلل عمار وصعد من بينهم حتى لا يتم إيقافه. فهو لا يصدق الفرصة التي جاءته على طبق من ذهب. استغل الزحام والتكدس وصعد المركب ليبتسم بانتصار بمجرد صعوده. لم يهتم بشكل القارب، ولم يهتم بالصراخ أو بعدد الأشخاص المتواجدين. كل ما يهمه أن يلوذ بالفرار من هذا المكان المميت وينطلق للحرية ولحياته الجديدة.

ضم عبيدة شقيقته الباكية المذعورة بين ذراعيه وهو يحاول الصعود للقارب المهترئ دون أن يصيبها مكروه. يتحمل الضربات والصدام وعانقها أكثر بصدره، وبين كل ثانية والأخرى يطمئنها بصوت مرتجف: "ما تخافي، كل شي راح يكون بخير."

بعد أكثر من ساعتين، صعد على القارب أكثر من سبعمائة وخمسون شخصًا للهجرة من مختلف الجنسيات. يقفون بجوار بعضهم ملتصقين لضيق المكان. الدور الأسفل لقارب الصيد والذي يعتبر الثلاجات، يقف به الأشخاص، أغلبهم النساء. الجو خانق والزحام مميت، لكن بريق الحياة الكاذبة جذبهم جميعًا لهذا الطريق دون التفكير في العواقب.

وقف عمار بجانب باهي وعبد الرحمن الذي مازال يتمسك بنسيم، وأخيرًا بالصدفة كان بجانبهم عبيدة وسيلا. جميعهم في بداية القارب متجاورين. وقد بدأ القارب في التحرك إلى طريق لا يعلم أحد منهم نهايته. تمسكت سيلا بيد شقيقها بعدم تصديق وهي تنظر لمياه البحر التي تشقها المركب. "عبيدة هنوصل صح! ربت على يدها وهو يبتسم لها كي تطمئن، لكن قلبه هو غير مطمئن. هناك انقباض مخيف بقلبه، دعا الله أن يسلمهم ويصلون بسلام دون حدوث أي ضرر لهم.

أما من كان لا يصدق نفسه هو عمار، الذي كان ينظر لمياه البحر التي تشقها المركب بسعادة غير طبيعية. يشعر أنه عصفور كان حبيسًا داخل قفص وأخيرًا نال حريته. ألتفت لباهي يقول له بسعادة: "أنا مش مصدق نفسي، إحنا خلاص في البحر رايحين إيطاليا! نظر له باهي لثوانٍ وأعاد نظره دون أن يعقب على حديثه. ليكمل الآخر دون انتظار رد:

"حاسس إني بحلم. أخيرًا هقدر أعمل كل اللي عايزة من غير ما حد يحاسبني، ولا يقولي بعمل إيه. هعيش في بلد نضيفة، ناس تحترمني." رد عليه باهي بهدوء دون أن يلتفت له: "هو ده كل اللي أنت عايزه!! أومأ عمار بسعادة: "آه يا عم، هبعد عن البيت النكد ده، مش كل حاجة يقولولي مينفعش وحرام ولأ. أنا زهقت من الخنقة دي." رد باهي دون استيعاب: "انت اللي خنقك إنه كان بيقولك حرام! هز الآخر كتفيه بلا مبالاة:

"آه، أنا عايز أعيش براحتي. أنا لسه صغير، وولد يعني لما أعمل اللي عايزة، وأشتغل في حتة كويسة البنات تترمى تحت رجلي كده." هز باهي رأسه لا يصدق ما تسمعه أذنيه. ليقول بخفوت: "غيرك بيتمنى نص عيشتك دي، بيتمنى بيت يستره، أو أب ينصحه. وبعدين أنت ليه محسسني إنك هتروح تشتغل وزير ولا حاجة؟ فوق، إحنا مسافرين من غير بطاقة شخصية. وبعدين متخليش كل هدفك إنك تروح عشان تضيع." زفر عمار بملل وهو يقلب عينيه:

"متدنيش حكم ومواعظ الله يخليك. أومال يعني أنت مسافر ليه مش عشان تنطلق، مش عشان تتعامل كبني آدم ولك حقوق! ولا أنت عاجبك المرمطة اللي شفتها وقلة التقدير." ألتفت له باهي يستند على حافة القارب بظهره، رغم صعوبة الوقوف أو التحرك أو حتى الجلوس من تكدس الناس.

"أنا مش رايح أنطلق، أنا رايح أدور على لقمة عيشي. أنا متعلق في رقبتي أسرة مسؤولة مني. أنا كنت هسافر كده كده شرعي وكنت بعمل في الورق لما لقيت فرصة كويسة وأحسن ومرتب حلو، بس لما حصلت الكوسة في الشغل وحد أخد مجهودي اللي بسعى ليه من سنين في طرفة عين، الغضب عمى عيني." سخر عمار بملامح باردة: "والغضب عمى عينك ليه؟ ما أنت كده كده كنت بتعمل الورق بتاعك."

"وأنا كنت أضمن أن الورق هيخلص. أنا لما لقيت الشغل أخويا أقنعني أن مستقبلي هناك هيكون أحسن خصوصًا إني شيخ. كمان فرق العملة كنت هقدر أربي ابني أحسن. أنت مش حاسس بحاجة، أنا مش بفكر في نفسي وبس، أنا بفكر في مستقبل ابني وإزاي أدخله مدرسة كويسة وأعلمه، بفكر في مراتي وبيتي، وأبويا اللي جه الدور عليا أساعده بقى شوية بدل ما هو شايل حملنا كلنا، وجربت حظي وقدمت على الورق، وفي نفس الوقت بسعى للترقية اللي شغال على نفسي فيها من سنين عشان أوصل لها عشان لو مسافرتش، يقوم يجي عيل بواسطة مش عارف الطماطم من الخيار ياخد مكاني عشان أبوه حد كبير في الفندق. تفتكر ده ميخليش الغضب يعمى عينك؟

أنا لو كنت أعرف أن كل ده هيحصلي في المشوار ده مكنتش جيته أصلاً، أنا مش مستهتر عشان أرمي حياتي على كف عفريت." مط عمار شفتيه برتابة وهو يردف: "مش عارف ليه ممكن حد يتجوز صغير كده ويشيل مسؤولية بيت وعيال، أنا أهو عايش بمزاجي ويعمل كل اللي عايزة ومحدش ليه حاجة عندي." رد باهي بسخرية وهو ينظر له بطرف عينيه: "بتعمل كل اللي أنت عايزه في الحرام، أنت مفكر إن دي عيشة؟ ده قرف." قلب عمار عينيه باستياء:

"هتقول زي أبويا، أنا معملتش حاجة حرام ولا نمت مع واحدة بجد. ده بيبقى إلكتروني أو فون مكالمة فيديو توريني عملي صور نودز، كده يعني مش بجد. أي بقا المشكلة في كده." اتسعت عينا باهي بعدم تصديق وكاد يرد عليه، لكن وصله رد من شخص آخر بنبرة غاضبة: "اتقي الله يا زلمة كيف بتقول هيك وجنبك حريم، كيف بتبرر اللي بتقوله أصلاً. ربنا يسترها علينا ونوصل سالمين والله ما بغضب علينا باللي بتقوله، استغفر الله."

تمسكت سيلا بيد عبيدة تحاول تهدئته بعدما استمعوا لكلام عمار المتواضح الجريء. نظر عمار له بغضب بعدما ألتفت إليه بعض الأشخاص يتطلعون إليه: "وأنت مالك أنت يا عم، هو حد كلمك ولا جه جنبك." أمسك باهي ذراع عمار ليصمت وهو يقول معتذرًا: "إحنا آسفين، الكلام سحب بعضه ومأخدناش بالنا." نفض عمار ذراعه بحدة من يد باهي: "بتعتذر لمين يا عم، اللي مش عاجبه يسد ودنه. هو أنت هتمسك بوقنا! صرخ عبيدة به بحدة وهو يقف أمام شقيقته:

"لك روح اتواحك بكلامك بعيد ما قدام البنات والحريم يا عديم النخوة." انتفض عمار يمسك به بغضب وهو يصيح: "هو مين ده اللي عديم النخوة؟ هو أنا اللي جايب مراتي ولا أختي ولا الله أعلم تقربلك على مركب هربانة أغلبها رجالة متزنقين بالشكل ده، روح شوف نخوتك أنت الأول." صوت تكسير قلب عبيدة وصل لأذنه، شعر بالذل والقهر من كلام المتواضح الآخر ليدفعه بعنف وهو يلكمه بوجهه كتعبير عن رجولته التي تثأر، كان أول مرة بحياته يستخدم العنف.

"الله بيعلم بحياة الناس، ما أنت اللي بتحكم علي شيء. أنا عندي نخوة ورجولة أنت ما عندك ذرة منها لتبرر لعبك ببنات الناس وهيك كلام بيقرف. حسبي الله ونعم الوكيل." مسد عمار على وجهه بألم وكاد أن ينقض على الآخر يلقنه عراك شوارع، لكن منعه باهي وعبد الرحمن الذي قيدوه. أردف عبد الرحمن بصوت عالٍ وهو يسحب الآخر بعيد: "خلاص... خلاص... هو عنده حق، اكتم بوقك ده، إحنا في أي ولا إيه، إحنا مش ناقصين مصايب." سب عمار ببذائه

وهو يحاول التخلص منهم: "اكتم مين يا عم أنت كمان، أنتم مال أهلكم بيا." رد باهي بقسوة وهو يسحبه ويدفعه على إطار المركب: "كلمة كمان وأنا اللي هخلي وشك خرائط، أخرس خالص. عايزين نوصل من غير قرف أكتر من كده." صمت عمار وهو ينظر لعبيدة بغل. ليلتفت الآخر يهدئ من شقيقته التي تبكي بخوف وهي تتمسك به: "عبيدة خلاص ملناش دعوة بحد، بالله عليك عايزين نوصل كويسين."

وقفت نسيم تطلع للمياه بشرود. لتشعر بهيئته الطويلة جانبها. لم تعره اهتمامًا أو تلتفت له. ليسألها مباشرة: "ليه مفضلتش عايشة في بيت أبويا؟ مش كان أرحم لكِ من البهدلة دي؟ صمتت قليلاً. اعتقد هو أنها ستتجاهل الرد عليه، لكنها ردت في النهاية بقنوط: "عشان عنده ابن حلوف بيذل فيا في الطلعة والنازلة." رفع حاجبه بإحراج وهو يحمحم يحاول أن يلملم كرامته التي بعثرتها بجملة واحدة. ليسألها مرة أخرى: "أبويا اتجوز أمك ليه؟

نظرت له بطرف عينيها: "ابقى اسأله ولا أنت خايف منه!! رد باستنهاز متشدق: "أنا مبخفش من حد." طالعته بنظرة تقييمية شاملة قبل أن تردف ببرود: "آه عشان كده أنت على مركب هربان لإيطاليا؟ قبض على يده غاضبًا كي لا يصفعها على وقاحتها وأسلوبها الفج. للتابع هي:

"أنا سبتهالك ومشيت مش عشانك لوحدك، عشان مامتك ست طيبة وجميلة مكنتش هسامح نفسي لو كنت السبب في صدمتها في إن أبقى بنت ضرتها. على العموم أبوك كان مقعدني عندكم أمانة، بس هو غلط لما افتكر أن بجوازي منك هيحافظ عليها." أومأ لها واحترم كلامها بعدما فضلت المخاطرة على ألا تجرح والدته. ليقول لها:

"صح هو محفظش عليكي ولا على ابنك، حسبها غلط لما فكر يلوي دراعي. على العموم أنا هفضل معاكي لحد ما نوصل بالسلامة وأطمن إنك في أمان وكل واحد من طريق." عاندت وهي تعقد ذراعيها بحنق: "مش محتاجة حد يخلي باله مني، أنا قادرة أشيل مسؤولية نفسي." "عارف، بس أنا رجولتي متسمحليش أسيب بنت أعرفها حتى لو من بعيد في موقف زي ده لوحدها. وبعدين مين البنت والولد السوريين اللي ماشية معاهم دي؟ ردت بثبات:

"معرفش، بس هما شكلهم طيبين وكفاية إنها بنت زيي وده أخوها." سخر منها: "مش أي حد شكله طيب بيبقى طيب بجد." أومأت له بالإيجاب وبكلماتها الحارقة: "كويس إنك قلت لي عشان أحرس منك." تحركت من جانبه منهية الحوار لتتقدم تقف بجانب هذه الفتاة دون أن تعيره اهتمامًا أو تمنحه فرصة للرد.

كان القارب يتحرك ببطء ملحوظ، نظرًا لما يحمله من عدد فوق حمولته بستة أضعاف. صوت محرك القارب كان عالي، دخل الليل عليهم وهم ما زالوا يتحركون ببطء. الوضع أصبح مرعبًا وخانقًا، الجميع متكدس في زحام رهيب، الظلام يجعلك لا ترى وجه من يقف أمامك. صوت محرك القارب عالي بشكل مقلق. تعالت الهمهمات المتسائلة بعدما شعروا بتوقف القارب. ليقول السائق بصوت عالٍ يعلو على صوت الجمع المذعور، كان صوته مرتبكًا بعض الشيء:

"اهدوا يا جماعة مفيش حاجة، هنريح الماتور شوية عشان ميتحرقش مننا وإحنا ماشيين." سأل عبد الرحمن بصوت عالٍ: "إحنا فين دلوقتي يا ريس! رد الآخر بارتباك متعثر: "إحنا خرجنا من الإقليمية يا غالي عشان كده هنريح شوية." زفر عبد الرحمن باستياء. الظلام محيط بهم من كل جانب، المياه في الظلام مقبضة حتى القارب لا يوجد به أي نور. قطع أفكاره صوت باهي المتسائل: "هو مفيش هنا أي نور خالص يا ريس." رد السائق بحنق:

"مينفعش نشغل أي إضاءة، المركب خرجت من الإقليمية." سأل أحدهم مستفسرًا بقلق: "طب والناس اللي تحت دي كده تتخنق." "يا ريت كل واحد يخليه في نفسه يا جماعة مش عايزين دوشة، واللي مش عاجبه ينط في البحر ويخفف حمولة." كان الوضع سيئ للغاية ومتعب. مرت بعض الساعات عليهم كسنوات، حتى بدأ النهار يشرق خيوطه باستحياء. ليقول عبد الرحمن: "يا ريس... هو راح فين يا جماعة؟ حد يقوله يتحرك بقى النهار بدأ يطلع وإحنا واقفين كتير."

لم يستجب له أحد لتعلو صوت الناس منادين على سائق القارب. أردف باهي مقترحًا: "حد يشوفه في الأوضة اللي بيسوقوا فيها، ممكن يكون نام." بعد ساعتين من البحث عن السائق، خرج صوته يقول: "خلاص يا جدعان في إيه أنا موجود، كنت بشوف المكنة مالها بس هنتحرك أهو." بعد نصف ساعة أخرى من المحاولة، بدأ التحرك ببطء أكثر من قبل، وكان صوت المحرك أعلى كأنه على وشك الانفجار.

أعين مطفية وأخرى لامعة. أعين ميتة، وأخرى تتوهج بالحياة. المكان واحد والأهداف مختلفة. الأشخاص كثيرون، كل يسعى في دنياه. القارب يشق الماء وأحلامهم تطير تسبقهم لأرض الأحلام الزائفة. استندت برأسها على رجل شقيقها وهي تجلس في وضعية متعبة. كانت تضم ركبتيها لصدرها حتى لا تأخذ مكانًا في الجلوس، مستندة بظهرها على سور المركب وترمي رأسها على أرجل شقيقها الواقعه أمامها.

مر النهار ودخل الليل مرة أخرى، لكن هذه المرة وقف المحرك على قرب الغروب. سأل عبد الرحمن مستفسرًا: "هنريح المكنة! ليرد الريس وهو يخرج من قعره مرتبكًا: "لأ المكنة شكلها اتحرقت، وقفت لوحدها." تعالت الشهقات والصرخات المذعورة. ليحاول السيطرة عليهم وهو يصرخ: "اسكتوا، أكيد هنلاقي حل، هنزل أشوفها." تقدم باهي وعبد الرحمن معه وتحدث الأخير: "أنا هاجي معاك، أشوفها." بعد ساعتين عادوا موقعهم ليسأل عمار بتردد:

"حصل إيه، عرفتوا تصلحوها؟! هز باهي رأسه بالنفي بضيق: "لأ المكنة اتحرقت خالص، محتاجة تتغير." مسح عبد الرحمن على وجهه بنفاذ صبر، بينما سأل عمار مرة أخرى بارتباك: "يعني إيه، يعني هنعمل إيه دلوقتي، حد هيجي لنا ولا هنعمل إيه، مش المفروض بيبقى فيه لانشات من اللي الهوا دي موجودة هنا؟ سخر عبد الرحمن وهو ينظر له بغضب: "ليه أنت فاكر نفسك راكب تيتانيك؟

دي مركب صيد بقالها أكتر من مية سنة، ده كويس إن المكنة منفجرتش بينا، دي مفهاش نقطة زيت." انتفضت نسيم بخوف وهي تردف: "هنعمل إيه دلوقتي!! هنفضل واقفين كده لحد ما حد يجيلنا!! سأل عبيدة: "مش ممكن نكلم حد باللاسلكي!! نبعت إشارات لأقرب سفينة معدية." أردف السائق بحنق: "عملت كده وما فيش حد رد، اللاسلكي هنا أصلاً ضعيف أوي، لازم يكون الإشارة من المركب التانية قريبة." حاول عبيدة أن يطمئنهم بصوته الهادئ:

"بنلاقي حل يا جماعة بإذن الله، الله ما بيتركنا." مسح عمار رأسه وهو يتمتم بضيق: "مش عارف إيه النحس ده بس، كل حاجة بتبوظ لي." أردف باهي عندما استمع لحديثه: "عشان نيتك من الأول زي الزفت، شايف وصلنا لأيه." رد عمار بعصبية: "وأنا مالي، هو أنا اللي عطلت المكنة يا عم." رد باهي بسخرية وقسوة: "استغفر ربنا وتوب عن الهباب اللي في دماغك ده عشان ربنا يكرمنا، ومنبقاش وجبة للسمك." رد عمار ببرود:

"ريح دماغك مني يا باهي، أنا مش ناقص والله، كفاية القرف اللي إحنا فيه." دفعه عبد الرحمن بكتفه بعدما سئم حديثه: "أنت كافر يلا، في إيه، ما تستغفر ربنا كده وأهدى." ضرب كفه بالآخر ساخرًا: "هديت يا عم، ها تقدري تقولي هنعمل إيه!! استمر الحال بهم هكذا حتى شروق الشمس مرة أخرى، وقد أرهقهم الوقوف وشدة الأعصاب. مر يومين دون أكل أو ماء وقد جف حلقهم وضاق النفس أكثر من التوتر والترقب.

انتشرت صرخة أنثوية لينتفضوا من مكانهم. أقترب عبد الرحمن من نسيم التي صرخت وهي تشير لشيء في الماء بهستيريا وملامح الفزع ارتسمت على وجهها. نظروا لما تشير إليه، وانتشر الفزع والخوف على وجوههم. فكانت هناك جثة متآكلة الملامح بشكل بشع تطفو على الماء، ومن بعيد بقايا قارب محطم. سحبها عبد الرحمن يبعد عن المنظر البشع المقبض للروح والنفس. فكر باهي وقد شعر بأزمة تنفس. هل مصيرهم سيكون بهذا الشكل؟

غارق ومتخلل وسط البحر غير معلوم الهوية ولا الجنسية، لن يستطيع أهله حتى إيجاد جثته. حتى بعد الموت لن ترحمه قسوة الحياة. بكت نسيم وهي تتمتم بتقطع: "هنموت هنا!! هنموت كده! مش عايزة أموت في وسط البحر، بالله عليك، عايزة أرجع، أنا آسفة خلاص، موافقة أعمل أي حاجة بس رجعني." أشار لها كي تهدأ وهو يحكم إمساك كمى سترتها:

"أهدي يا نسيم، أهدي، هنوصل، بإذن الله هنوصل، مش هسيبك متخافيش، مش هيحصل حاجة، ثقي فيا، مش هسيبك متخافيش، أهدي." همست بانهيار وهي تشير خلفها: "ده ده اتحلل من الماية، اتحلل وملامحه راحت، أكيد في كتير زيه. أنا ليه عملت كده، ليه عملت كده، يارب يارب ساعدني." "هششش، كله هيكون تمام، خلاص أهدي، أنا معاكي مش هسيبك، أهدي، هنكون بخير."

أما سيلا وعبيدة كانوا الأكثر ثباتًا يدعون للمتوفي بالرحمة. ثباتهم أتى بعد ما مروا به من صعاب. فمن رأى موت عائلته ودمار بلدته، ومشى فوق حطام المدينة، ورأى الجثث في كل مكان، من عاش أيام وسط رائحة الموت، ومن ركض بين الحدود، من نجى من كل هذه الصدمات لن يؤثر به مشهد جثة تحللت نصفها من المياه المالحة. قلبهم بالأساس مهشم ملئ بالمناظر الأكثر بشاعة. لذلك وقفوا بثبات يدعون أن تمر هذه المرحلة أيضًا دون أن يخسر أحدهم الآخر. يكفي ما خسروه، ومن نجاهم من قلب المجزرة التي حدثت في بلادهم قادر على أن ينجيهم من سفينة هالكة في وسط البحر.

بعد عدة ساعات، كانت الشمس عمودية فوق رؤوسهم، حرها يسحب المتبقي من مخزون المياه في جسدهم. أردفت سيلا بصوت خافت مرهق: "أنا عطشانة أوي يا عبيدة." أومأ لها بتعب، كان هو الآخر فاقد للطاقة، حلقه جاف يكاد يموت ظمأً. بعد ساعتين آخرين، صرخ الريس باستغاثة: "يا جماعة في سفينة قريبة، الإشارة بتوصل منها هناك أهي، تقريبًا سفينة تجارية." انتفض الجميع بأمل وهم ينظرون لاتجاه السفينة. ليقول عبيدة:

"اتواصل معاهم باللاسلكي، قولهم إننا عطلانين." عاد الريس لغرفة القيادة ليذهب عبد الرحمن خلفه سريعًا يحاولان التواصل مع هذه السفينة. أمسك عبد الرحمن اللاسلكي وهو يردد بأمل: "Hello anyone hear me?" مرحباً هل أحد يسمعني؟ كان الصوت مشوش للغاية يصل كه همهمات. ليردد عبد الرحمن النداء أكثر من مرة، وكل مرة يصل إليه الصوت مشوش. وبعد عدة محاولات استطاع أن يسمع أحد يقول: "هل هناك مشكلة؟ " ليسرع بالإجابة سريعًا:

"Yes, our ship is broken down. We need help." نعم، لقد تعطلت سفينتنا، نحتاج المساعدة. وصله الصوت المشوش بالإيجاب والإنه سيقتربون بعد أن يحددوا موقعهم بالإشارات الرادارية. نظر عبد الرحمن للخارج بأمل، لكن مع اقتراب السفينة الضخمة التجارية منهم، تحرك مركبهم بعنف جراء الاقتراب وتلاطم الأمواج. صرخ الجميع وهم يتمسكون ببعض. المركب تهتز بعنف تكاد تنقلب. ليركض عبد الرحمن إلى اللاسلكي: "Stop, stop, the ship will capsize."

توقفوا، المركب ستنقلب. ردوا عليه بما عليهم فعله، ليس لديهم وسيلة لإنقاذهم غير ذلك. ليسرع عبد الرحمن يسألهم هل يوجد لديهم مراكب إنقاذ. ليردوا أنها خاصة بسفينتهم ولن يلقوها لهم، سيكون خطورة عليهم. ليطلب منهم بآخر أمل لديه: "Well we want water, we are dying of thirst." حسنًا، نحن نريد الماء، نحن نموت عطشًا.

سألوه كيف سيأخذون الماء. انتظر دقيقة وهو ينظر للبشر المتزاحم في السفينة. وقعت عيناه على عينيها التي تطالعه بأمل كأن في يده إنقاذهم جميعًا. ليتمتم بقنوط: "I will swim to you. You can throw it into the water and attach it to anything." سأسبح إليكم، يمكنكم رميها في الماء مع تثبيتها بأي شيء. أجابوه بـ: "حسنًا سنفعل، لكن المسافة بعيدة، إنها أكثر من ثلاثة كيلومتر." أجابهم بـ: "I can do that."

"Can you call for help for us?" هل يمكنكم طلب الاستغاثة لنا؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...