الفصل 9 | من 15 فصل

رواية قارب الموت الفصل التاسع 9 - بقلم مريم الجنيدي

المشاهدات
23
كلمة
2,447
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

هل تعلم شعور أنك في فقاعة من الهواء ألوانها تسحر العين تطير بك فوق أرض الأحلام تجعل عينك تتسع انبهارًا، لكن بدون سابق إنذار تتلاشى الفقاعة وتسقطك بدلاً من أرض الأحلام إلى أرض الأشواك والسراب، ويتحول لونها المبهج إلى رمادي لا معنى له، باهت وأسود كئيب. هذا ما حدث بكل اختصار، هذا هو شعوري.

أغمض عينيه بألم وقد تهدلت كتفاه بخيبة. على الرغم من توقعه بأن هذا ما سيحدث، لكن تظل صفعة الحقيقة مؤلمة أكثر من ألف فكرة في الخيال. نظر للريس أمامه بألم وحاول إخراج الكلمات من فمه، لكنها تخرج كأنصال حادة تذبح حلقه. "مش هعرف أجيب فلوس." ابتسم الريس ببرود وهو يردف: "يبقى نرميك في البحر للقروش ونفضي مكان لغيرك." ترتجف جسد عمار من مجرد التخيل. هل ينتهي به الطريق طعامًا للقروش؟

انتفض يقول بارتجاف: "لا استنى ثواني. هعمل مكالمة تانية هتصرف، أرجوك." شعر بالذل من الترجي وانكسار كرامته فقط ليعيش! أردف الريس ببرود: "معاك دقيقتين وبس." ابتلع عمار لعابه بوجل وأطرافه ترتجف بخوف. يرتعد بداخله. ضغط الأرقام، وكل رقم ينحر قلبه دون رحمة. وأخيرًا بعد عذاب كتابة الأرقام، ضغط اتصال وانتظر. الثواني التي مرت كانت بالنسبة له كالقطار الذي يدهش خلاياها، حتى أستمع لصوتها الحذر. "الو مين؟ أين صوته؟ هل هرب صوته؟

مفار جبان! حاول بكل جهده أن يخرج الكلمات من فمه، لتخرج متقطعة متلعثمة. "أنا عمار يا سحر." "أنت ليك عين تتصل بيا يا بجح بعد اللي عملته! أسرع يقول بارتباك مرتجف: "سحر سحر اسمعيني ارجوكي، مفيش وقت. أنا هموت." "موت ولا غور في ستين داهية! عايز إيه بعد ما فضحتني في الشارع وفرجت الناس عليا ووقفت حالي؟ منك لله يا عمار، منك لله." مسح على وجهه بنفاذ صبر وهو يدور حول نفسه. "سحر أنا أخوكي، هتسبيني أموت؟

افتكري حاجة حلوة عملتهالك. وبعدين أنا عملت كدا لما شوفت اللي بتعمليه، دمي حمى ومقدرتش اسكت. أنتِ شيفاني بقرون؟! "دة على أساس إنك شريف أوي؟ أنت مطرود من البيت بفضيحة وكله عارف أنت كنت بتعمل إيه." "سحر ممكن تسمعيني من فضلك؟ أنا في مشكلة كبيرة والله، محتاج فلوس يا إما هموت. ساعديني." ضحكت ساخرة: "والله وأنا المفروض أصدق؟ حتى لو حقيقي، أجيبلك فلوس منين أساسًا؟!

يكره نفسه لقول ذلك، يشعر بالعار والرخص، لكنه مضطر لقول ذلك لإنقاذ حياته. "من فلوس التيك توك اللي بتاخديها." رددت الكلمات بسخرية أصابته كأسهم قاتلة هشمت المتبقي من كرامته المبعثرة. "دلوقتي دمك بقا بارد ولا طلعلك قرون؟! لم يسمع بعدها شيء، ولا يريد أن يسمع أي شيء. سقط الهاتف كما سقطت رجولته ونخوته. آخر ذرات احترام لنفسه تبخرت. ليبتسم الريس بسخرية باردة وهو يردف بصوته العالي: "اللي بعده."

كان الحال سيء، بل هو في غاية السوء. جلس باهي في أحد الأركان وهو يشعر بالانهزام. ليشعر بجسد يرتمي بجانبه، لكنه لم يبالي. رفع رأسه ليرى من، حتى أسمع لصوت بجانبه وشعر بتربيت على كتفه بمواساة. "هتعدي بإذن الله، متخافش." حرك رأسه بالنفي وهو يردف بيأس: "مش خايف، أنا مش مصدق. حاسس إني في كابوس، مش عارف هفوق منه إمتى! ابتسم عبد الرحمن بسخرية: "المشكلة إن إحنا اللي رمينا نفسنا في الكابوس ده." رفع باهي وجهه ينظر له بحزن،

ليربت الآخر على كتفه: "أنا عارف إنك مقهور من اللي حصل، وخصوصًا إنك عندك بيت وابن. يمكن أنا مش فارق معايا لأن معنديش حاجة أخاف عليها، بس أنت لازم تقاوم وتعافر، متستسلمش." "أنا مقهور إن المفروض أنا اللي أسافر وأبعتلهم فلوس. بقيت أنا الحمل الكبير عليهم، والمفروض يدفعوا فلوس عشان ينقذوني، وده مش ذنبهم، ده ذنبي أنا." استند عبد الرحمن برأسه على الحائط

وهو ينظر في اتجاه نسيم: "حاسس بيك، أنا كنت بهرب من حاجة، لقيت الحاجة هربانة معايا، بس ده نصيب." رفع باهي أنظاره على صوت العراك الذي نشب بين جمال وعمار. انتفض يخلص بينهم. بينما عمار أعماه الغضب وهو ينقض على جمال بصراخ: "أنت السبب، أنت كنت عارف، ما أنت اللي قايل لي على الموضوع ده! دفعه جمال بحدة وهو يردف: "وأنا مالي؟ هو أنا ضربتك على إيدك؟

أنت قولتلي عايز تمشي وأبوك طاردك ومش طايقك وأنت كنت متمرمط في الشوارع. الحق عليا إن قولتلك الحل؟ صرخ عمار بقهر: "أنت أكيد كنت عارف اللي هيحصل، مستحيل تكون مش عارف وقاعد هادي كدا. أنت مليت دماغي بالكلام وقولتلي سهلة وهنقعد يوم ومركب كويسة. عملتلي البحر طحينة وأنا صدقتك. منك لله يا أخي! رد جمال بسخرية: "وأنت أصلاً تعرف ربنا!! وبعدين أنا مالي؟ أنا قولت اللي شوفته على النت، شايفني رايح جاي بمركب!

دفعه باهي وهو يقول: "خلاص يا جماعة اللي حصل حصل، اهدوا بقا." انتفض عمار يصرخ: "لا يا باهي مش ههدى لأن البتاع ده كان عارف اللي بيحصل. أنا عايز حقي، وبعدين مهو ورطك أنت كمان ولف عليك ولعب في دماغك." رد جمال بلامبالاة: "وأنت صغير عشان تسمع كلامي!! معندكش مخ تفكر، وبعدين ما أنا متنيل محبوس معاكوا أهو." مسح باهي وجهه بنفاذ

صبر وهو يصرخ بهم ليصمتوا: "اسكتوا بقا، خلونا نشوف هنعمل إيه في المصيبة دي. اهدى يا عمار إحنا كلنا متورطين." زفر عمار بغضب وهو ينظر لجمال بحده: "أنا لو حصلي حاجة مش هيحصلي لواحده يا جمال، خليك عارف ده." جلست بجانب شقيقها تنتفض بخوف بعدما تشابكت أحداث الماضي مع الحاضر. "عبيدة امتى هنمشي من هنا! ضمه إليها أكثر بحماية وهو يردف بقنوط: "ما بعرف حبيبتي، لكن لا تخافي. الله بيحمينا وبنخرج سالمين." مالت برأسها

تستند على صدره بارهاق: "تعبت أوي يا عبيدة، معتش قادرة." "هانت حبيبتي، استريحي وما تحملي هم، أنا هون جنبك." جلس الجميع بارهاق بعد أن استنزفت قوتهم. مرت الساعات دون أي خبر بعد خروج الريس وحراسه من المكان. الخوف يظهر بوضوح على ملامح معظمهم، أما البعض الآخر كانت الامبالاة هي المسيطرة عليهم وكأن ما يمروا به ليس أسوأ ما مروا به من قبل.

في صباح اليوم التالي، انفتح باب المستودع ودخل منه بعض الشباب الآخرين ومعهم الحراس بصناديق مياه. ألقوها وخرجوا دون التفوه بحرف، بينما جلس الشباب في ركن بصمت. رفعت سيلا رأسها بخوف: "عبيدة شو بيصير؟ "ما بعرف. خير بإذن الله، لا تخافي."

اقتربت نسيم من سيلا بتردد بعد أن شعرت بالوحدة والخوف. عندما أغمض عبد الرحمن عينيه لينال قسط من الراحة، شعرت بعدها أنها وحدها دون حماية أو درع. أمسكت بيد سيلا تستمد منها القوة. التفتت إليها سيلا بتساؤل، لكن عندما وجدت ملامحها الشاحبة اقتربت تندس بجانبها لتعطيها بعض من الأمان، فشعور أنها وحيدة هنا شعور مرعب.

وقف باهي وعبد الرحمن واقتربوا من صناديق المياه وأخرجوا زجاجات. أخذ عبد الرحمن زجاجتين بعدما تجرع من زجاجة أخرى الماء واقترب من نسيم، ودون حديث مد يده لها بواحدة والأخرى لسيلا دون حديث. رفعت نسيم عينيها له بخجل وسحبتها من يده وهي تمتم بالشكر وتتلاشى النظر له مباشرة. نظر عبد الرحمن لعبيدة يقول له بهدوء: "قوم خد ميه، دقيقتين ومش هتلاقي حاجة."

انتقل عبيدة بأعينه بينه وبين شقيقته بتردد، يخشى تركها أو حتى البعد عنها لدقائق. ليردف عبد الرحمن بطمئنة: "أنا واقف، مش هتحرك لحد ما ترجع." أومأت له سيلا تطمئنه وهي تربت على يده ليتحرك. سكن عبد الرحمن ثواني بعد رحيل عبيدة، ثم أردف بخفوت ونبرته يشوبها الندم: "أنا آسف إن كنت سبب في إني أخليكي في الموقف ده، أو أخليكي تهربي بالشكل ده." رفعت أعينها له بسخرية: "وأنا كمان آسفة لو خليتك تهرب بالشكل ده." رفع حاجبه

على سخريتها ليقول بحنق: "أكيد مهربتش عشانك، أنا مهربتش أصلاً." سخرت وهي تلتفت بوجهها للجهة الأخرى: "أومال أنت هنا بتغير جو! اعتدل في وقفته بتبرم: "تصدقي أنا غلطان إن كلمتك أصلاً." تركها وابتعد دون التفوه بأي كلمة أخرى واتجه لباهي الجالس ينظر له باستفهام، ليقول عبد الرحمن وهو يجلس: "مش عايز أتكلم." أومأ له باهي، ثم نظر لعمار المنعزل عنهم ينظر للأعلى بشرود. تنهد باهي وهي يستغفر الله ويضع رأسه بين يديه بعجز.

مرت ثلاثة أيام دون جديد يذكر، يدخلون يلقون صناديق المياه وبعض الخبز الذي يتعاركون عليه، ولا يخرج واحد منهم إلا بلقيمات صغير لا تشبع ولا تثمن من جوع، متعرضين لكل أنواع المهانة وخصوصًا الفتيات في قضاء حوائجهم في غرفة لا يصلح أن يقال عليها مرحاض، لا تجوز الاستعمال الآدمي، لكنهم مضطرين لذلك. في اليوم الرابع، خرجت سيلا من المرحاض تبكي بقهر، ليعانقها شقيقها الذي يقف أمام الباب ينتظرها،

لتهمس له بتألم وهي تبكي: "مش عارفه يا عبيدة، ياريتنا ما قررنا نسافر، ياريتنا فضلنا في بيتنا." ربت على ظهرها بحنان وهو يتمزق من بكائها، ليسحبها لأحد الأركان ويجلسها بهدوء: "ربنا هيفرجها علينا يا سيلا، ما تعيطي والله دموعك بتألمني وتزيد من عجزي." همست بخفوت: "أنا تعبت أوي يا عبيدة، امتى هنرتاح! ربت على رأسها كطفلة صغيرة يهدهدها: "عسى الله أن يشقينا في الدنيا، ليجازينا بالجنة في الآخر."

مالت برأسها على كتفه لعها تستريح ولو قليلاً. وقفت نسيم بعيداً وهي تنظر لهم بحسرة. شعرت بالخوف يلفحها كأنها عارية في مهب الريح. وحيدة في بلاد غريبة، لا تعرف مصيرها ولا متى ستتحرر؟ هل ستحرر لو سافرت أم ماذا سيكون مصيرها! هل ستكون متشردة في الطرقات، لا تعرف البلد ولا اللغة؟ لما فكرت بالهجرة وهي لا تعرف أي شيء عن البلد التي ستذهب لها!! فرت الدمعات من وجهها الذي هزل واصفر من الضعف وقلة الطعام.

لم يتحمل عمار الجلوس كل هذا وكأنه ينتظر إعدامه. استقام يصرخ ويضرب الباب بهستيرية وقد فقد صوابه. انتفض باهي يكتف حركته ويمنعه من ضرب الباب والصراخ حتى لا يدخل الحراس ويقوموا بأذيته، يكفي ما بهم من مشاكل وتعب. "اسكت يا عمار بقا، مش ناقصين مشاكل." "أنا مش هموت هنا يا باهي، مش بعد كل ده هموت هنا. أنا مصدقت أمشي من البيت ومن البلد عشان أعيش عيشة نضيفة، مش هموت هنا." أفاقه باهي وهو

يدفعه بعنف وصرخ به بغضب: "طالما مش عايز تموت هنا يبقى تسترجل، أنت اللي جيت هنا برجليك وموافقتك ومحدش ضربك على إيدك." مسح عمار وجهه بغضب وهو يصرخ به: "مكنتش أعرف إن ده هيحصل، محدش قال إن ده هيحصل، هو اللي ضحك عليا." ابتسم جمال ساخراً بعد أن أشار عليه عمار: "وأنا لو كنت أعرف كنت هبقى مرمي الرمية السودا دي!

أشار له باهي بصرامة: "اسمعني كويس، طالما جيت هنا برضاك مش قدامك حل تاني غير إنك تقعد لحد ما ربنا يفرجها علينا، مسمعش صوتك، متوترناش أكتر من كدا." مرت ثلاثة أيام أخرى، كل يوم يحدث نفس الشيء دون حديث. لا أحد يجيب على أي سؤال سوى بعبارة واحدة: الطريق غير آمن.

ظهر التعب والإجهاد عليهم جميعاً. الجلوس والنوم على الأرض الصلبة كسرت عظامهم، الأكل القليل الذي يدخل جوفهم، عدم النظافة مع تعرقهم وقلة حيلتهم، كان عذاب حقيقي لأكثر من مئتي شخص في مستودع صغير في هذا الحر. كان الوضع كأنك تجلس على فوهة بركان ثائر تنتظر انفجاره.

أعتقد البعض منهم أن الهجرة ستكون أسهل من شرب ماء، بعد أن امتلئت عقولهم بصور وكلام كاذب على صفحات الهجرة غير الشرعية، أوهموهم أن الأمر بسيط لن يأخذ طرفة عين. لكن ما وجدوه على أرض الواقع كان الجحيم. في صباح اليوم العاشر، دخل الحراس ومعهم رئيسهم بملامح جامدة يردف الكلمات كسهام مريحة لبعضهم و لبعضهم قاتلة: "أجهزوا عشان هنتحرك على المركب."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...