الفصل 5 | من 15 فصل

رواية قارب الموت الفصل الخامس 5 - بقلم مريم الجنيدي

المشاهدات
41
كلمة
4,877
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

وقف عرفات أمامه يقول بنفاذ صبر وقد تبخرت أخلاقه: "يعني آخر اللي بتعمله ده إيه؟ عايز أفهم." رفع عرفات وجهه بهدوء مستفز: "عايزك تسمع كلامي لأنك بدأت تخرج عن طوعي." أبتسم عبد الرحمن بسخرية: "أخرج عن طوعك؟ أنا ما عملتش حاجة في حياتي كلها غير إني كنت بسمع كلامك، عمري ما رفضت لك طلب، ودلوقتي جاي تقولي بخرج عن طوعك!

أنا ما عملتش أي حاجة لحياتي، ما عملتش حاجة أنا بحبها، ما اشتغلتش الشغل اللي بحبه، ودلوقتي بتلغي الفيزا بتاعتي، وبتلوي دراعي!! أنت غلطان." رد عرفات ببرود وهو يقلب حبات سبحته: "أنت لو كنت سمعت كلامي من الأول واتجوزت نسيم ما كانش كل ده حصل، دي أمانة في رقبتي." ضحك عبدالرحمن ضحكة فاقدة للمرح: "رقبتك أنت مش أنا، أمانتك أنت، أنا مالي؟

تدبسني في دي كمان، بعد ما بوظت كل حياتي باختياراتك أنت، دلوقتي كمان عايز تجوزني على مزاجك؟ رد عرفات بدون اهتمام: "خلاص طول ما أنت بتعند كده أنت حر، استحمل." أبتسم عبد الرحمن ساخراً وهو يومئ بتصميم: "لا المرة دي استحمل أنت بقى اللي هيحصل، وافتكر إنك أنت اللي خسرتني." تركه وتحرك بخطوات سريعة تضرب الأرض بقسوة وهو يتحرك باتجاه المنزل، لكنه توقف وهو يراها تمشي في إحدى الشوارع الجانبية بخطوات تائهة.

اشتعلت عيناه بالغضب الذي لم يهدأ وتحرك خلفها ليرى أين تذهب. تنهد بتعب وهو يتحرك خلفها منذ النصف ساعة على أقدامه بعدما ترك السيارة. وأخيراً توقفت أمام أحد محلات الصاغة الذهبية، عقد حاجبيه باستغراب من أين أتت بالمال لتشتري حُلى!! اقترب من المحل ليستطيع الرؤية وتفاجأ بأنها تقدم للصائغ خاتم، أهي من ستبيع!! شعر بنغصة أن تكون بحاجة للمال لشراء شيء وليس معها ولم تطلب من والده، أهي بهذا الخجل مثلاً!!

انتظر يراقبها حتى انتهت وأخذت المال وعادت مرة أخرى للبيت، كان هو خلفها في كل خطوة واندهش أكثر أنها لم تشتري أي شيء، إذا لماذا فعلت كل هذا؟ دخل خلفها من باب المنزل ثم استوقفها بسؤاله الحاد: "أنتِ كنتِ فين! ألتفتت له بتوتر لكن رسمت الثبات على وجهها بحرفية وهي ترد: "كنت في مشوار." رد هو بتحفز وقد ارتفع إحدى حاجبيه: "مشوار فين يعني! ردت بنفاذ صبر وهي تتنهد: "مشوار بشتري حاجة عايز إيه يعني." رد باستنكار ساخر

وهو يستند على سور السلم: "آه وفين الحاجة اللي اشتريتيها دي بقى؟ مش شايفك شايلة حاجة." رمشت بأعينها وهي تنظر له بعدم استيعاب لتدخله السافر، ودون تفكير مراتين ردت بفظاظة: "وأنت مالك أنت، أنت فاتح معايا تحقيق ليه يخصك في إيه أصلاً؟ اتسعت أعينه ليشير لها بحدة لاذعة: "أنتِ مفكراها وكالة من غير بواب، ولا زريبة من غير صاحب هتدخلي وتخرجي على مزاجك والله أعلم بتروحي فين وتعملي إيه!! ضحكت بذهول غير مصدقة:

"لما تبقي أنت صاحب الزريبة ولا بواب الوكالة ابقى تعالى اتكلم معايا وحاسبني، أنت شايف نفسك على إيه؟ تركته بصدمته وصعدت الدرجات بخطوات سريعة، لكنه لم يترك لها الفرصة لتهرب وهو يصعد خلفها ثم قال بصوت عالٍ: "كمان مش عاجبك النعمة اللي ربنا عطاها لك وبتتبجحي في الناس اللي معيشينك في بيتهم." نظرت له قبل أن تغلق الباب ثم قالت بصوت حاد: "بكرة أسيبها لك وأغور عشان تبطل ذل في حاجة مش بتاعتك أصلاً."

لم تعطيه فرصة للإجابة وأغلقت الباب بوجهه. وقف أمام الباب وهو يجز على أسنانه، هذه البلاء هي سبب المشاكل التي تحدث له منذ مجيئها المشؤوم والمشاكل لا تفارقه. نزل مرة أخرى يعود لسيارته ثم تصفح هاتفه بفتور يحاول إشغال تفكيره في شيء بعيد عن النار المشتعلة بينه وبين والده.

لكن لفت نظره تلك الصفحة التي بها عدد مشاركين بالألاف وقد ظهر منشور أمامه عن وصول عدد كبير من المهاجرين هجرة غير شرعية لأراضي إحدى الدول الأوروبية الشهيرة. تملكه الفضول وهو يدخل على هذه الصفحة ويغوص بمنشوراتها التي تتحدث جميعها عن الهجرة غير الشرعية ومدى سهولتها والأعداد المهولة التي خاضت التجربة، وبساطة الطريقة ونجاحها. وبدأ الشيطان يلعب لعبته بالعبث في رأسه....

لا يعلم كيف تحمل هذا الضغط في عمله، الحقيقة أن من بعد آخر واقعة وهو تحدث مع أخيه في الخارج ليجهز ورقه حتى يسافر له، فالعمل هنا أصبح مستحيل، ولكن مع أولاد زوجته انشغل عن تحضير باقي الأوراق. لكن الآن يتمنى أن تنتهي بأسرع ما يمكن حتى يتخلص من هذا الكابوس المسمى رأفت بلاءه الأسود. وعد نفسه أن يمرر الأيام بدون مشاكل حتى يستطيع إنجاز العمل بأسرع وقت. لكن هذا اليوم لم يلتزم بوعده وانفجر كل شيء.

وقف يباشر عمله بهدوء لكن حركات يده السريعة المتقنة تدل على مهاراته العالية في هذا المجال، واكتساب خبرات عالية في سن صغير من الصعب حدوثه، لكنه تحدى كل الصعاب ليصبح ما هو عليه، لكنه مع ذلك يستحق الأفضل والذي سعى جاهداً الوصول إليه، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. اقترب رأفت منه وهو يردف بنبرة متعالية: "اللي بتعمله ده غلط مش بتعمل كده." أردف باهي ببساطة وكلمات مختصرة: "روح شوف شغلك، مالكش دعوة أنا بعمل إيه."

أبتسم رأفت بسخرية وهو يعقد ذراعيه أمامه: "أنت المساعد بتاعي ولازم تسمع اللي بقولك عليه." انتفض باهي ينظر له بصدمة وهو يردف بذهول: "إيه أنت بتقول إيه!! مساعد إيه إن شاء الله." هز رأفت كتفه ببساطة: "والله ده اللي حصل، أنا أخدت الترقية وأنت بقيت المساعد بتاعي، معلش بقى، المرة الجاية تعوضها، أنت عارف طبعًا لكل مجتهد نصيب." ألقى باهي الملعقة من يده وهو يردف بعصبية:

"الكلام ده لا يمكن يحصل، هي سايبة، الكوسة مش للدرجة دي، أنت ما عملتش طبقين على بعض من ساعة ما جيت." رد الآخر بعدم اكتراث استفزه أكثر: "حظوظ." أومأ له باهي ثم تقدم منه وبحركة غاضبة خلع المريول وألقاه بوجهه وهو يهمس: "مبروك عليك." ثم ضرب الصحن الذي يعمل على إنهائه ليسقط متهشماً وسط نظرات الصدمة من كل زملائه ليقول له باهي: "بس أنا عمري مهكون جزء من المهزلة دي."

تركه وتحرك للخارج ليقابل مديره وهو يدخل المطبخ بملامح متجهمة ليقف مقابل باهي وقد ظهر التوتر على وجهه: "باهي، أنت رايح فين." نظر له باهي بشموخ وهو يردف بإصرار:

"أنا معاك هنا بقالي تلت سنين، شوفت إزاي تطورت وكنت باخد خطوة خطوة، لحد ما وصلت للي أنا فيه بسرعة مفيش شيف قدر يعملها، بس يوم ما يجي حد ياخد مكاني وهو لا يفقه شيئًا يبقى معلش أنا مش هبقى هنا، مش هسامح أبداً، اعتبرني مستقيل، لحد هنا وكفاية ومبروك عليكم الشيف الجديد."

تحرك بخطوات واثقة لا تظهر بها الضعف ولا الهواد، حاول مديره المباشر التحدث معه وإقناعه بالعدول عن رأيه لكنه لم يترك له الفرصة وتحرك للخارج بسرعة وهو يفكر بضرورة تسريع إجراءات السفر، لن يظل بهذا البلد الظالم أهلها. يمشي بخطوات متخاذلة بطيئة يفكر في حل لما حدث، العالم أغلق عينيه بوجهه، كيف سيعول أسرته بعدما ترك العمل حتى يحين موعد السفر!! "إيه يا معلم ماشي كده وعامل نفسك مش شايفنا."

انتبه باهي من شروده على هذا الصوت ليلتفت بتشتت وجد أصدقائه يجلسون على المقهى وكان هذا صوت جمال الساخر. اقترب منهم يلقي السلام ثم سحب كرسيًا ليجلس، تعجب في بادئ الأمر من وجود عمار معهم لكنه لم يعلق. تحدث جمال مرة أخرى: "مالك يا عم متكبر علينا ليه." نظر له باهي بابتسامة ساخرة: "وهتكبر عليكم ليه! نظر أصدقاؤه لهم ليقول أحدهم: "جمال بيهزر معاك يا باهي بس هزارة تقيل." رد جمال بسخرية عبثية:

"يا عم سيبه هو حد قده دلوقتي ده بقى أبو مجدي وشيف كبير." استند باهي على يده وهو يرد بجمود: "لا بقيت أبو مجدي وعاطل، أنا سبت الشغل." اتسعت أعينهم بصدمة ليسأله أحد أصدقائه بقلق: "ليه بس كده، سبته ليه وهتعمل إيه! بينما أردف جمال بحسرة: "حد يسيب شغلانة زي دي يا جماعة." رد باهي بحنق: "مشاكل حصلت وكان لازم أسيب الشغل يا جمال نصيب." أبتسم بسخرية أومأ له ثم سأله باستفسار: "وهتعمل إيه دلوقتي؟

متنساش إنك مسؤول عن عيلة وعندك طفل محتاج مصاريف يعني كان المفروض تستحمل." أرجع شعره للخلف بتشنج ثم أردف باختصار: "أنا بجهز الورق عشان أسافر لأخويا، بس لسه مش عارف هعمل إيه في الوقت ده لحد ما الأوراق تطلع." لمعت عينا جمال وهو يردف بصوت منخفض: "وأنت لسه هتستنى الورق لما يطلع! أردف باهي بعصبية: "أعمل إيه مش قدامي حل غير كده." نظر جمال لعمار بخبث ثم أردف: "طب واللي يجيب لك الحل!

أبتسم عمار متذكراً حديث جمال عندما قابله على المقهى (قبل شهرين) "حلك عندي يا باشا." عقد عمار حاجبيه بدهشة: "حل!! حل إيه! اقترب منه جمال يردف بخفوت: "نسافر على مركب، كام ساعة بس وتبقى بره البلد كلها، تعيش عيشة نضيفة في بلاد الحرية، تعمل اللي نفسك فيه، ولا حد يقولك بتعمل إيه ولا مبتعملش إيه." بهت وجه عمار وأردف بخوف: "بس الموضوع ده صعب، وفي خطر كبير."

"ولا خطر ولا حاجة يا عم، مش هيبقى أسوأ من عيشتك هنا، وبعدين ما نص شباب البلد سافروا كده، وبقوا معاهم فلوس قد كده، وعايشين عيشة نضيفة، في بلد بتحترم الإنسان، وتتجوزلك واحدة خوجاية تاخد الجنسية، وتعيش ملك يا معلم، وبعدين بقى من غير ورق وصداع، وروح وهات، ده هتدفع مبلغ بسيط، هوب على المركب، ساعتين وتبقى حر، شوفت أسهل من كده!؟ نكس عمار وجهه بتفكير ثم رفع وجهه وهو يومئ وقد رسم له الشيطان حياة من جاه وسلطان ومال:

"طب هعمل الموضوع ده إزاي." "سيبها عليا، بس الموضوع مفهوش رجعة، يعني متجيش ساعتها وتقول لأ مش رايح، لازم تكون قد كلمتك أمين!! أومأ عمار وهو يردف بارتباك: "سيبني أفكر." عاد الوقت الحاضر. أردف جمال بعدما عرض الفكرة على باهي وترقب عمار الرد بتلهف، ليصدمه باهي: "وإيه أرمي نفسي الرامية دي، ما أنا كده كده بجهز الورق قانوني، بدل البهدلة والمرمطة." أردف أحد أصدقائه المستمعين:

"باهي عنده حق يا جمال، ما كده كده هو بيعمل الورق قانوني." سخر جمال وهو ينفث دخان الأرجيلة: "وعقبال ما الورق يخلص بقى هيصرف منين، ولا هيشحت يعني ده عنده مسؤولية وبيت، والله أعلم الورق هيخلص امتى! هيقعد كل ده إزاي، ده ممكن يسافر يبني نفسه، ويكون الورق لسه ما طلعش، دي طريقة مضمونة وأنا وعمار فكرنا فيها وهنروح، يعني مش هتبقى لوحدك." تنهد باهي بإرهاق ثم نفى بإصرار:

"لا يا عم وبعدين أنت عايز تروح ليه يا عمار أبوك موافق على حاجة زي دي! احتل الجمود ملامح عمار وهو يردف بعدم اهتمام يشوبه الغل:

"أبويا مين، أبويا طردني من البيت بقاله شهرين ومش راضي يرجعني ده لما بيشوفني بيلف وشه الناحية التانية، أنا معتش عندي حاجة هنا أنا عايز أسافر أشوف حياتي هناك، فلوس وحريم ودلع يا عم، هقعد هنا ليه، عشان أشقى ليل نهار على شوية ملاليم، ولا أتعب عشان حد يجي أبوه جايبله واسطة ياخد حلمي، ولا أفضل، وياريتنا بنتعامل عدل، ده كرامتنا ممسوحة، أنت مش شايف اللي سافروا بقوا إيه وأهلهم عاملين إزاي!! ليه بقى أقعد في القرف اللي هنا ده؟!

كان الكلام بلعب على وتر حساس بداخل باهي فهو ذلك الشخص الذي نحت في الصخر وبالنهاية انسحبت أحلامه بطرفة عين، كزهرة شقت طريقها بين الصخور لتتفتح برونقها الجذاب لكن فجأة انسحقت تحت أقدام شخص مستهتر لا يراها، لم يتمسك به أحد رغم مجهوده الذي يضرب به المثل في المهارة والالتزام، لكن عليك دائمًا تذكر أنك قطعة شطرنج يحركوها كما يريدون ومن الممكن الإطاحة بك في أي وقت. عقله مشتت كخيوط متداخلة، بها الكثير من التشابك.

أراد جمال الضرب على الحديد وهو ساخن ليشجعه أكثر على الإقدام للهجرة ليردف بخبث: "وبعدين إيه اللي خلاك تسيب الشغل اللي شقيت فيه فجأة كده أكيد في حاجة جامدة حصلت." نكس باهي وجهه وقد هاج داخله بمرارة كالعلقم تذكره بحقيقة تخليهم عنه وخذلانهم له، فلم يتصل به أحد ليحثه على العودة: "مشاكل في الشغل كبيرة قلت لك." تحدث عمار بارتباك:

"طب ما تيجي معانا ونسافر مع بعض، وبعدين سهل أنك تعمل ورقك قانوني هناك، ده كمان أخوك هناك يعني الأمور هتكون تمام، إنما لو استنيت الورق بتاعك يخلص هنا مش هنخلص." مسح باهي على وجهه وهو يقلب الأمر برأسه يحسب مدى الخسائر والفوائد، الغضب والضيق يملآن صدره يدفعه دفعاً لخوض التجربة والهروب من كل الألم الذي يحيط به ويذكره بالخيبات. "بس الحاج أكيد هيرفض مستحيل يوافق على حاجة زي دي، الموضوع فيه خطورة جامدة أوي."

رد جمال ببديهية: "وأنت لازم تقوله يعني! إحنا هنمشي من غير ما حد يعرف، واحد هياخدنا وأهلنا و محدش هيعرف غير لما نوصل ليبيا، قبل ما نطلع المركب." هز أحد أصدقائه رأسه: "أنت متأكد يا جمال أن الموضوع أمان! "يا عم أمان يا عم هو إحنا أول ناس هتروح، دول عاملين صفحة مخصصة للهجرة، وشفت ملايين سافروا عادي خالص، وكل الناس بتقول وصلوا بأمان وعادي خالص، هو أنا يعني هموت نفسي!! رد عمار بتحفز:

"وبعدين يا عم لو هنتعب شوية في الطريق إيه يعني، مش أحسن ما نفضل نتعب هنا طول عمرنا بدون مقابل." نغز جمال باهي بذراعه: "وهتأمن مستقبل ابنك، وهتعيشه عيشة تمام، وهتوصل أسرع، أنت خايف من إيه أصلاً، دي كل الحكاية يوم بليلة وإحنا التلاتة هنبقى مع بعض." رد عمار محاولاً إقناعه بعدما سيطرت عليه شهوة المال والحريات: "والموضوع مش مكلف يعني، ده ما يجيش حق تمن تذكرة طيران."

رد باهي بعدما دخل إليه الشيطان من ثغراته عابثاً بنقاط ضعفه، متقصد الضغط على غضبه ونقمته على كل ما حدث، يلعب بخبث ساحباً إياه لطريق لا يعرف نهايته. "هتسافروا امتى! أبتسم جمال بخبث بعدما نال مراده، وزاد الاتفاق شخص سيعود بالنفع عليه: "هو ده الكلام، اسمع بقى يا معلم، جهز نفسك بكرا الفجر." "للأسف مش هينفع تكمل شغل طالما الإقامة انتهت، كان لازم تجددها، سلم حاجتك يا عبيدة، واتشرفنا بمعرفتك."

الجملة كانت تردد صداها بقلبه مهشمة إياه، مر الشهرين ولم يستطع تجديد إقامته في مصر لا هو ولا شقيقته، لكنه حاول بكل الطرق وفشل، والآن تم الاستغناء عنه من عمله.

حتى محل الملابس الذي كان يقف به مع الرجل العجوز استولى عليه أولاده، لم يعد له مكان، طرده وطنه والآن يطرده البلد الذي احتضنه، ماذا يفعل، من سيقبل أن يعمل عنده بدون إقامة قانونية، الأمر أشبه بأنك مطرود من كل البلدان، ولا تجد من يفتح لك ذراعيه، شريد ومشتت، وعلى كتفيه مسؤولية شقيقته، هي الأخرى تم الاستغناء عنها من عمله. تنهد وهو يدخل البيت ليجد شقيقته تقفز أمامه: "عبيدة عملت إيه؟

هز رأسه بيأس وهو يلقي بجسده المنهك على الأريكة، لا حل كان أمامه فرصة الزواج بفتاة مصرية، لكنه لا يستطيع حمل مسؤولية شخص إضافي براتب يكفيهم بالكاد، ومن أين يأتي بمصاريف الزواج من الأساس، وهو يعلم حرمانية الزواج المشروط، أي لا يستطيع الزواج بفتاة لفترة حتى يأخذ الجنسية. "هنعمل إيه!! هز رأسه بيأس وقد ضاقت به الدنيا: "ما بعرف يا سيلا اتركيني أفكر." أومأت له والدموع تملأ عينيها، سألته بصوت متحشرج: "أعملك حاجة تاكلها!

هز رأسه بالنفي: "بدي أكون لوحدي بعد إذنك." أومأت له وهي تراقبه بحزن ثم تحركت لغرفتها تبكي بصمت على عجز بطلها الوحيد وحاميها، تشعر بالعالم ينهار من مجرد رؤية الحزن في عينيه، تقتل بنظرة العجز والتشتت التي تراها على وجهه في الأزمات، فهو ظهرها الصلب، و بيتها الذي لا يميل. تصفح عبيدة هاتفه بتشتت لكن بعد ثلاثة ساعات من البحث والتصفح قفز وهو يصرخ بشقيقته: "سيلا." خرجت تركض بلهفة: "في إيه يا عبيدة!

أشار لها بالجلوس بجانبها بارتباك لتتقدم بقدم مرتعشة: "في إيه يا عبيدة لقيت حل! أومأ لها ثم اقترب يمسك كفيها يحتويهم بحنان: "أنتِ عارفة إنك حتة مني وما بقدر أبعد عنك لحظة صح." أومأت له بعينين دامعتين وقلب خافق، ليكمل هو: "أنا عارف إن اللي هقوله صعب، بس إحنا مع بعض في الحلوة والمرة عدينا حاجات كتير سوا، وهتعدي لسه باقي الأزمات سوا، أنا هفضل جنبك ما بدياكي تقلقي أو تشيلي هم." قاطعته بخوف وقد انسحب الدم من عروقها:

"في إيه يا عبيدة خوفتني! تنهد يحاول تهدئة ضربات قلبه المذعورة ورسم القوة حتى يعطيها لها: "إحنا راح نسافر سيلا." عقدت حاجبيها باستفهام وهي تقول بصوت متقطع مشتت: "إزاي والفلو..س و.... هنروح فين أصلاً و... قاطعها وهو يشدد على يدها بقوة: "راح نسافر على مركب يا سيلا." اتسعت عيناها برعب وهي تهز رأسها بنفي مذعور وقد شحب وجهها تماماً: "إيه!! إزاي قصدك هجرة غير شرعية! بس... أنا مش فاهمة، دي خطر و... أردف بهدوء وثقة استطاع

رسمها حتى يبث بها الأمان: "أهدي سيلا، خلينا نعرف نفكر سوا، خدي نفس كبير، أي هيك منيح، اسمعيني، في ملايين الناس بتسافر كل يوم على الدول الأوروبية، إحنا ليش جينا لهون، لأن ما كان في فرصة تانية، إحنا جينا لبلد قريبة و قولنا إخوانا وهما كانوا ناس كتير طيبين معانا، حاولنا نستقر، بس ما ظبط، وقتنا خلص هون سيلا، لازم نشوف حالنا بمكان تاني، وما في طريقة غير السفرة هيك، أنا عارف إن الموضوع صعب، بس أنا بشوف حاجة أمان."

بكت بخوف وهي تتشبث به: "لكن أنا خايفة يا عبيدة، ليه كل ما نقول خلاص هنستقر تيجي حاجة تهدم بيتنا وتفرقنا بعد ما نكون اتعودنا." مسح على رأسها بحنان ورقة: "قدرنا هيك سيلا الحمد لله على كل حال، المهم إننا سوا، المهم إنك معي، بإذن الله كل شي هيكون منيح، أنا واثق إن ربنا هيكرمنا."

أومأت وهي تتشبث بأحضان تبحث عن الأمان بين أحضان وطنها الحقيقي، فأن لم يكن لها بيت ووطن، سيكون ذراعي شقيقها بيتها وأمانها وأرضها الصلبة الوتد الذي تستند عليه دون خوف. "أنا معاك بأي حاجة هتعملها يا عبيدة، هنكمل المشوار سوا، هنعمل إيه دلوقتي، وهعمل إيه في الكلية هسحب ورقي!! فرت دمعة من عينيه وهو يقول: "ما راح تكملي الدراسة هون سيلا، بوعدك أول ما نستقر هناك هتكملي دراسة."

أومأت له وهي تبكي على حلم بات فتات وأيام لن يبقى منها سوى ذكريات. أردف بتحشرج وهو يضمها: "سيلا بكرا بتودعي صحابك، بس أوعي تقولي أي حاجة لحد." أومأت له دون أن تجد القدرة على الرد فالحزن ضرب بحنجرتها وأغلقها فلم تعد للكلمات فائدة أمام الحزن الظاهر، بعد فترة استطاعت أن تهمس: "هنسافر امتى! قبل رأسها وهو ينظر لأرجاء المنزل الصغير الذي احتواهم طوال مدة إقامتهم، والذي أصبح جزء من روحه: "بكرة بالليل." انتفضت بفزع وهي تسأل:

"إيه بكرا بالليل؟! أومأ لها والحزن يأكله: لت تقول بشرود وهي تتأمل ما حولها: "يعني خلاص راح نترك كل حاجة هنا وبنمشي، معدناش هنرجع هنا تاني!! أردف بصوت عميق وهو ينظر لعيونها بتأثر:

"إحنا تركنا وطنا يا سيلا من فترة طويلة، تركنا ديارنا، تركنا أهلنا تحت التراب، تركنا كل شي ورانا لحتى ننجوا من دمار الحرب، جينا لهون واحنا ما بنعرف هل دي المحطة الأخيرة ولا فترة استراحة، بعرف إنك سويتي ذكريات ورفقات، وحياة هنا، بس هون ما آخر محطة، وما بنعرف هناك آخر محطة ولا لأ، إحنا بنبحث عن شقفة أرض تضمنا، بس ما بظن إن بعد وطنا نلاقي وطن، راح تكون كلها محطات مؤقتة، حتى نعود لديارنا في يوم من الأيام."

بكت بقوة وغير تصديق ليضمها بين ذراعيه وهو يعتذر بكلمات هامسة عن قساوة العالم ووحشيته، عن تشتت صغيرته، عن قلبها المنكسر، الحياة التي تذيقهم المُر مراراً وتكراراً. دخل بخطوات يجر بها جبال من الخيبات ثم وقف أمامه يتأمل تجاعيد وجهه الذي حفرها الزمن، يتأمل كل تفصيلة. وجهه، عباءته الثمينة، يده الممسكة بالسبحة، المكتب الفخم، كل شيء. رفع والده الحاج عرفات وجهه يتطلع به بملامح مقتضبة: "خير عايز إيه، عقلك رجع لراسك ولا لسه."

رد عبد الرحمن بجمود: "أنا من الصبح وأنا بفكر، بشوف أنا قدمتلك إيه وأنت قدمتلي إيه." سخر والده وهو يضع قدم فوق الأخرى ويعود بظهره للخلف بفخامة: "قدمتلك إيه!! أنا اللي خليتك راجل مالك هدومك، خليت الناس تحترمك، خليتك راجل شايل مسؤولية، علمتك كل حاجة، بدل ما تكون عيل طري أبوه معاه فلوس، خليتك تتعلم الشغل والصنعة وتتتمرمط عشان تعرف قيمة القرش، عليتك وخليت ليك قيمة وشأن، وراجل بجد، أنت بقى عطتني إيه يا عبد الرحمن."

ضحك عبدالرحمن بعدم تصديق: "عطيتك إيه!!

أنت أخدت عمري، وصحتي، وكل حاجة بحبها، أنت ما خلتنيش أختار أي حاجة أنا عايزها، أنت ما خلتنيش أدرس الحاجة اللي عايزها، ودخلتني في شغلك أنت مرمطتني، شغلتني كل حاجة صبي وسواق وتباع ميكانيكي كل حاجة أنت مكنتش بتخليني أنام عاملتني أسوأ من أسوأ حد شغال عندك، كنت ضاغط عليا وعلى أعصابي، محيت أحلامي وشخصيتي، محيت عمري، أنا ما قدمتش حاجة معينة، أنت أخدت مني كل حاجة، أنت فعلاً عملتني، عملتني شخص أنا مش عارفه ومش عايزه، وفي الأخير عايز تغصبني اتجوز بنت مراتك كمان."

ضرب عرفات على المكتب وهو يقول بصرامة: "آه أنت جاي تعمل فيها الضحية صح! اسمع كلامك ده وفره لنفسك، أنا عملت اللي اتربيت عليه، مش مهم بقى أحلامك والكلام الفاضي ده، المهم إن طلعتك راجل." صرخ عبد الرحمن بغضب ممزق: "راجل مش عارف نفسه." رد عرفات بغير اهتمام: "الكلام بتاع الأفلام والمسلسلات ده ما يخش عليا، أنت ما قدرتش تقعد من غير الفيزا بتاعتك عشان كده جاي تقول الكلمتين دول." هز عبد الرحمن رأسه بيأس وقد فقد الأمل من والده

وعزم على تنفيذ ما فكر به:

"لا أنا كنت جاي أتأكد من حاجة، واتأكدت منها خلاص، وأعرف إن أنت السبب في اللي هعمله، أنا قادر أعيش من غير الفيزا اللي بتذلني بيها اللي أصلاً أنا اللي جايب كل قرش فيها من عرق جبيني وشقيان فيهم، وضيعت عمري معاك وفي الآخر بتسحب مني الفلوس وأنا في العمر ده عشان تلوي دراعي، الطفل اللي كنت بتعاقبه كده كبر وقادر بتخلي عن أي حاجة، تغور الفلوس دي لو هي اللي هتعيشني مذلول ومضغوط وبتتلوي دراعي بيها، مع السلامة يا حاج عرفات، مع السلامة يا بابا."

صرخ عرفات بصوت عالٍ غاضب: "هترجع تاني يا عبد الرحمن أنت مالكش مكان غير هنا، مفكر إن مش هعرف أشغل المصلحة من غيرك، بس افتكر إنك هترجع هنا تاني زي الكلب، بس هترجع على شروطي أنا." تحرك عبد الرحمن بخطوات واسعة وهو يهز رأسه بتصميم ويشد على فكه همس بفحيح: "هنشوف." أخرج الرقم واتصل به ليقول بتصميم ونبرة قاطعة: "أنا جاهز بكرا بالليل قابلني."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...