الغضب كالنار إن تركته يتحكم بك ستكون نهايتك. حياتنا عبارة عن مجموعة من القرارات، وليست جميعها صحيحة. كل شيء انقلب في أقل من ساعات. الفرار من طريق مظلم هو أشد خطورة من مواجهة الخطر، وهذا ما حدث لهم جميعاً. تحركوا جميعاً لمكان التجمع.
كان جسد باهي يشتعل من الغضب بعدما انفجرت أعصابه، مطيحاً بالأخضر واليابس، ملقياً قنبلته وقرار سفره دون أن يتخذ بعض الدقائق للتفكير أو مناقشة عائلته للأمر، بل ألقى كلماته محدثاً صاعقة ورحل دون الالتفات، وقد تحكم به غضبه وأعماه عن الصواب. على الطريق الصحراوي في الظلام، وقف بجانب جمال وعمار بملامح مقتضبة وجسد متحفز. أردف جمال بسخرية: "أفرد وشك يا باهي، مالك مكشر ليه؟
"فكك مني يا جمال، أنا مش طايق نفسي، وخلصني شوف الراجل ده فين، خلينا نخلص." أومأ لهم ثم سألهم بصوت جشع: "جبتوا الفلوس؟ أومأ عمار له، بينما تجاهله باهي وهو يشعر بعدم الارتياح والضيق يصيب صدره. بعد قليل، توقفت سيارة نصف نقل أمامهم بصندوق مغلق، ونزل منها رجل حاد الملامح ضخم البنية. اقترب عمار يهمس لهم بقلق: "هو ده يا جمال؟ همس جمال ببرود: "تقريباً." أردف الرجل بصوته الخشن: "جهزتوا الفلوس؟
اومأوا له ليستلم منهم الفلوس ويعدها، ثم نظر لهم بتفحص وأشار لهم: "تعالوا ورايا." اقتربوا يسيرون خلفه لخلف السيارة أمام باب الصندوق. فتح الرجل الضخم البوابة، كانت من الداخل معتمة لا يظهر ما بداخلها. نظروا لبعضهم بريبة، ليستمعوا للرجل يقول بحده: "خلص يا عم، أنت وهو، مش عايزين حد ياخد باله مننا." صعد الثلاثة إلى السيارة، وأغلق الرجل باب الصندوق. لم يرى أي منهم أي شيء، يغرق المكان في الظلام الدامس.
تقدم كل منهم ليجلسوا في أي مكان، ليدعس أحدهم على شيء ليأتيه صوت نسائي وهو يصرخ: "آه، حاسب، دوست على رجلي." اتسعت أعين عمار وهو يردف بخفوت: "إيه ده؟ هو في حريم؟ هذه المرة، أتاه صوت رجل حاد باللهجة المصرية الركيكة: "وأنت مالك." سكن عمار دون حديث، وهو يستشعر خطورة الخوض بهذا الأمر. بعد دقائق، وقفت السيارة مرة أخرى، وصعد أحدهم دون أن يتبين أحد شكله بسبب الظلام. وتكرر هذا الأمر ثلاثة مرات دون أن يتبين أي أحد وجه الآخر.
كان السكون يعم أرجاء المكان. مرت أكثر من ثلاثة ساعات، لتعلو أصوات الهمسات في الصندوق. "عبيدة عايزة أروح الحمام." خرج هذا الصوت بهمس في أحد الأركان، ليضمها عبيدة أكثر إليه وهو يهمس لها بعجز: "استحملي حبيبتي شوية لحد ما نوصل لأي مكان." أومأت هي بارتباك وهي تلتصق به، لعلها تحصل على أي أمان. بينما هو تمسك بيدها جيداً، وأعينه تخشى أن تنغلق، يشعر بحجر من المسؤولية متعلق بعنقه. "ما تخافي حبيبتي، كل شيء هيكون بخير."
ألقت رأسها على صدره وهي تتنهد بخوف من القادم. على بعد بعض الخطوات، كان يقبع عبد الرحمن. يشعر بالقهر على نفسه، أنه لجأ لهذه الطريقة، مبعثراً هيبته. هو عبد الرحمن عرفات، يفر من البلاد بهذه الطريقة. وكل هذا بسبب تأكده أن والده سيعيق أي إجراءات سيتخذها للسفر. حركت أنه أوقف حساباته البنكية وشهرته بالذل. هو لن يتحمل أن يتحكم به بهذه الطريقة المهينة، لذلك اتخذ أقرب طريق بعيداً عن والده.
هو السفر بهجرة غير شرعية، لن يستطيع والده الوصول له. سيفاجئه أنه وصل أوروبا دون أن يكون له يد لإيقافه. لكن جلسته المهينة هذه الآن كأنه يهرب كالصوص، وسط أفراد لا يعلمهم، في الظلام الدامس. كل هذا شعور يزيد من نقمته أن أقرب الأشخاص إليه هو السبب بكل هذا. لكنه ترك كل شيء خلفه، لعله يجد حياة جديدة، يجد بها نفسه، ويعيش لأجل نفسه. أما باهي، يضع رأسه بين يديه يشعر بأنه تسرع.
في خلال الساعات التي جلس بها الآن في السيارة، تخلى غضبه عنه وحل مكانه القلق. لكن الهدوء والتفكير السليم أتيا بعدما سبق السيف العزل وانتهى الأمر. لم يعد هناك رجعة. شعر بقلبه يقفز بفزع عندما ظهرت صورة صغيره الذي تركه دون أن يودعه حتى. هل فاق الآن؟ لكن غضبه بسبب القهر الذي تعرض له ما زال يحوم بداخله وينهش به. جانب منه يذكره بهذا، والجانب الآخر يتصارع معه ليذكره بابنه.
في الحالتين، عليه أن يفيق على مرارة الواقع الذي اتخذه بنفسه. أما عمار، حماسه هو المسيطر عليه. لا يصدق أن بعض الساعات تفرقه على الحرية. عليه أن يصبر بعد الساعات، وبعدها سيمحو كل ذكرياته، سيولد ببداية جديدة. في بلد لا يعرفه بها أحد، بلد يستطيع أن يفعل بها أي شيء. وأخيراً، سيخرج من سجن أبيه وكل تعقيداته. الأفكار مختلفة. كل فرد يركب بهذا الصندوق يشعر بشعور متضارب. كلاً بحكاية وقصة مختلفة.
منهم من يسعى للنجاة، ومنهم من يسعى للمتعة، ومنهم من يسعى لمستقبل أفضل. فهل سينالوا هذا المستقبل الأفضل؟ مرت الساعات ببطء يكاد يصيبهم بالجنون. وأخيراً، توقفت السيارة عند طلوع الشمس، ليتنهد الجميع بإرهاق ويقفوا باستعداد. سأل عمار بفضول: "إحنا كده وصلنا فين؟! بعد سؤاله بدقيقتين، استمع لصوت فتح الأبواب. أغلق الجميع أعينهم بسبب الضوء الذي وقع عليهم بعد ساعات في الظلام. ونفس الرجل ضخم البنية يقول بخشونة:
"إحنا وصلنا على حدود مصر وليبيا. فيه عربيات هتتقسموا عليها عشان تعدوا الحدود تطلعوا الهضبة، لأن ما ينفعش أعدي بالعدد ده كله. هسيب الباب مفتوح لحد ما العربيات توصل، بس يا ريت محدش ينزل من العربيات، عشان دوريات الحدود." التفت عبد الرحمن برأسه يتطلع حوله ويفك عضلات جسده المتشنج، ليلمح باهي على جهته اليسرى. اتسعت أعينه بعدم تصديق.
بينما اقترب عبيدة وهو يسحب شقيقته من يدها ويخشى أن يتركها في أي مكان فيجعلها تلتصق به، يردف للرجل بنبرة هادئة حاول جعلها مصرية لكنه فشل، فخرجت مصرية ركيكة تظهر بوضوح أنها مصطنعة: "لو سمحت، عايزين ننزل عشان فيه حريم بدها تقضي حاجاتها." ضيق الرجل عينيه وهو ينظر له، ليأتي صوت بعض النساء الموجودات باستحياء: "ياريت." تعجب البعض من وجود النساء معهم، فلم يتخيلوا أنهم يهاجرون هكذا.
وبالنظر لبعضهم، اكتشفوا وجود أطفال وشباب من أعمار مختلفة، وبعضهم يظهر عليه اختلاف الجنسية، وبعض النساء. أردف الرجل بحدة: "ما ينفعش تنزلوا من العربية كده خطر، وبعدين أنتوا مش طالعين رحلة." شعرت النساء بالإحراج. أردف باهي يتعصب وقد اشتعلت مروءته: "ما ينفعش كده، دول حريم، إحنا نستحمل، إنما هما لا." بينما اقترح عبد الرحمن: "ممكن اتنين اتنين ينزلوا، خلي عندك نخوة."
التفت باهي ينظر خلفه للصوت المتحدث، وتفاجأ بوجود عبد الرحمن، فهو يعرفه أنه من القرية المجاورة. وأيضاً هو نفسه الشاب الذي اصطدم به بالحادث في البداية. شعر بالإحراج، وكذلك عبد الرحمن، وذلك لمكانة الاثنين. لكنهم فكروا بأنهم جميعاً في سفينة واحدة. ابتسم باهي بتردد كتحية، ليردها عبد الرحمن وهو يهز رأسه بإيماءة صغيرة رداً عليه. شعر الرجل ببداية الهجوم عليه، فقرر اتخاذ السلامة حتى لا ينقلبوا عليه قبل أن يجتازوا الحدود.
لذلك أردف بخشونة ونفاذ صبر وهو يشير: "تمام خلاص خلاص، فيه شجرة قدام اهي ممكن تروحوا عندها، بس اتنين اتنين عشان محدش ياخد باله." نظرت سيلا لشقيقها بخوف، ليومأ له لتقترب فتاة منها بخجل وهي تقول باستحياء: "هاجي معاكي، تعالي." التفت عبد الرحمن برأسه كالرصاصة بغير تصديق. لا، مستحيل أن يكون قدره بهذا السوء. كيف أتت لهنا!! همس باسمها بأعين جاحظة، وهو يشدد على قبضته. بينما هي أمسكت يد سيلا واتجهوا لينزلوا من الصندوق.
كاد الرجل أن يبتعد، ليردف عبيدة بتحفز: "أنت رايح لفين؟ أنت هتفضل قاعد هنا لحد ما يرجعوا." أومأ الرجل وهو يجلس على طرف الصندوق، بينما شيّع عبيدة شقيقته بنظرات قلقة. حاول أن يطمئن، فهي معها أنثى مثلها. همست سيلا بإحراج عندما وصلوا للشجرة: "أنا هقف قدام الشجرة وأديكي ضهري لحد ما تخلصي، وبعدين تقفيلي." أومأت لها الفتاة بوجه أحمر وأعين دامعة. الشعور بالجزع والذعر يكون مضاعفاً لدى الفتيات في المخاطر.
انقشاع قشرة الأمان والخروج في منطقة الخطر، عليك أولاً عدم الثقة بأحد. أغمضت الفتاة عينيها وفرت دمعات منها، بينما سيلا مسلطة ببصرها على السيارة تستمد منها الأمان وسط هذه الصحراء المرعبة. "خلصت." التفتت سيلا وهي تومأ لها، ثم سلموا أماكنهم لبعض دون أن تجد أي واحدة منهم القدرة على الكلام، فالموقف صعب وضغط على الأعصاب بشكل لا يصدق. انتهت سيلا وقد شعرت أخيراً بالراحة بعد كتمانها كل هذه الساعات.
وكان تفكير مرعب أن تظل هكذا حتى يخرج الأمر عن سيطرتها، لكن الحمد لله لم يحدث أسوأ أول كوابيسها. "يلا نرجع." أومأت لها الأخرى، لتهمس بصوت منخفض: "شكراً." هزت سيلا رأسها بحنان: "معملتش حاجة، دي حاجة خارجة عن سيطرتنا. أنتِ هنا لوحدك؟! شعرت الفتاة بالخواء لسؤالها، وبأنها عارية في الصحراء بلا مأوى أو ظهر، لتهز رأسها بالإيجاب. أردفت سيلا بحنان: "إحنا ممكن نكون مع بعض، أنا معايا أخويا، وكمان أنا وأنتِ بنات زي بعض، متخافيش."
صمتت الأخرى تفكر، ثم أومأت لها بخجل. لن تخسر أكثر مما خسرت بالفعل، على الأقل تكون بجانب فتاة بدلاً من الوحدة أو من أن تجلس وسط الرجال. اقتربوا من السيارة لتردف سيلا بهدوء: "أنا سيلا، وأنتِ اسمك إيه؟! "نسيم؟! لم يكن هذا صوتها، بل صوت أتى من خلفها جعلها ترتعد خوفاً وهي تنظر لصندوق السيارة. أبصرته أمامها بملامح غاضبة لتبتلع لعابها بخوف وهي تفكر، ما الذي يفعله هنا!! بينما سألت سيلا بعدم فهم: "مين ده؟ تعرفيه؟
لم تنطق الأخرى وقد شحب وجهها. ليردف الرجل صاحب السيارة: "مش وقت صدمة، اطلعوا، والاتنين التانيين ينزلوا." ساعد عبيدة شقيقته، وكاد يمد يده لنسيم ليساعدها، لكن اقتربت شقيقته تساعدها، فعاد للخلف بإحراج. أما عبد الرحمن، فرنت أجراس الخطر بعقله، وهو يقترب منها يهسهس بفحيح مرعب: "إنتِ حد راميّك عليا؟ بتعملي إيه هنا؟ أنا سبتلك البلد وطفشت، جاية ورايا!! عايزة إيه مني؟
نظرت له بحنق محرج، وقد جذب أنظار كل من يجلس في السيارة، لترد بخفوت مبهوت من الصدمة: "هكون جاية لي؟ أكيد لنفس السبب اللي جابك هنا، بس حظي الأسود رماني تاني في سكتك. أنا أصلاً سبتهالك خالص، أقوم سبحان الله ألاقيك في وشي." كاد يرد عليها، لكن قاطعه الرجل بصوت حاد: "ما تحلوا مشاكلكم في البيت، انتوا جاين هنا على الحدود تحلوها؟! أردف عبد الرحمن بجمود: "اسمع، هي مش هتسافر، هترجع معاك تاني، مش هتعدي الحدود." همس
عمار وهو يجلس بجانب باهي: "شكلها سفرية عسل، مكنتش متخيل إن معانا بنات، لا وكمان فيه أكشن، أيوة كده دلعني." نظر له باهي بحدة وهو يردف بصرامة: "تعرف تخرس، هي مش ناقصاك." وكانت سيلا قريبة منه لترمقه بنظرة مشمئزة، انتبه لها لتتسع ابتسامته بسماجة. بينما رد الرجل على عبد الرحمن بحدة وهو يخبط على السيارة: "هو إيه أصله ده؟ انتوا فاكرينها رحلة بجد ولا إيه؟
الموضوع ده لو اتعكشنا فيه هنروح في داهية. دخول الحمام مش زي خروجة، وكل واحد هنا جه بمزاجه، مينفعش تقولي دلوقتي لا عايز أرجع، إحنا مش بنلعب." أردفت نسيم بجدية وهي تنظر له بإصرار: "بالظبط، وبعدين أنت مالكش دعوة بيا، ولا أنت وصي عليا، ولا من بقية أهلي، اعمل نفسك متعرفنيش، وكل واحد في طريقه." ثم ولته ظهرها واقتربت تجلس بجانب سيلا، التي نالت تهمس لها بفضول: "مين ده؟ "سيلا!!
أردف عبيدة بتأنيب، لتنظر له، ليحذرها بأعينها من عدم التحدث مع الغرباء، لتومأ له وهي تصمت، ثم أمسكت بيد نسيم تشد عليها وهي تهمس: "متخافيش." شد عبد الرحمن شعره للخلف وهو يكاد يقتلعه من جذوره. من أي كارثة ألقيت عليه هذه الفتاة؟ هل يصعد للمريخ حتى لا يراها؟ بعدما فر منها ومن والده، يجدها ملتصقة به كالعلكة. ما هذه الصدفة التي تكاد تصيبه بذبحة صدرية. استوعب الآن لماذا ذهبت للصائغ، وباعت شيئاً لها. الأمر ألمه.
لم يستحمل الجلوس مكتوف الأيدي، ليتقدم منها ويجلس مقابلاً لها. رفعت أعينها له ببرود، ليردف هو بعصبية: "إيه اللي خلاكي تعملي كده؟ رفعت إحدى حاجبيها بتعجب وهي تردف بتألم: "ما قلتلك مع أول فرصة همشي، مكنتش هستنى أبقى عبء عليك أو على باباك. باباك اللي غصبك عليا عشان يخلص ضميره من المسؤولية بعد ما ماما الله يرحمها وصّته عليا. أنا إنسانة، مش بضاعة في مخزنه عايز يخلص منها بأي شكل." تنهد وقد أفحمه ردها.
حتى الغريبة فرت من تحكم والده بها. نكس رأسه، ثم حاول إثنائها عن قرارها: "طب اسمعي، أنتِ هتسافري لي؟ الطريق خطر، وبعدين صعب على الرجالة، أنتِ هتستحملي إزاي؟ هتروحي تعملي إيه أصلاً؟ ارجعي يا نسيم، أنا هسافر ومعتش هتشوفي وشي ومش هضايقك." اقتربت بوجهها تردف بعناد جعله يريد ضرب رأسها في جانب الصندوق: "مش هرجع يا عبد الرحمن، معتش ليك دعوة بيا، أنت مش ولي أمري. عايز ترجع أنت لحياتك اتفضل."
عض على شفتيه بغيظ وهو ينظر لها بحنق، ثم أردف بغضب: "براحتك، أنا هشتال مسؤوليتك لي أصلاً، أنا مالي." أومأت له بتأكيد: "بالظبط، ملكش دعوة بيا." استقام يبتعد عنها ليجلس بجانب باهي، الذي لم يعرهم اهتماماً وهو يطوف في عالمه الخاص. سأله عمار بفضول: "أنت مش متحمس لي يا باهي؟ نظر له باهي بطرف عينيه بسخرية، ثم أردف بصوت يسكنه الحزن: "هتحمس لأيه وأنا سايب بيتي وابني ومراتي وأهلي؟ أنا حاسس بخنقة وكأن بقطع حتة من قلبي." قلب عمار
عينيه بملل وهو يرد بحنق: "إيه الدراما دي كلها يا باهي؟ اللي يشوفك يقول رايح السجن مش مسافر أوروبا، وبعدين أنت رايح تشتغل عشانهم." أومأ باهي وهو ينظر له باستخفاف: "ما أنت مش هتحس باللي بقوله، عشان أنت أصلاً رايح تتفسح وتعيش حياتك، أهدافنا مش زي بعض يا عمار، ودماغنا مش هتتلاقى." أردف عبد الرحمن بتردد: "ازيك يا باهي، مكنتش متخيل إننا ممكن نتقابل هنا." ابتسم له باهي وهو يومأ: "سبحان الله، قدارنا بس. أنت عامل إيه؟
هز عبد الرحمن رأسه بإحراج وهو يبرر: "اعذرني إن مسألتش عليك من بعد ما خرجت من المستشفى، أنا بس كنت مضغوط في الشغل." ربت باهي على كتفه بتسامح: "اللي حصل ده نصيب، وبعدين كلنا مشغولين في حياتنا، ما شتلتش هم، أنا مش زعلان." حمحم عمار وهو يتدخل في الحوار ليسأل عبد الرحمن بفضول: "مش أنت عبد الرحمن ابن الحاج عرفات؟! أومأ له الآخر بملامح جامدة، ليردف عمار باستغراب:
"أنا مستغرب أوي بجد إنك معانا هنا. معلش يعني، أنت مسافر كده ليه؟ شعر عبد الرحمن بغصة بحلقه، شعور المرارة والمهانة من حديث عمار المستهين. بالفعل، ماذا يفعل هنا؟ لكن بدلاً من أن يجيب هو، أجاب باهي وهو ينظر لعمار بجدية: "وأنت مسافر كده ليه؟ وأنا مسافر كده ليه؟ كلنا مسافرين كده ليه؟ كلنا عندنا ظروف يا عمار، إحنا مش بنعمل مغامرة جديدة عشان نجدد حياتنا." عمار شفتيه وهو يجيب بملل:
"لا انتوا مكلكعين أوي بجد، أنا رايح أقعد مع جمال." سأل عبيدة الرجل الذي أتى بهم لهنا: "معلم، هو الطريق آمن! والمركب كويسة! رد الرجل بتأكيد وبطريقة مبتذلة: "طبعاً، ناس ياما سافرت كده، الموضوع سهل وآمن جداً، مفهوش أي خطورة، أنت مشفتوش الناس اللي سافرت ولا إيه! أومأ عبيدة وهو ينظر لشقيقته باطمئنان. بينما هي ابتسمت له وهي تشدد على قبضة يده. التفتت لنسيم التي تختلس النظرات لعبد الرحمن الذي يتجاهلها، لتقول لها بصوت حنون:
"اسمك حلو أوي يا نسيم." التفتت نسيم لها وهي تبتسم بخجل، ثم أردفت: "شكراً، أنتِ كمان اسمك حلو. انتوا مش مصريين صح؟ ارتجفت سيلا بقلق وهي تنظر لأخيها، لتسألها بتردد: "ليه؟ هزت نسيم كتفها بلا اهتمام: "عشان المصري بتاعكم مكسر، واضح إنكم مش مصريين. أخوكي كلامه واضح إن دي مش لهجته، وكمان شكلكم كده مش مصري." عضت سيلا على شفتيها وهي تهمس لها: "آه، محناش مصريين، بس عبيدة قالي مقولش لحد، عشان محدش ياخد باله مننا."
ردت نسيم بسخرية تمازحها لتخفف توترها: "لا متخافيش، محدش أخد باله خالص. أخوكي أصلاً نص الكلام اللي نطقه مش مصري، و أصلاً هو كل ما حد يعرف إن اسمه عبيدة، هيتأكدوا إنكم مش مصريين. وبعدين إيه الخطر في إن حد يعرف إنكم مش مصريين؟ ما إحنا مسافرين معاكم، هو إحنا يعني طالعين دريم بارك." ابتسمت لها سيلا جراء مزاحها لتطمئن قليلاً. ربتت نسيم على يدها:
"إحنا واحد يا سيلا، والله كان نفسي أقولك نورتي مصر، بس إحنا خلاص طالعين منها، نورتي الحدود." سأل عمار بصوت ملول: "هو إحنا هنفضل هنا كتير؟ رد الرجل ببرود: "إحنا بنستنى العربيات اللي هتعديكم الحدود وتطلعكم الهضبة." عمار شفتيه وهو يسأل بغباء: "مش ممكن يكونوا ضاعوا في الصحراء! ولا انتوا معلمين المكان بالشجرة دي! نظروا له الجميع بصدمة، ليسخر الرجل: "شجرة!!
لا الناس دول عرب، حافظين الصحراء زي اسمهم، متخافش، شكلك متحمس أنت." سألت نسيم سيلا بخفوت وهي تبعد نظرها عن مكان جلوس عبد الرحمن: "انتوا إيه خلاكم تسافروا؟ تنهدت سيلا بتعب وهي تقول بخفوت وقد أخذ منها الإرهاق: "الإقامة بتاعتنا خلصت ومعرفناش نجددها، كانوا هيخلونا نعود لبلادنا، بس هنروح نعمل إيه؟ بيتنا اتدمر وأهلنا ماتوا، ومعناش فلوس، مكنش في قدامنا طريقة غير دي." سألتها نسيم بتلقائية:
"ليه مفكرتيش تتجوزي حد مصري، أو أخوكي يتجوز مصرية؟ ردت عليها سيلا بهدوء مقتضب لصعوبة هذا الأمر على نفسيتهم، وكأنهم يعرضون أنفسهم لأجل الإقامة: "ما حبينا نتجوز عشان كده، الجواز ده ليه قدسية وليه أصول، مش معقول أروح أتجاوز أي حد للإقامة، عبيدة عصب جداً من الموضوع ده لما حد اقترحه عليه، حس بالإهانة، إحنا بشر ولينا مشاعر، حتى هو مرضاش يتجوز واحدة ويظلمها معاه لأن الظروف وحشة ومش مضمونة." أومأت لها نسيم
وهي تشعر بنفس المعاناة: "عندك حق، أنا حاسة بيكي عشان مريت بنفس الحاجة، أنا آسفة مش قصدي." ردت سيلا بتفاهم: "ولا يهمك عادي، أنتِ حصل معاكي إيه؟ كادت نسيم أن تجيب، ليقطعها صوت الرجل الغليظ: "العربيات وصلت، جهزوا نفسكوا عشان هتتقسموا على العربيات." استقام الجميع ليتجهزوا للرحيل، لتمسك سيلا بيد شقيقها ويد نسيم. نظر عبد الرحمن لها، ثم وقف بجانب باهي، الذي همس له بتردد: "جاهز؟ تنهد عبد الرحمن بقلب خافق: "مش عارف، أنت جاهز؟
هز باهي رأسه: "زيك، مش عارف، مش عارف أنا لي هنا! قال الرجل بصوت عالٍ نسبياً: "هتنزلوا واحدة واحدة من العربية، وهتركبوا العربيات بهدوء، مش عايزين شوشرة." ركب عبيدة وشقيقته ونسيم إحدى السيارات. نظرت نسيم لعبد الرحمن لترى أين ركب، وشعرت بالارتجاف وهي تراه يركب سيارة أخرى. لكن ما جعلها تزفر براحة هو عودته وصعوده للسيارة التي هي بها، ومن خلفه صديقه الذي لا تعلمه.
همس عبد الرحمن لباهي وهو يراه يتجه للسيارة الأخرى غير التي ركبتها نسيم، ليشير للسيارة التي تجلس بها: "تعالى نركب العربية التانية دي، اتملت." ابتسم باهي بخبث له وهو يشير له بالموافقة، ليزفر عبد الرحمن بسبب هذا الشعور اللعين بالحماية القسرية لها. قال عمار لجمال: "بقولك يا اسطا، تعالى نركب العربية اللي فيها المزتين دول." رد جمال بسخرية: "وماله يلا يا خويا، أهو نستمتع شوية، بدل الملل ده."
صعدوا جميعاً بسيارة واحدة، وقد كتب عليهم أن يجتمعوا من الآن وحتى النهاية التي لا يعلم أحد متى هي. تحركت السيارات بالتزامن، لينظر باهي خلفه ونفسه يضيق مودعاً أراضي الوطن، وتاركاً قلبه هنا حيث عائلته التي تسكنه، وآخر ما رآه في أرضه كانت أثر الشجرة التي توقفوا عندها، وبعدها كل شيء اختفى. ولا يعلم متى العودة مرة أخرى، ومتى سيرى أهله مرة أخرى.
جزء منه ينازع لكي يقفز ويعود لداره وينتظر، لكن من فاز كان الجزء الأسوأ الذي سحبه لطريق مظلم لا يعلم هل سينجو منه أم لا. الغضب كالنار إن تركته يتحكم بك ستكون نهايتك. حياتنا عبارة عن مجموعة من القرارات، وليست جميعها صحيحة. كل شيء انقلب في أقل من ساعات. الفرار من طريق مظلم هو أشد خطورة من مواجهة الخطر، وهذا ما حدث لهم جميعاً. تحركوا جميعاً لمكان التجمع.
كان جسد باهي يشتعل من الغضب بعدما انفجرت أعصابه، مطيحاً بالأخضر واليابس، ملقياً قنبلته وقرار سفره دون أن يتخذ بعض الدقائق للتفكير أو مناقشة عائلته للأمر، بل ألقى كلماته محدثاً صاعقة ورحل دون الالتفات، وقد تحكم به غضبه وأعماه عن الصواب. على الطريق الصحراوي في الظلام، وقف بجانب جمال وعمار بملامح مقتضبة وجسد متحفز. أردف جمال بسخرية: "أفرد وشك يا باهي، مالك مكشر ليه؟
"فكك مني يا جمال، أنا مش طايق نفسي، وخلصني شوف الراجل ده فين، خلينا نخلص." أومأ لهم ثم سألهم بصوت جشع: "جبتوا الفلوس؟ أومأ عمار له، بينما تجاهله باهي وهو يشعر بعدم الارتياح والضيق يصيب صدره. بعد قليل، توقفت سيارة نصف نقل أمامهم بصندوق مغلق، ونزل منها رجل حاد الملامح ضخم البنية. اقترب عمار يهمس لهم بقلق: "هو ده يا جمال؟ همس جمال ببرود: "تقريباً." أردف الرجل بصوته الخشن: "جهزتوا الفلوس؟
اومأوا له ليستلم منهم الفلوس ويعدها، ثم نظر لهم بتفحص وأشار لهم: "تعالوا ورايا." اقتربوا يسيرون خلفه لخلف السيارة أمام باب الصندوق. فتح الرجل الضخم البوابة، كانت من الداخل معتمة لا يظهر ما بداخلها. نظروا لبعضهم بريبة، ليستمعوا للرجل يقول بحده: "خلص يا عم، أنت وهو، مش عايزين حد ياخد باله مننا." صعد الثلاثة إلى السيارة، وأغلق الرجل باب الصندوق. لم يرى أي منهم أي شيء، يغرق المكان في الظلام الدامس.
تقدم كل منهم ليجلسوا في أي مكان، ليدعس أحدهم على شيء ليأتيه صوت نسائي وهو يصرخ: "آه، حاسب، دوست على رجلي." اتسعت أعين عمار وهو يردف بخفوت: "إيه ده؟ هو في حريم؟ هذه المرة، أتاه صوت رجل حاد باللهجة المصرية الركيكة: "وأنت مالك." سكن عمار دون حديث، وهو يستشعر خطورة الخوض بهذا الأمر. بعد دقائق، وقفت السيارة مرة أخرى، وصعد أحدهم دون أن يتبين أحد شكله بسبب الظلام. وتكرر هذا الأمر ثلاثة مرات دون أن يتبين أي أحد وجه الآخر.
كان السكون يعم أرجاء المكان. مرت أكثر من ثلاثة ساعات، لتعلو أصوات الهمسات في الصندوق. "عبيدة عايزة أروح الحمام." خرج هذا الصوت بهمس في أحد الأركان، ليضمها عبيدة أكثر إليه وهو يهمس لها بعجز: "استحملي حبيبتي شوية لحد ما نوصل لأي مكان." أومأت هي بارتباك وهي تلتصق به، لعلها تحصل على أي أمان. بينما هو تمسك بيدها جيداً، وأعينه تخشى أن تنغلق، يشعر بحجر من المسؤولية متعلق بعنقه. "ما تخافي حبيبتي، كل شيء هيكون بخير."
ألقت رأسها على صدره وهي تتنهد بخوف من القادم. على بعد بعض الخطوات، كان يقبع عبد الرحمن. يشعر بالقهر على نفسه، أنه لجأ لهذه الطريقة، مبعثراً هيبته. هو عبد الرحمن عرفات، يفر من البلاد بهذه الطريقة. وكل هذا بسبب تأكده أن والده سيعيق أي إجراءات سيتخذها للسفر. حركت أنه أوقف حساباته البنكية وشهرته بالذل. هو لن يتحمل أن يتحكم به بهذه الطريقة المهينة، لذلك اتخذ أقرب طريق بعيداً عن والده.
هو السفر بهجرة غير شرعية، لن يستطيع والده الوصول له. سيفاجئه أنه وصل أوروبا دون أن يكون له يد لإيقافه. لكن جلسته المهينة هذه الآن كأنه يهرب كالصوص، وسط أفراد لا يعلمهم، في الظلام الدامس. كل هذا شعور يزيد من نقمته أن أقرب الأشخاص إليه هو السبب بكل هذا. لكنه ترك كل شيء خلفه، لعله يجد حياة جديدة، يجد بها نفسه، ويعيش لأجل نفسه. أما باهي، يضع رأسه بين يديه يشعر بأنه تسرع.
في خلال الساعات التي جلس بها الآن في السيارة، تخلى غضبه عنه وحل مكانه القلق. لكن الهدوء والتفكير السليم أتيا بعدما سبق السيف العزل وانتهى الأمر. لم يعد هناك رجعة. شعر بقلبه يقفز بفزع عندما ظهرت صورة صغيره الذي تركه دون أن يودعه حتى. هل فاق الآن؟ لكن غضبه بسبب القهر الذي تعرض له ما زال يحوم بداخله وينهش به. جانب منه يذكره بهذا، والجانب الآخر يتصارع معه ليذكره بابنه.
في الحالتين، عليه أن يفيق على مرارة الواقع الذي اتخذه بنفسه. أما عمار، حماسه هو المسيطر عليه. لا يصدق أن بعض الساعات تفرقه على الحرية. عليه أن يصبر بعد الساعات، وبعدها سيمحو كل ذكرياته، سيولد ببداية جديدة. في بلد لا يعرفه بها أحد، بلد يستطيع أن يفعل بها أي شيء. وأخيراً، سيخرج من سجن أبيه وكل تعقيداته. الأفكار مختلفة. كل فرد يركب بهذا الصندوق يشعر بشعور متضارب. كلاً بحكاية وقصة مختلفة.
منهم من يسعى للنجاة، ومنهم من يسعى للمتعة، ومنهم من يسعى لمستقبل أفضل. فهل سينالوا هذا المستقبل الأفضل؟ مرت الساعات ببطء يكاد يصيبهم بالجنون. وأخيراً، توقفت السيارة عند طلوع الشمس، ليتنهد الجميع بإرهاق ويقفوا باستعداد. سأل عمار بفضول: "إحنا كده وصلنا فين؟! بعد سؤاله بدقيقتين، استمع لصوت فتح الأبواب. أغلق الجميع أعينهم بسبب الضوء الذي وقع عليهم بعد ساعات في الظلام. ونفس الرجل ضخم البنية يقول بخشونة:
"إحنا وصلنا على حدود مصر وليبيا. فيه عربيات هتتقسموا عليها عشان تعدوا الحدود تطلعوا الهضبة، لأن ما ينفعش أعدي بالعدد ده كله. هسيب الباب مفتوح لحد ما العربيات توصل، بس يا ريت محدش ينزل من العربيات، عشان دوريات الحدود." التفت عبد الرحمن برأسه يتطلع حوله ويفك عضلات جسده المتشنج، ليلمح باهي على جهته اليسرى. اتسعت أعينه بعدم تصديق.
بينما اقترب عبيدة وهو يسحب شقيقته من يدها ويخشى أن يتركها في أي مكان فيجعلها تلتصق به، يردف للرجل بنبرة هادئة حاول جعلها مصرية لكنه فشل، فخرجت مصرية ركيكة تظهر بوضوح أنها مصطنعة: "لو سمحت، عايزين ننزل عشان فيه حريم بدها تقضي حاجاتها." ضيق الرجل عينيه وهو ينظر له، ليأتي صوت بعض النساء الموجودات باستحياء: "ياريت." تعجب البعض من وجود النساء معهم، فلم يتخيلوا أنهم يهاجرون هكذا.
وبالنظر لبعضهم، اكتشفوا وجود أطفال وشباب من أعمار مختلفة، وبعضهم يظهر عليه اختلاف الجنسية، وبعض النساء. أردف الرجل بحدة: "ما ينفعش تنزلوا من العربية كده خطر، وبعدين أنتوا مش طالعين رحلة." شعرت النساء بالإحراج. أردف باهي يتعصب وقد اشتعلت مروءته: "ما ينفعش كده، دول حريم، إحنا نستحمل، إنما هما لا." بينما اقترح عبد الرحمن: "ممكن اتنين اتنين ينزلوا، خلي عندك نخوة."
التفت باهي ينظر خلفه للصوت المتحدث، وتفاجأ بوجود عبد الرحمن، فهو يعرفه أنه من القرية المجاورة. وأيضاً هو نفسه الشاب الذي اصطدم به بالحادث في البداية. شعر بالإحراج، وكذلك عبد الرحمن، وذلك لمكانة الاثنين. لكنهم فكروا بأنهم جميعاً في سفينة واحدة. ابتسم باهي بتردد كتحية، ليردها عبد الرحمن وهو يهز رأسه بإيماءة صغيرة رداً عليه. شعر الرجل ببداية الهجوم عليه، فقرر اتخاذ السلامة حتى لا ينقلبوا عليه قبل أن يجتازوا الحدود.
لذلك أردف بخشونة ونفاذ صبر وهو يشير: "تمام خلاص خلاص، فيه شجرة قدام اهي ممكن تروحوا عندها، بس اتنين اتنين عشان محدش ياخد باله." نظرت سيلا لشقيقها بخوف، ليومأ له لتقترب فتاة منها بخجل وهي تقول باستحياء: "هاجي معاكي، تعالي." التفت عبد الرحمن برأسه كالرصاصة بغير تصديق. لا، مستحيل أن يكون قدره بهذا السوء. كيف أتت لهنا!! همس باسمها بأعين جاحظة، وهو يشدد على قبضته. بينما هي أمسكت يد سيلا واتجهوا لينزلوا من الصندوق.
كاد الرجل أن يبتعد، ليردف عبيدة بتحفز: "أنت رايح لفين؟ أنت هتفضل قاعد هنا لحد ما يرجعوا." أومأ الرجل وهو يجلس على طرف الصندوق، بينما شيّع عبيدة شقيقته بنظرات قلقة. حاول أن يطمئن، فهي معها أنثى مثلها. همست سيلا بإحراج عندما وصلوا للشجرة: "أنا هقف قدام الشجرة وأديكي ضهري لحد ما تخلصي، وبعدين تقفيلي." أومأت لها الفتاة بوجه أحمر وأعين دامعة. الشعور بالجزع والذعر يكون مضاعفاً لدى الفتيات في المخاطر.
انقشاع قشرة الأمان والخروج في منطقة الخطر، عليك أولاً عدم الثقة بأحد. أغمضت الفتاة عينيها وفرت دمعات منها، بينما سيلا مسلطة ببصرها على السيارة تستمد منها الأمان وسط هذه الصحراء المرعبة. "خلصت." التفتت سيلا وهي تومأ لها، ثم سلموا أماكنهم لبعض دون أن تجد أي واحدة منهم القدرة على الكلام، فالموقف صعب وضغط على الأعصاب بشكل لا يصدق. انتهت سيلا وقد شعرت أخيراً بالراحة بعد كتمانها كل هذه الساعات.
وكان تفكير مرعب أن تظل هكذا حتى يخرج الأمر عن سيطرتها، لكن الحمد لله لم يحدث أسوأ أول كوابيسها. "يلا نرجع." أومأت لها الأخرى، لتهمس بصوت منخفض: "شكراً." هزت سيلا رأسها بحنان: "معملتش حاجة، دي حاجة خارجة عن سيطرتنا. أنتِ هنا لوحدك؟! شعرت الفتاة بالخواء لسؤالها، وبأنها عارية في الصحراء بلا مأوى أو ظهر، لتهز رأسها بالإيجاب. أردفت سيلا بحنان: "إحنا ممكن نكون مع بعض، أنا معايا أخويا، وكمان أنا وأنتِ بنات زي بعض، متخافيش."
صمتت الأخرى تفكر، ثم أومأت لها بخجل. لن تخسر أكثر مما خسرت بالفعل، على الأقل تكون بجانب فتاة بدلاً من الوحدة أو من أن تجلس وسط الرجال. اقتربوا من السيارة لتردف سيلا بهدوء: "أنا سيلا، وأنتِ اسمك إيه؟! "نسيم؟! لم يكن هذا صوتها، بل صوت أتى من خلفها جعلها ترتعد خوفاً وهي تنظر لصندوق السيارة. أبصرته أمامها بملامح غاضبة لتبتلع لعابها بخوف وهي تفكر، ما الذي يفعله هنا!! بينما سألت سيلا بعدم فهم: "مين ده؟ تعرفيه؟
لم تنطق الأخرى وقد شحب وجهها. ليردف الرجل صاحب السيارة: "مش وقت صدمة، اطلعوا، والاتنين التانيين ينزلوا." ساعد عبيدة شقيقته، وكاد يمد يده لنسيم ليساعدها، لكن اقتربت شقيقته تساعدها، فعاد للخلف بإحراج. أما عبد الرحمن، فرنت أجراس الخطر بعقله، وهو يقترب منها يهسهس بفحيح مرعب: "إنتِ حد راميّك عليا؟ بتعملي إيه هنا؟ أنا سبتلك البلد وطفشت، جاية ورايا!! عايزة إيه مني؟
نظرت له بحنق محرج، وقد جذب أنظار كل من يجلس في السيارة، لترد بخفوت مبهوت من الصدمة: "هكون جاية لي؟ أكيد لنفس السبب اللي جابك هنا، بس حظي الأسود رماني تاني في سكتك. أنا أصلاً سبتهالك خالص، أقوم سبحان الله ألاقيك في وشي." كاد يرد عليها، لكن قاطعه الرجل بصوت حاد: "ما تحلوا مشاكلكم في البيت، انتوا جاين هنا على الحدود تحلوها؟! أردف عبد الرحمن بجمود: "اسمع، هي مش هتسافر، هترجع معاك تاني، مش هتعدي الحدود." همس
عمار وهو يجلس بجانب باهي: "شكلها سفرية عسل، مكنتش متخيل إن معانا بنات، لا وكمان فيه أكشن، أيوة كده دلعني." نظر له باهي بحدة وهو يردف بصرامة: "تعرف تخرس، هي مش ناقصاك." وكانت سيلا قريبة منه لترمقه بنظرة مشمئزة، انتبه لها لتتسع ابتسامته بسماجة. بينما رد الرجل على عبد الرحمن بحدة وهو يخبط على السيارة: "هو إيه أصله ده؟ انتوا فاكرينها رحلة بجد ولا إيه؟
الموضوع ده لو اتعكشنا فيه هنروح في داهية. دخول الحمام مش زي خروجة، وكل واحد هنا جه بمزاجه، مينفعش تقولي دلوقتي لا عايز أرجع، إحنا مش بنلعب." أردفت نسيم بجدية وهي تنظر له بإصرار: "بالظبط، وبعدين أنت مالكش دعوة بيا، ولا أنت وصي عليا، ولا من بقية أهلي، اعمل نفسك متعرفنيش، وكل واحد في طريقه." ثم ولته ظهرها واقتربت تجلس بجانب سيلا، التي نالت تهمس لها بفضول: "مين ده؟ "سيلا!!
أردف عبيدة بتأنيب، لتنظر له، ليحذرها بأعينها من عدم التحدث مع الغرباء، لتومأ له وهي تصمت، ثم أمسكت بيد نسيم تشد عليها وهي تهمس: "متخافيش." شد عبد الرحمن شعره للخلف وهو يكاد يقتلعه من جذوره. من أي كارثة ألقيت عليه هذه الفتاة؟ هل يصعد للمريخ حتى لا يراها؟ بعدما فر منها ومن والده، يجدها ملتصقة به كالعلكة. ما هذه الصدفة التي تكاد تصيبه بذبحة صدرية. استوعب الآن لماذا ذهبت للصائغ، وباعت شيئاً لها. الأمر ألمه.
لم يستحمل الجلوس مكتوف الأيدي، ليتقدم منها ويجلس مقابلاً لها. رفعت أعينها له ببرود، ليردف هو بعصبية: "إيه اللي خلاكي تعملي كده؟ رفعت إحدى حاجبيها بتعجب وهي تردف بتألم: "ما قلتلك مع أول فرصة همشي، مكنتش هستنى أبقى عبء عليك أو على باباك. باباك اللي غصبك عليا عشان يخلص ضميره من المسؤولية بعد ما ماما الله يرحمها وصّته عليا. أنا إنسانة، مش بضاعة في مخزنه عايز يخلص منها بأي شكل." تنهد وقد أفحمه ردها.
حتى الغريبة فرت من تحكم والده بها. نكس رأسه، ثم حاول إثنائها عن قرارها: "طب اسمعي، أنتِ هتسافري لي؟ الطريق خطر، وبعدين صعب على الرجالة، أنتِ هتستحملي إزاي؟ هتروحي تعملي إيه أصلاً؟ ارجعي يا نسيم، أنا هسافر ومعتش هتشوفي وشي ومش هضايقك." اقتربت بوجهها تردف بعناد جعله يريد ضرب رأسها في جانب الصندوق: "مش هرجع يا عبد الرحمن، معتش ليك دعوة بيا، أنت مش ولي أمري. عايز ترجع أنت لحياتك اتفضل."
عض على شفتيه بغيظ وهو ينظر لها بحنق، ثم أردف بغضب: "براحتك، أنا هشتال مسؤوليتك لي أصلاً، أنا مالي." أومأت له بتأكيد: "بالظبط، ملكش دعوة بيا." استقام يبتعد عنها ليجلس بجانب باهي، الذي لم يعرهم اهتماماً وهو يطوف في عالمه الخاص. سأله عمار بفضول: "أنت مش متحمس لي يا باهي؟ نظر له باهي بطرف عينيه بسخرية، ثم أردف بصوت يسكنه الحزن: "هتحمس لأيه وأنا سايب بيتي وابني ومراتي وأهلي؟ أنا حاسس بخنقة وكأن بقطع حتة من قلبي." قلب عمار
عينيه بملل وهو يرد بحنق: "إيه الدراما دي كلها يا باهي؟ اللي يشوفك يقول رايح السجن مش مسافر أوروبا، وبعدين أنت رايح تشتغل عشانهم." أومأ باهي وهو ينظر له باستخفاف: "ما أنت مش هتحس باللي بقوله، عشان أنت أصلاً رايح تتفسح وتعيش حياتك، أهدافنا مش زي بعض يا عمار، ودماغنا مش هتتلاقى." أردف عبد الرحمن بتردد: "ازيك يا باهي، مكنتش متخيل إننا ممكن نتقابل هنا." ابتسم له باهي وهو يومأ: "سبحان الله، قدارنا بس. أنت عامل إيه؟
هز عبد الرحمن رأسه بإحراج وهو يبرر: "اعذرني إن مسألتش عليك من بعد ما خرجت من المستشفى، أنا بس كنت مضغوط في الشغل." ربت باهي على كتفه بتسامح: "اللي حصل ده نصيب، وبعدين كلنا مشغولين في حياتنا، ما شتلتش هم، أنا مش زعلان." حمحم عمار وهو يتدخل في الحوار ليسأل عبد الرحمن بفضول: "مش أنت عبد الرحمن ابن الحاج عرفات؟! أومأ له الآخر بملامح جامدة، ليردف عمار باستغراب:
"أنا مستغرب أوي بجد إنك معانا هنا. معلش يعني، أنت مسافر كده ليه؟ شعر عبد الرحمن بغصة بحلقه، شعور المرارة والمهانة من حديث عمار المستهين. بالفعل، ماذا يفعل هنا؟ لكن بدلاً من أن يجيب هو، أجاب باهي وهو ينظر لعمار بجدية: "وأنت مسافر كده ليه؟ وأنا مسافر كده ليه؟ كلنا مسافرين كده ليه؟ كلنا عندنا ظروف يا عمار، إحنا مش بنعمل مغامرة جديدة عشان نجدد حياتنا." عمار شفتيه وهو يجيب بملل:
"لا انتوا مكلكعين أوي بجد، أنا رايح أقعد مع جمال." سأل عبيدة الرجل الذي أتى بهم لهنا: "معلم، هو الطريق آمن! والمركب كويسة! رد الرجل بتأكيد وبطريقة مبتذلة: "طبعاً، ناس ياما سافرت كده، الموضوع سهل وآمن جداً، مفهوش أي خطورة، أنت مشفتوش الناس اللي سافرت ولا إيه! أومأ عبيدة وهو ينظر لشقيقته باطمئنان. بينما هي ابتسمت له وهي تشدد على قبضة يده. التفتت لنسيم التي تختلس النظرات لعبد الرحمن الذي يتجاهلها، لتقول لها بصوت حنون:
"اسمك حلو أوي يا نسيم." التفتت نسيم لها وهي تبتسم بخجل، ثم أردفت: "شكراً، أنتِ كمان اسمك حلو. انتوا مش مصريين صح؟ ارتجفت سيلا بقلق وهي تنظر لأخيها، لتسألها بتردد: "ليه؟ هزت نسيم كتفها بلا اهتمام: "عشان المصري بتاعكم مكسر، واضح إنكم مش مصريين. أخوكي كلامه واضح إن دي مش لهجته، وكمان شكلكم كده مش مصري." عضت سيلا على شفتيها وهي تهمس لها: "آه، محناش مصريين، بس عبيدة قالي مقولش لحد، عشان محدش ياخد باله مننا."
ردت نسيم بسخرية تمازحها لتخفف توترها: "لا متخافيش، محدش أخد باله خالص. أخوكي أصلاً نص الكلام اللي نطقه مش مصري، و أصلاً هو كل ما حد يعرف إن اسمه عبيدة، هيتأكدوا إنكم مش مصريين. وبعدين إيه الخطر في إن حد يعرف إنكم مش مصريين؟ ما إحنا مسافرين معاكم، هو إحنا يعني طالعين دريم بارك." ابتسمت لها سيلا جراء مزاحها لتطمئن قليلاً. ربتت نسيم على يدها:
"إحنا واحد يا سيلا، والله كان نفسي أقولك نورتي مصر، بس إحنا خلاص طالعين منها، نورتي الحدود." سأل عمار بصوت ملول: "هو إحنا هنفضل هنا كتير؟ رد الرجل ببرود: "إحنا بنستنى العربيات اللي هتعديكم الحدود وتطلعكم الهضبة." عمار شفتيه وهو يسأل بغباء: "مش ممكن يكونوا ضاعوا في الصحراء! ولا انتوا معلمين المكان بالشجرة دي! نظروا له الجميع بصدمة، ليسخر الرجل: "شجرة!!
لا الناس دول عرب، حافظين الصحراء زي اسمهم، متخافش، شكلك متحمس أنت." سألت نسيم سيلا بخفوت وهي تبعد نظرها عن مكان جلوس عبد الرحمن: "انتوا إيه خلاكم تسافروا! تنهدت سيلا بتعب وهي تقول بخفوت وقد أخذ منها الإرهاق: "الإقامة بتاعتنا خلصت ومعرفناش نجددها، كانوا هيخلونا نعود لبلادنا، بس هنروح نعمل إيه؟ بيتنا اتدمر وأهلنا ماتوا، ومعناش فلوس، مكنش في قدامنا طريقة غير دي." سألتها نسيم بتلقائية:
"ليه مفكرتيش تتجوزي حد مصري، أو أخوكي يتجوز مصرية! ردت عليها سيلا بهدوء مقتضب لصعوبة هذا الأمر على نفسيتهم، وكأنهم يعرضون أنفسهم لأجل الإقامة: "ما حبينا نتجوز عشان كده، الجواز ده ليه قدسية وليه أصول، مش معقول أروح أتجاوز أي حد للإقامة، عبيدة عصب جداً من الموضوع ده لما حد اقترحه عليه، حس بالإهانة، إحنا بشر ولينا مشاعر، حتى هو مرضاش يتجوز واحدة ويظلمها معاه لأن الظروف وحشة ومش مضمونة." أومأت لها نسيم
وهي تشعر بنفس المعاناة: "عندك حق، أنا حاسة بيكي عشان مريت بنفس الحاجة، أنا آسفة مش قصدي." ردت سيلا بتفاهم: "ولا يهمك عادي، أنتِ حصل معاكي إيه؟ كادت نسيم أن تجيب، ليقطعها صوت الرجل الغليظ: "العربيات وصلت، جهزوا نفسكوا عشان هتتقسموا على العربيات." استقام الجميع ليتجهزوا للرحيل، لتمسك سيلا بيد شقيقها ويد نسيم. نظر عبد الرحمن لها، ثم وقف بجانب باهي، الذي همس له بتردد: "جاهز؟ تنهد عبد الرحمن بقلب خافق: "مش عارف، أنت جاهز؟
هز باهي رأسه: "زيك، مش عارف، مش عارف أنا لي هنا! قال الرجل بصوت عالٍ نسبياً: "هتنزلوا واحدة واحدة من العربية، وهتركبوا العربيات بهدوء، مش عايزين شوشرة." ركب عبيدة وشقيقته ونسيم إحدى السيارات. نظرت نسيم لعبد الرحمن لترى أين ركب، وشعرت بالارتجاف وهي تراه يركب سيارة أخرى. لكن ما جعلها تزفر براحة هو عودته وصعوده للسيارة التي هي بها، ومن خلفه صديقه الذي لا تعلمه.
همس عبد الرحمن لباهي وهو يراه يتجه للسيارة الأخرى غير التي ركبتها نسيم، ليشير للسيارة التي تجلس بها: "تعالى نركب العربية التانية دي، اتملت." ابتسم باهي بخبث له وهو يشير له بالموافقة، ليزفر عبد الرحمن بسبب هذا الشعور اللعين بالحماية القسرية لها. قال عمار لجمال: "بقولك يا اسطا، تعالى نركب العربية اللي فيها المزتين دول." رد جمال بسخرية: "وماله يلا يا خويا، أهو نستمتع شوية، بدل الملل ده."
صعدوا جميعاً بسيارة واحدة، وقد كتب عليهم أن يجتمعوا من الآن وحتى النهاية التي لا يعلم أحد متى هي. تحركت السيارات بالتزامن، لينظر باهي خلفه ونفسه يضيق مودعاً أراضي الوطن، وتاركاً قلبه هنا حيث عائلته التي تسكنه، وآخر ما رآه في أرضه كانت أثر الشجرة التي توقفوا عندها، وبعدها كل شيء اختفى. ولا يعلم متى العودة مرة أخرى، ومتى سيرى أهله مرة أخرى.
جزء منه ينازع لكي يقفز ويعود لداره وينتظر، لكن من فاز كان الجزء الأسوأ الذي سحبه لطريق مظلم لا يعلم هل سينجو منه أم لا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!