حرب النظرات المتبادلة كانت كفيلة لشرح كل شيء. مراجل من لهب تغلي برأس عبدالرحمن، لقد ألقى والده الكرة بملعبه، لو نفى ما قاله سيحزن والدته. عض على شفتيه وهو ينظر لوالده بغضب، بينما الآخر يبتسم ببرائة وكأنه لم يفعل شيئًا. سحبته والدته من يده وهي تقول بحماس: "يلا عشان ننزل تعرفيني عليها." أردف عبدالرحمن يحاول إخراج نفسه من هذا المأزق بأقل الخسائر: "استني بس يا ماما، مش وقته ده." قلبت والدته شفتيها وهي تردف باستعجال
وهي تحاول سحبه للخارج: "مش وقته إيه بس ده أنا مستنياه من ساعة ما أبوك قال لي، يلا بس لازم نحسسها إننا جنبها عشان متضايقش." مسح عبدالرحمن على وجهه بنفاذ صبر، وقد وقع بين شقي الرحى دون رحمة ولا يعلم ماذا يفعل، أيقول لها الحقيقة ويكون هو سبب صدمتها أم يكمل في هذه المسرحية الهزلية التي يتلاعب والده بها. لكنه قرر قول نصف الحقيقة لإجراء السلامة وإمساك العصا من المنتصف.
"ماما أنتِ فهمتوا غلط، البنت دي مش اللي هتجوزها ولا حاجة، بابا بس بيحب يهزر. البنت دي... بابا بيعطف عليها عشان يتيمة وملهاش حد، وبعد ما صاحب العمارة اللي هي ساكنة فيها طردها بابا قال لها تقعد في الشقة اللي تحت، أكيد مش هيرميها في الشارع." نظر لوالده بحاجب مرفوع يتحداه أن يكذب كذبته. لكن والده أصر على موقفه محطماً آماله. "بلاش تزعل أمك يابني."
عض عبدالرحمن على شفته السفلية ثم ابتسم بنزق وهو يحاوط كتفي والدته التي تطالعهم بعدم فهم. ليقول عبدالرحمن بمزاح مزيف: "بابا كان بيهزر معاكي يا ست الكل، مفيش جواز ولا أعرفها أصلاً." أدمعت عينا والدته بقهر وهي تجلس على الأريكة: "كدة يا عبدالرحمن وبتقولها في وشي بعد ما قلت خلاص هفرح بيك."
ابتسم بعدما استطاع إخراج نفسه من هذا الفخ بأقل الخسائر، فهو في النهاية ابن أبيه، وكما وضعه والده في هذا الفخ المفخخ استطاع النجاة والتسلل منه. "يا ست الكل قلت لك لما ألاقي بنت الحلال اللي أرتحلها، الحاجات دي مش بتيجي في دقيقة يعني." رفعت وجهها المستدير له تسأله بشك: "طب وإيه رأيك في البنت اللي تحت دي طيب." زفر عبدالرحمن باستياء وهو يضرب كفيه:
"يادي البنت اللي تحت معرفهاش والله معرفها، يا أمي انزل اطردها طيب عشان تستريحي." عقدت ذراعيها وهي تدير وجهها للجهة الأخرى بضيق: "ولا تطردها ولا حاجة، على العموم براحتك هعمل لك إيه يعني أكتر من كده." انحنى على عقيبيه يمسك يدها ويقبلها: "متعمليش حاجة يا ست الكل، إن شاء الله هتلاقيني في يوم داخل عليكي بواحدة وبقول لك هي دي." عوجت شفتيها بحسرة تقول بسخرية:
"أنا لو استنيت اليوم ده طول عمري مش هيجي، هو أنا مش عارفاك، حياتك كلها شغل شغل، والشغل كله رجالة أصلاً يبقى هتشوف واحدة فين يا حبة عيني." "آه يا ماما الشغل كله رجالة، بس البنات منقرضتش يعني، وبعدين خلاص من النهاردة مش هيبقى شغل شغل، هيبقى في حياتي المهدورة على الفاضي دي جزء وأهم جزء." قال جملته الأخيرة بنبرة ذات مغزى وهو ينظر لعرفات بطرف عينيه. "ممكن بقى تجيب لي حاجة آكلها هموت من الجوع." نظرت له والدته بسرعة:
"لا هنزل أودي للمسكينة اللي تحت دي أكل وأتعرف عليها عشان متحسش إنها لوحدها، وأنت حط الأكل لنفسك." جز على شفتيه غاضبًا وهو يهمس: "برضو مصرة تروحي للمصيبة برجليكي." *** وقف عمار أمام بيته يترقب نزول شقيقته ولا يجرؤ على الاقتراب من البيت حتى لا يلمحه والده، لكن دماءه تغلي بداخله، كيف لشقيقته أن تفعل هذا، إن كان هو حقير فليس عليه عيب، هو ولد يفعل ما يشاء، لكن ماذا عنها هي!!
ترصد لها أسفل البناية حتى وجدها تنزل وتتحرك بخطوات واسعة تكاد تطير فرحًا، ليتحرك خلفها دون أن تنتبه له، يراقبها بتحفز حتى يعلم ماذا تفعل، وبعد وقت وجدها تسحب فلوس من صرافة في أحد الشوارع، لم يصدق عينيه وهو يرى المبلغ الكبير الذي سحبته، وتحرك خلفها حتى كاد يوقفها، لكنها قد استقلت سيارة أجرة، ليتحرك هو بسرعة بسيارة أخرى خلفها، حتى وجدها تقف على أول شارعهم لتترجل من السيارة، تحرك خلفها بخطوات سريعة لينادي باسمها، صوته العالي لتلتفت للخلف ثم
تبتسم له وهي تقول بلهفة: "عمار وحشتني." لم يترك لها الفرصة وهو ينقض عليها يقبض على ذراعها بقسوة: "جبتي الفلوس دي منين، انطقي." شحب وجهها وهي تتلعثم في الكلام بتوتر: "فلوس إيه عمار سيب إيدي إحنا في الشارع." أظلمت عيناه وهو يردف بحدة: "آه ما أنتِ مش متعودة تظهري وتتفضحى في الشارع، لكن تتعري وتتفضحى في فوضتك عادي صح، فاكرني مغفل." انقلبت عيناها من الخوف للقسوة وهي تهمس بفحيح:
"لا أنت اللي مفكر نفسك ذكي، أنت جاي تعمل راجل عليا!! روح شوف بتعمل إيه الأول ولا أنت مفكر نفسك إمام مسجد! شرست ملامحه ثم رفع كفه يصفعها في منتصف الطريق، وقد خرج جنونه وهو يسبها في الشارع ليتجمع الناس محاولًا الفصل بينهم. "يلا يا ***** وكمان بتبجحي يا ***" ابتسمت بسخرية وهي تنظر له: "روح بص لنفسك في المراية الأول وبعدين اتكلم، أنت مفكر معرفش بابا طردك ليه من البيت." صرخ بها وهو يحاول أن ينقض عليها مرة أخرى:
"ده أنا بقا هخليه يقتلك مش بس يطردك يا *****" قطع سبابه البذيء صفعة والده على وجهه وهو ينظر له بذهول مما يحدث، ثم التفت إلى ابنته ينظر لها مصعوقًا مما يحدث، لتتبدل أحوالها وهي ترمي نفسها على والدها تبكي بانهيار: "شايف يا بابا عمار بيعمل فيا إيه! كاد عمار أن يرد ليلتفت له والده وهو يصرخ به: "اخرس مش عايز أسمع صوتك، أنت إيه يا أخي معندكش دم ولا نخوة!! مش كفاية اللي عملته!!
امشي من وشي مش عايز أشوف وشك قدامي هقتلك لو شفتك أمشي بقولك من قدامي." بهت عمار وهو ينظر لوالده وكاد يتحدث ويقول ما حدث، لكن والده قاطعه: "مش عايز أسمع صوتك ولا أشوف وشك." اقترب أحد الجيران وهو يحاول تهدئة الوضع: "خلاص يا أبو عمار مينفعش كدة! استهدى بالله، تعالى يا عمار بوس راس اختك وأبوك يلا." صرخ والد عمار:
"ميقربش مني أنا من النهاردة معتش عندي ولد اسمه عمار، معتش حد ينادي عليا بالكنية دي، اللي ينكر الإسلام أنكر وجوده من حياتي، من النهاردة مش عايز أشوف وشك بعد اللي عملته ومش هقول أنت عملت إيه تاني."
ذهل الجميع ومن بينهم شقيقته التي رفعت عينيها تنظر له بعدم تصديق، لينظر لها بحقد وغِل، وقد شعر ببرودة تجتاح جسده، وكل نظرات الناس من حوله المذهولة والمصدومة والهمسات المستنكرة أشعرته أنه عارٍ، وتم ضبطه أمام الجميع يفعل فاضحًا. لا يعلم كيف تحركت قدماه، لكن قلبه وعقله كان أمام والده مع نظراته المحفورة به يُطعَن بتلك النظرة المخذولة من والده. لقد أعلنها صراحة أمام الجميع أنه يتبراء منه.
وفي خضم الأحداث كان هي تنتفض بجذع بين يدي والدها تبكي بخوف مرعوب مشتت، لا تعلم ما تفعله وما فعلته، تتخيل نفسها مكان شقيقها ووالدها يلقيها بعدما يعلم جرمها هي الأخرى، لتشعر برعدة تتلبس أوصالها وتضرب بكهرباء في عقلها ليضيء بشيء واحد عزمت على تنفيذه فورًا. *** مرت عدة شهور والوضع كما هو عليه يزداد ضغطًا واختناقًا. وقف باهي يصنع طبقًا جديدًا لكن بوجه باهت يعمل بجمود على غير عادته. اقترب شهاب رفيقه منه يسأله مستفسرًا:
"مالك بقالك فترة مش كويس." نظر له باهي يبتسم ابتسامة ميتة: "وهكون كويس إزاي وهو فوق دماغي، أنا على آخري." ربت شهاب على كتفه مواسيًا وهو يشعر بحرقة صديقه على حلمه الذي تلاشى مع أمواج الحياة الغير منصفة. "أهدى وسيبها على الله كله هيبقى تمام، وبعدين متتسرعش وتعمل حاجة عشان خاطر ابنك اللي جاي في الطريق ده." ابتسم باهي ساخرًا: "وأنت فاكر أنا لحد دلوقتي هنا عشان إيه غيره بجد."
اقترب رأفت بخطوات متهدلة وهو يردف باستفزاز أشعلهم غيظًا: "انتوا واقفين تتكلموا في إيه ده مكان شغل، مش قهوة للحكاوي." رفع شهاب حاجبه ورد نيابة عن صديقه الذي نال من التربية ما يكفي لعدم الرد بأسلوب يليق بهذا الأبله: "ما تقول لنفسك، أنا شايفك واخد المطبخ رايح جاي، ومفكر نفسك على كورنيش الزمالك." ابتسم باهي وهو ينظر له بطرف عينيه بسخرية عبثية. بينما أردف رأفت بضيق: "وأنت مالك خليك في شغلك." اقترب منه شهاب يردف بتحدي:
"لما تخليك أنت في شغلك الأول، مع أن مش شايف لك لازمة معانا غير إنك بتعطلنا وبس." نظر له رأفت بامتعاض ثم تركه ورحل، لتتسع ابتسامة شهاب وهو يخبط على كتف باهي: "شوف خاف ومشي إزاي، أنت مبتردش عليه ليه تعرفه مقامه اللي مفكر نفسه سلطع برجر ده! هز باهي رأسه بفتور وهو ينهي العمل على الطبق الذي أمامه: "مش ناقص أشغل دماغي معاه، فيا اللي مكفيني." رد شهاب بمرح محاولًا التهوين على صديقه:
"يا عم طلع اللي فيك عليه حد واخد منها حاجة أنت مش شايف قاعد يتمشى إزاي في المطبخ ولا كأنه في بيت أبوه." أومأ له باهي ليرحل شهاب، وبعد قليل أتى رأفت مرة أخرى وهو يسأل باهي بتكبر: "خلصت الطلب ده! رد باهي دون أن يرفع وجهه عن ما يفعله: "وأنت مالك! سأله رأفت بسخط: "هو إيه اللي أنا مالي!! إحنا مش شغالين على نفس الحاجة؟ لم يعره باهي اهتمامًا وهو يضع الطبق في مكان تقديمه، ثم التفت إلى رأفت يقول له بتحذير:
"اسمعني كويس أنا هقول إيه، أنا مش قادر لحوار قط وفار ده، أنا هنا لأسباب شخصية، وبعد اللي حصل ده مش طايق المكان أصلاً، وحقي هيرجع لي، وتعب السنين دي كلها مش هسيبها، فاقصر الشر معايا، وخليك في حالك، عشان مش عايز مشاكل، وخلي أيامك تعدي." رفع رأفت حاجبه بعدم رضى وانتظر ابتعاد باهي لمكانه، ليقترب هو بخطوات حذرة ثم أمسك قنينة الملح ورفع يده ليفسد الطبق الذي صنعه باهي بكل غِل، لكنه تصنم مكانه على صوته خلفه:
"شكلك كنت بتتفرج على توم وجيري كتير، بس أنا مش فايق لشغل أولى أول ده والله، عشان كده شوف حد غيري تعمل الهبل ده معاه وأبعد عن الطبق أحسن لك." ابتعد رأفت دون أن يتحدث بشيء، بينما تحرك باهي وهو يحرك رأسه بيأس. كيف يتخلص من هذه الكارثة التي سقطت فوق رأسه!! *** جلس باهي في وقت الاستراحة يحتسي القهوة وهو يحاول مراسلة زوجته لكن لا رد. زفر باختناق، لكنه نظر للهاتف باهتمام عندما وجد شقيقته تهاتفه، رد بلهفة: "حبيبة قلبي...
انتفض من مكانه وهو يسمع من شقيقته الكلمات السريعة عن أن زوجته تلد! لقد مرت سبعة أشهر، فقد كيف هذا!! بدون تفكير كان يركض للخارج تحت نظرات رأفت المتعجبة. *** دخل عبيدة البيت وعلى أكتافه تقع جبال من الهموم، لا يستطيع التفكير، عقله مشوش وكأن الدنيا مصممة على تلقيح روحه بالأسى. نظر للبيت الصغير بحزن وعجز، لا يعلم ماذا يفعل، كيف يتصرف. تنهد بقله حيلة وهو يلقي بجسده على الأريكة الصلبة التي احتوت جسده.
"يا ربي كيف بتصرف بهاد الموقف، ساعدني أنا عبدك الضعيف." استمع لصوت فتح الباب ودخول شقيقته وهي تنادي عليه: "عبيدة!! أنت جيت! "إي سيلا أنا هون." دخلت إليه بابتسامة كبيرة لتعقد حاجبيها وهي تسأله بتوجس: "مالك حصل حاجة! اعتدل في جلسته ليتيح لها مكان لتجلس ثم ربت على الأريكة بجانبه كي تجلس: "لا حبيبتي أنتِ كيفك." اقتربت منه تعانقه بشدة وهي تبتسم:
"آه اتوحشتك كتير عبيدة، بقالنا فترة مقعدناش مع بعض، إيه رأيك أعمل حاجة ناكلها ونشغل فيلم نشوفه مع بعض." ابتسم لها ابتسامة باهتة ثم أومأ لها بالإيجاب. "تمام يلا بساعدك وبندردش سوا." وقف بجانبها في المطبخ الصغير يساعدها في عمل أكل سريع التحضير. التفتت تتفحصه بدقة ثم اردفت بتساؤل: "عبيدة مالك حاسك حزين ومهموم، فيه حاجة ولا إيه! ابتسم لها وهو يقول بهدوء:
"خلينا ناكل وبعدين بنشوف فيلم وبالأخير نتكلم، حاسس مو قادر أتكلم هالحين، محتاج أسرق من الحياة ساعتين أفرح فيهم شوية وأفصل من كل شيء ممكن." اقتربت تعانق ذراعه وهي تردف بحماس: "طبعًا ممكن بس كدة." جلست بجانبه على الأريكة الصغيرة التي تحتوي جسديهما، نظر عبيدة لشقيقته بحنان وأعين شاردة. ليقول بحنان يحتويها: "لك اسمعي بقالنا مدة ما طلعنا مشوار سوا شو رأيك نطلع مشوار نشم هوا نغير جو هيك يعني."
نظرت له وهي ترمش بأهدابها الطويله وعيونها العسلية التي تشبهه إلى حد كبير: "ده بجد! أنت فاضي أصلًا أنت شغال شغلتين." ابتسم لها بحنو وهو يربت على شعرها: "لا تشيلي هم أنا بظبط كل شيء." عقدت حاجبيها باستفهام: "عبيدة فيه حاجة حصلت، قولي حصل إيه أنا مش فاهمة حاجة." تنهد بعمق وهو ينكس رأسه للأسفل يستمع شتات نفسه المبعثرة: "الإقامة سيلا، أوراق الإقامة راح تنتهي كمان شهرين وما في مصاري نجددها، ما بعرف شو بنسوي."
اتسعت عيناها وهي تستوعب المشكلة التي سينزلقوا بها ورفعت عينيها له بصدمة ليبتسم هو لها ويقترب يضمها بين ذراعيه: "لا تخافي الله معنا، كل شيء راح يكون تمام، لا تخافي." فرت دمعة من عينيها وهي تسأله بصوت مبحوح: "شو هنسوي! ابتسم لها وهو يردف بتحشرج: "ثقي في الله ما بيتركنا أبداً، ولسه قدامنا وقت، راح نلاقي حل حبيبتي ما بيصير شي." همست ببكاء وجسدها يرتجف خوفًا من غد:
"لي الدنيا مش سايبالنا فرصة ناخد نفسنا يا عبيدة، إحنا لسه ملحقناش نرتاح من أثر الحرب." "لا تفكري في شيء حبيبتي، أنا بحلها، لا تخافي، ما راح يصير شيء بإذن الله أنا موجود، خيك موجود." *** نزل على الدرج بخطوات واثقة لكنه مكفهر الوجه، كلما مر على باب الشقة المغلقة التي أسفلهم. لكن هذه المرة لم تكن مغلقة، كانت صاحبتها تقف على عتبة الباب وكأنها تنتظر أحدًا. تجاهل وجودها ولم ينظر لوجهها حتى وكاد أن يتجاوزها إلا
أنها نادته بصوتها الهادئ: "عبدالرحمن." توقفت قدماه على الدرجات بتصلب واشتد ضغط فكيه بتصلب، ودون أن يلتفت رد بجمود: "نعم." فركت أصابعها بارتباك وهي تقول بتلعثم: "عمو عرفات قال... قالي أنك هتوصلني." اتسعت عيناه بخطورة وهو يلتفت لها ببطء ثم أردف بتشنج وخرج صوته حاد كالصرير: "أوصلك!!! هو عمك عرفات مفكرني السواق بتاعك؟ امتقع وجهها بحمرة الإحراج واشتد خط شفتيها وهي تردف بتردد: "لا...
هو أنا مش قصدي، هو قلت له إن هخرج أجيب حاجات، قالي خلي عبدالرحمن يوصلك لو أنت مش فاضي أو مش عاوز ممكن أروح لوحدي عادي." مسح على وجهه بنفاذ صبر وهو يستغفر. لتخفي عيناها بأهدابها بحرج كاد يبتلعها وهي تتمنى لو تنشق الأرض بها وتخفيها، لكن صوته الأمر وصلها يقول بصرامة: "اتفضلي قدامي أما أشوف آخرتها، وهبقى أتكلم مع الحاج عرفات في الموضوع ده، بعد سبع شهور قولت نسيت فيهم برضو مصمم يبتليني بيكي."
خرجت شهقة إخراج من بين شفتيها وتوقفت قدماها بتيبس بعدما رشقتها كلماته بسهام هشمت كبرياءها. لتقول بكبرياء مجروح: "آسفة لو هعطلك، أنا هروح لوحدي، مش هبقى عبء على حد." ابتسم ساخرًا وهو ينظر لها من علو: "والله عبء على حد، أنتِ مش واخدة بالك إنك عايشة في بيتنا بقالك سبع شهور ومستحملك إزاي الله أعلم، وأنا عارف أنتِ مين وبنت مين ولا مش واخدة بالك من النقطة دي! رفعت حاجبها بتمرد وهي تهتف وقد طفح بها الكيل
من أسلوبه عديم الذوق: "لا أنا قاعدة في بيت عمو عرفات وهو اللي جابني هنا وقعدني هنا مش قاعدة في بيتك ولا على دماغك، وبعدين أنت مضايق مني ليه هو أنا اللي قلت لعمو عرفات تعالى اتجوز مامتي، ما تطلع قرفك بعيد عني هو أنا ناقصاك!! اقترب منها خطوة وهو يحرك رأسه بذهول: "أنا مش فاهم أنتِ إزاي وقحة كده أمك معرفتش تربيكي تحترمي الناس اللي مقعدينك في بيتهم ولا كانت مشغولة في اللف على أبويا!
احمرت عيناها ومراجل الغضب تغلي بداخلها وقد أشعلتها الإهانة الفظة التي ألقاها بوجهها بدون رحمة وكأنه لطخها بوحل لا علاقة لها به، لتهسهس من بين شفتيها الحادتين: "أنت قليل الأدب وعديم الإحساس، لأن اللي بتتكلم عنها دي ميتة دلوقتي وأنت محترمتش حرمة الميت، ورميتها في عرضها، وعلى فكرة عمو عرفات هو اللي فضل ورا ماما عشان يتجوزها ويحميها من الكلاب اللي عايزين ينهشوا فيها، ولو حد وقح هنا هيكون أنت."
نزلت السلم بخطوات شبه راكضة والدموع تغلف عينيها، بينما وقف هو متصنمًا من كلامها، لكنه استفاق على صوت فتح باب المنزل الخارجي ليقول بصوت عالٍ محاولًا اللحاق بها: "نسيم استني." تحركت بخطوات سريعة دون أن تعيره اهتمامًا، وعندما وقف أمامها قالت بصوت جاهدت ليخرج قويًا رغم هشاشة ملامحها التي تحاول أن تخفيها بالشراسة:
"مش عايزة منك حاجة، أنا هعرف أروح لوحدي وأوعدك أني هختفي من حياتكم أول ما تيجي الفرصة، أنا مستحيل أبقى عبء على حد، حتى لو الراجل اللي فتح لي بيته وعاملني زي بنته." تركته ورحلت بخطوات سريعة غاضبة تحرق الأرض في مشيتها. دخل المحل على والده بوجه مفكر، وعندما وجده بمفرده سأله ببغته دون أي مقدمات: "أنت مش هتبطل ترمي البت دي عليا، مش كفاية إنك كنت عايز تدبسني فيها قدام أمي أنت مصمم!! رفع والده عينيه له بنظرات هادئة:
"وأنا يعني عرفت أدبسك ما أنت خلعت." ارتسم تعبير ساخر على وجه عبدالرحمن وهو يزم شفتيه باستنكار: "هذا الشبل آه بعد ما لغبطت خططك تقوم تلزقها فيا كل شوية، اللي في دماغك مش هيحصل، أنا ممكن أقلب الدنيا دي كلها على فكرة بس مش فارق معايا غير زعل أمي وقهرتها لما تعرف إنك اتجوزت عليها." رد والده بصرامة مشيرًا له بيده اليمنى التي تحمل المسبحة:
"أنت بتحاسبني على إيه أنا معملتش حاجة غلط، ثانيًا يا عبدالرحمن نبرة التهديد اللي في صوتك وكلامك ده احذر كويس منها، عشان أنا اللي مزعلكش." اقترب عبدالرحمن منه وقد اشتد ضغط فكيه بتصلب: "أنت بتعمل معايا كده ليه!! إيه هدفك من اللي بتعمله ده يعني!! أنا ابنك! "ابني تبقى تسمع كلامي وأكون تحت طوعي لأن لو فكرت تخرج عنه أنا هسحب السجادة اللي تحت رجليك دي، أنت من غيري ولا حاجة." احتدمت نظرات عبدالرحمن وأثلجت بوعيد وهو يهمس:
"هنشوف." *** حمله بين ذراعيه وقلبه يتضخم بالحب، يتأمل وجهه بحنان يفيض أنهارًا. ابتسم بعدم تصديق وهو يضم قطعة من قلبه بين يديه، أقسم أنه على استعداد أن يفعل أي شيء من أجل صغيرة. رفع عينيه لزوجته وابتسم لها بأعين دامعة ثم اقترب وقبل رأسها بحنان: "مبارك عليكي مجدي يا أم مجدي." رفع باهي رأسه لوالده وهو يبتسم بعد أن نطق كلماته ليجد والده يبتسم له بفخر وقد امتلأ صدره بالحب:
"مبارك عليك يا ابني بس كنت سميه اسم تاني عشان مراتك... قاطعته زوجة ولده وهي تردف بحنان: "متقولش كده يا بابا إحنا لينا بركة إلا أنت ربنا يبارك في عمرك وأشوف مجدي زيك." ربت الحاج مجدي على كتف ولده وزوجته ثم قال بحنان: "ربنا يبارك فيكم." راقب باهي والده وهو يخرج من الغرفة ومن خلفه والدته التي تبكي بسعادة منذ مجيء الصغير للدنيا، وكأن قلبها الرقيق يجعل عينيها لا تتوقف عن ذرف الدموع في أي موقف.
اقترب باهي وهو يحمل الصغيرة وكنزه بين ذراعيه وجلس بجانب زوجته ليقول بصوت مبحوح متأثر: "أنا مش مصدق نفسي، حاسس إني بحلم، ربنا حقق لي حلمي، وبقيتي ليا، ومراتي ورزقني بأجمل هدية حتة منك." "ربنا يفرحك دائمًا ويحقق لك كل اللي نفسك فيه، بس ده مش حلم، ده حقيقة." ابتسم وهو ينقل نظراته بينهم: "ده أحلى حلم وأجمل حقيقة ربنا يخليكم لي يا رب." نظر باهي للصغيرة وهمس لها: "حبيب بابا، بابا مستعد يعمل كل حاجة عشان خاطرك." ***
أقترب عمار يجلس على المقهى بارهاق وقد أخذ الإرهاق منه مبتغاه، يومان يدور بهم على عمل وأخيرًا وجد عمل في ورشة ميكانيكا هو لا يعلم بها شيئًا لكنه مضطر بعدما ألقاه والده في الشارع بكل قسوة ودون أن يفكر به، يشعر بعروقه تنفر من كم الغضب المكبوت بداخله، ما مشكلة والده حقًا؟
حتى يطرده من البيت بهذا الشكل المهين، كل ما فعله هو التسلية فقط لم يحدث شيء حقيقي على أرض الواقع، ما ارتكبه كان من خلف شاشة في عالم افتراضي، لما يكبر الأمر بهذا الشكل. ألقى جسده على الكرسي وهو يشعر بالنقمة على كل من حوله. "مش أنت عمار!!
التفت ببرود وقد توقع أن يكون تعرف عليه أحد بعد الفضيحة التي حدثت، لكنه تعرف على الوجه المألوف لمنطقته أنه جمال العاطل، أحد العلامات المميزة للمقهى والشارع يجلس هكذا ليل نهار دون فعل شيء سوى النميمة على كل شخص وأي شيء حتى لو كانت نملة تسعى على لقمة العيش لأولادها، الفراغ حقًا قاتل!! "إزيك يا جمال." ابتسم جمال وهو يشير له ليجلس على طاولته وهو يحرك ماسة الأرجيلة بيده:
"تعالى تعالى، مالك كده شكلك مبهدل، سمعت إن أبوك طردك! ليه كده حصل إيه." ابتسم عمار ساخرًا وهو يردف: "آه ده بقيت مشهور هنا بقى، إن أبويا طردني." هز جمال كتفيه ببرود وهو يوسوس له كالشيطان متمثل في هيئة بشري: "وإيه يعني يا عم ما كلنا أبونا طردنا، هو أنت أول واحد يعني!! الآباء أصلاً معقدين ودماغهم غير دماغنا، كبر دماغك بكرا يصفى ويصالحك." عقد عمار ذراعيه وقال بشرود تائه:
"عندك حق بس مش عارف هنتصالح ولا إيه حسيت كلامه صادق إنه مش عايز يشوف وشي تاني، كان بيبص لي بقرف واشمئزاز كأنه بيقول إزاي ده ابني." ضيقت عينا جمال بتوجس ثم مد له عصا الأرجيلة: "ياا ده الموضوع كبير بقى، لا ده أنت تاخد نفس وتحكي لي." لم تكن يد ممتدة له بل كانت أفعى تلتف حوله لتصطاد فريستها وتقبض عليها بإحكام ومهارة، وقد أجاد الاختيار، اختار بائسًا يتخبط هنا وهناك ولا يعلم الحياة مرسى.
أردف جمال بهدوء بعد أن انتهى عمار من سرد الخطوط العريضة لما حدث دون الدخول في تفاصيل: "حلك عندي يا باشا." حسنًا سيسدي له خدمة، سيظهر له مرسى وسيُجعل هذا المرسي يلمع بأعينيه وبعدها سيلقي به على قارب وهو عليه الإبحار للوصول للمرسي حتى لو كان هذا القارب... قارب الموت. *** أخرج عبدالرحمن بطاقته الائتمانية كي يتمكن من دفع ما اشتراه وأعطاها للبائع بابتسامة بسيطة. عقد البائع حاجبيه وهو يقول باستنكار:
"الفيزا مش شغالة يا فندم." اتسعت عينا عبدالرحمن بدهشة ثم أردف بنبرة هادئة: "جرب تاني كده، أكيد فيه عطل." الرجل رأسه مرة أخرى بأسف: "للأسف يا فندم مش شغالة." أومأ عبدالرحمن برأسه بهدوء عكس فوران الغضب بداخله. ثم أخرج المبلغ نقدًا والتقط الحقائب. جلس في سيارته خلف المقود بملامح جامدة ليخرج هاتفه مجريًا اتصال وهو يضغط على فكيه وقد ابيض كفه الآخر الذي يضغط به على المقود. وبمجرد فتح المكالمة من الجهة الأخرى:
"أنت كده بتلوي دراعي يعني!! رد والده ببرود: "لا دي قرصة ودن صغيرة، تعرفك أنا ممكن أعمل إيه." ابتسم عبدالرحمن بسخرية ثم أردف بنبرة باردة ترتجف لها من سقعتها منهيًا الحوار: "افتكر إنك أنت بدأت يا حاج عرفات، وأنا مش بيتقرص ودني.." أغلق الهاتف وهو يقبض على المقود وينطلق بالسيارة بعنف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!