الفصل 3 | من 15 فصل

رواية قارب الموت الفصل الثالث 3 - بقلم مريم الجنيدي

المشاهدات
41
كلمة
4,657
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

"مراتك التانية!! " قالها عبدالرحمن بذهول وقد ظهرت عروق رقبته من شدة الإنفعال المكبوت بداخله. بينما عرفات يحرك حبات السبحة بهدوء وهو ينظر له ثم أومأ. "آه الله يرحمها." أقترب عبدالرحمن منه وشرارات الغضب تخرج من أعينه تنذر أن القادم أسوأ. "أنت بتتكلم جد؟ أنت كنت متجوز على أمي ومخبي علينا!؟ رد عرفات بحده وهو ينظر له بصرامة. "آه إيه الصعب في كدة، أنا اتجوزت ست محترمة على سنة الله ورسوله، إيه المشكلة بقى؟ عملت حاجة غلط!

ضحك عبدالرحمن ضحكة فاقدة لمرح وهو يستند بيديه على المكتب وقد شعر بطعنة في قلبه والده يفعل هذا! "لا أبداً بسيطة، روحت اتجوزت على الست اللي بدأت معاك من الصفر وكانت جنبك في كل خطوة بتدعمك بصحتها وفلوسها ونفسها، وعمرها ما زعلتك ولا قالت لا على حاجة، روحت اتجوزت عليها وغدرت بيها، نمت في حضن ست تانية غيرها، لا ومش كدا وبس، كمان جايب بنت الست دي تقعد في الشقة اللي تحتها؟!! قدرت تعمل كدا إزاي؟

رفع عرفات رأسه لابنه يرد بنبرة تحذيرية صارمة. "أنا معملتش حاجة غلط، اتجوزت على سنة الله ورسوله، مش أنت اللي هتحاسبني، خلي بالك من كلامك معايا يا عبدالرحمن، عشان مزعلكش، وأنا زعلي وحش." أخرج عبدالرحمن صوت ساخر وهو لا يصدق مدى جبروت والده. "تمام أنت اتجوزت أنت حر في حياتك، لكن أمي متأذيهاش، خرج البنت دي من البيت." أتسعت أعين عرفات ثم أردف بنبرة باردة.

"البنت دي أمانة في رقبتي من بعد أمها ما ماتت، عايزينني أرميها في الشارع يعني!! ضرب عبدالرحمن المكتب بغضب وقد نفذ صبره، ومقدرته على التحكم بغضبه. "وهي الأمانة دي ملهاش مكان غير في بيتنا قدام أمي!! صرخ والده وهو يستقيم بغضب مماثل وهو يشير بيده الملتفة حولها المسبحة. "عبدالرحمن أنت اتجننت، إزاي تعلي صوتك عليا، أنت نسيت نفسك ولا إيه." مسح عبدالرحمن على وجهه بحركات متشنجة ثم قال بعدما طفح به الكيل.

"حياتك أنت حر فيها، تتجوز أو لا طالما مش عامل قيمة أو اعتبار للست اللي فضلت جنبك، ده من ناحيتك، لكن من ناحيتي مش هسمح لأي حاجة تحزن أمي أو تزعلها، عشان كده يا تخرج البنت دي من البيت وتتصرف معاها براحتك وأنت قادر كويس تقعدها في أي مكان تاني والموضوع ده ميحصلش لأمي خالص، يا إما اعتبرني مش موجود في الشغل ده تاني أبداً." جحظت أعين والده بشر. "أنت بتهددني."

أبتسم عبد الرحمن ببرود وهو يقول بنبرة أول مرة يستخدمها مع والده منذ بداية الحديث. "لا أنا بعرفك اللي هيحصل، سلام عليكم يا حاج عرفات." ارتمى عرفات على المقعد وهو ينظر لأثر ابنه، قبض على يديه بغضب وهو يهمس بوعيد. "ماشي يا عبد الرحمن هوريك." "يعني إيه الشيف اللي جه مكاني! " قالها باهي وهو ينقل بصره بين مديره المباشر والشاب الذي خلفه. أبتسم المدير بعملية.

"أنت إجازة مرضية شهر يا باهي، معقول هنسيب مكانك فاضي يعني، دلوقتي ممكن تشتغل مع رأفت أو، لو حابب تروح قسم تاني في المطبخ مفيش مشكلة." أومأ باهي بذهول ثم أردف. "أروح قسم تاني إيه يا مستر، أنا كان لسه لي ترقية وأبقى مساعد شيف أول، ده مكاني اللي شغال فيه بقالي تلات سنين، يعني أي حد يجي فجأة يمسكها من غير ما يمر بأي مرحلة." رفع رأفت حاجبه بتكبر وهو يناظر باهي بتعالي.

ليتكلم المدير بعملية محاولاً إنهاء الحوار وعدم جلب الأنظار، لأنه هو الآخر يعلم شعور باهي بالظلم جيداً، شعور أن يوضع شخص في مكانه لا يستحقها والأكثر قهراً أن هذه مكانتك التي بنيتها بنفسك، هو شهد على باهي منذ أن عمل بهذا المكان، لقد بدأ من الصفر. "باهي أنا مقولتش ياخد مكانك، أنا قولت هيشتغل معاك، متكبرش الموضوع، يلا يا رأفت على شغلك." أقترب المدير برأسه يهمس بأسف. "ده مش بإيدي، يا باهي."

أغمض باهي عينيه وشعور بالألم يستوحش قلبه، وأن جهده يضيع هباءً، لكن ما باليد حيلة، هو لا يستطيع أن يثور حالياً، يضع مستقبل أسرته نصب أعينه، عليه بالتحمل حتى يعبر بهم بر الأمان والاستقرار. وقف باهي مكانه يعمل بسرعة ومهارة عكس الواقف بجانبه يدمر كل شيء حوله ببطء وفشل ذريع. لم يستطع إنهاء طبق واحد عكس باهي الذي أنهى ثلاثة أطباق مميزين مزينين بحرفية.

نظر له بطرف عينيه وهو يشعر باختناق شديد من المنظر العشوائي الذي أمامه والمكونات المبعثرة بكل مكان، فإن كان يكره شيئًا في حياته فهو يكره العشوائية وعدم التنظيم، فلا يستطيع أن يعمل أو يجلس في مكان ليس منظم ومرتب، والآن يشعر أنه سينهار من هذا المنظر البشع الفوضوي أمامه. "يا الله يا والي الصابرين ارحمني." همس بها وهو يحاول صب تركيزه على ما في يده فقط، حتى لا ينهال بالضرب على هذا الفاشل الفوضوي بجانبه.

أقترب منه شهاب صديقه والذي كان معه بنفس ساعات الدوام هذا اليوم. "هو الواد ده خريج كلية كفتة ولا إيه، ده مش عارف يقطع بصل حتى." هسهس باهي بضيق وهو ينظر له بطرف عينه. "سيبني يا شهاب أنا مش طايق نفسي." "حقك والله، يعني أنت طفحان في الشغل كل السنين دي، عشان يجي واحد ولا فاهم أي حاجة يتساوي بيك بالواسطة." أشار باهي أمامه بحنق وغضب مشتعل.

"لا و يبهدل الشغل والدنيا كده، أنا لا طايق نفسي ولا طايقه، أنا مش مصدق إنهم بيعملوا كده." لم يكمل كلامه وسكب رأفت بعض المحتويات على الرخامة وفقد السيطرة على الإمساك بالإناء فوقع مدويًا صوت عالٍ مزعج هو الآخر جعل أعصاب باهي تفلت وهو يصرخ به. "لما أنت مش عارف تمسك حلة ولا تقطع بصلة جاي تعمل إيه، مفيش شيف بيقف في المكان ويبقى المنظر قدامه كده، إيه القرف ده! نظر الآخر له بتكبر ثم أشار له بعنجهية.

"خليك في نفسك، وركز على شغلك، ملكش دعوة بيا." أقترب باهي يقول بتحذير وهو يشير له. "ده أنا هركز في وشك دلوقتي، لو منضفتش المكان اللي واقف فيه، أنت أول مرة تشتغل في مطبخ." أبتسم رأفت ساخراً وهو يقول بثقة. "أنت إزاي تتكلم معايا كده، أنت مش عارف أنا مين!! أقترب باهي بدون خوف وهو يردف بصرامة ساخرة. "وأنت فاكر البوقين دول هيخوفوني، مش عيب عليك لما تبقى كبير كده وتتحامى في أهلك! رد رأفت بغرور. "على الأقل ليا حد أتحامى فيه."

ضحك باهي وهو يحرك رأسه بيأس. "وأنت فاكر الرجولة إنك تتحامى في حد أصلاً، اللي بيعمل كده ده بيبقى لمؤاخذة." أردف شهاب من خلف باهي. "معلش يا باهي شكله لسه بيتعلم." رد رأفت بثقة وهو ينظر لهم بقرف. "مين ده اللي بيتعلم، أنا خريج أكبر جامعات، وأخد أكبر دورات تدريبية." رد شهاب ببساطة وهو يتحرك عائدًا لمكانه. "لا يابا قصدي لسه بتتعلم الرجولة، أصلها مش بشهادات." ضحك باهي وهو يضرب كف بكف شهاب.

ثم عاد للوقوف في مكانه وأردف بينما نظره مسلط على ما أمامه. "وهما في الجامعات والدورات العالية دي معلموكش إن المكان النضيف المنظم اللي الشيف واقف فيه، بيعبر عن نضافة وشطارة الشيف نفسه!! كتم الآخر غيظه وهو يلقي بالمريول على الرخامة ويرحل بخطوات واسعة خارجاً من المطبخ. أردف باهي بسخرية. "رايح ينده لبابي ولا إيه." علت الضحكات من الواقفين حوله والذين يتابعون الحوار من البداية لكنهم فضلوا عدم التدخل، عكس صديقه شهاب.

تهجمت ملامح باهي مرة أخرى وهو يتطلع للمكان حوله بنفور ثم بدأ بجمع الأشياء وتنضيف المكان، ومراجل الغضب تغلي بداخله. "كلما زاد فعلك للمعاصي، زاد ضيق صدرك." جلس أمام الحاسوب كالعادة، لكن تلك المرة كان يتحدث إلى إحدى الفتيات التي لا تعرف من الحياء والخجل شئ، تظهر أمامه على الشاشة بملابس فاضحة لا تستر شيئًا، بينما حديثهم لا يخلوا من البذائة والإباحية. يشهد مراحل متقدمة من الفجور.

تعالت ضحكاته من حديثهم الماجن ليتحدث بحماس. "ها بقى مش ناوية تاخدي خطوة جديدة!! شهقت الفتاة بسوقية تليق بها. "خطوة إيه يا عنيا أكتر من كده، وبعدين أنت لسه صغير على الكلام ده." تحدث ببذائة وهو يعتدل. "صغير إيه يا بنت الـ **** ما تظبطي معايا." تراجعت الفتاة ثم أردفت بدلال مقزز. "جرا إيه يا عمار، متبقاش قفوش كده بهزر معاك، ده أنا هدلعك."

وبعد هذه الجملة بدأت وصلة من الإباحية والكلام الخادش لكل معايير الحياء، راكضين خلف شهواتهم ومفاتن الدنيا يقودهم الشيطان بخبث وهم منساقون خلفه بالرزيلة والفحش، غير مدركين عواقب ما يفعلون، تجرهم الفاحشة خلف الأخرى، حتى يفقدوا آدميتهم.

دخل والده فجأة الغرفة بدون إنذار بعد أن استمع لأصوات مريبة جعلت قلبه يسقط بين قدميه وما رآه جعل قلبه يتوقف لثوانٍ من الصدمة غير مستوعب لوضع ابنه العاري وتلك الأصوات القذرة التي تخرج من الحاسوب أمامه. بينما انتفض عمار بصدمة يتطلع لوالده ببعض الخوف وأسرع بغلق الحاسوب بقوة وهو يتمتم بتلعثم. "بابا!

همس والده وهو جاحظ العينين يتطلع لابنه بنفور وكأنه يرى أمامه عاهر حقير زاني لا ولده عمار، مجرد مسخ فاقد للعقل والدين، أي دين هذا لقد شوه هذا القذر صورة الإسلام باعتناقه الإسلام بالاسم فقط. "أنت.... أنت كنت بتعمل إيه!!

سهام الخيبة أصابت قلبه، تمنى لو كان الله قبض روحه قبل أن يرى هذا المشهد أمامه، يتمنى لو أن عقله يخذله هذه المرة وأنه يتهيأ ما رأى لكن مع الأسف ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، بعض الصفعات المؤلمة تعطيها لنا الحياة لنفوق على كارثة، سأل نفسه هل أثر معه ابنه، هل غفل عنه! هل انشغل في تعليم أولاد غيره الدين والإيمان وحفظ القرآن ونسي ابنه فلذة كبده في غمرة الحياة، فأصبح ابنه الفاسد من ظهر العالم والذي أيضًا شق ظهره!!

لم يجد عمار أي كلمات تبرر الوضع الذي وجده والده فيه، وإن كان فاجرًا عاصيًا، لكن سوء الوضع الذي وجده به والده، عارياً يمارس الزنى ولو حتى إلكترونياً جعله يشعر بالخزي، وقد رفع ستار الستر من عليه ليصبح بهذا الوضع المخزي الحقير. "أنت إزاي وصلت للدرجة دي من القرف وقلة الأدب، ياريتني اتعميت ولا إني شفتك في وضع زي ده! أنت بتزني يا عمار! بتعمل كبيرة من الكبائر." اعتدل عمار بسرعة يستر جسده بالسروال ثم برر بتلعثم.

"زنا إيه يا بابا أنت يعني دخلت لقيت واحدة معايا بجد، ده على النت، لعب يعني." ارتدت وجهه للجهة الأخرى أثر صفعة والده ليضع يده على وجنته بذهول. صرخ والده وهو يمسك صدره الذي آلمه من كلام ابنه الفاسد الفاقد لكل تعاليم الإسلام. "بتلعب!!!

أنت مش داري بنفسك ولا إيه ده زنا يا عمار زنا، أنت كنت مع واحدة، أنا دخلت لقيتك مع واحدة يعني مش مقطع فيديو لا أنا سامع صوتها بتقولك يا عمار، أنت بتبرر إيه يا حقير بتبرر إيه، من ورا الشاشة، الشاشة يعني هي اللي هتمنع وقوع الذنب، أنت شايفها وسامعها وهي شايفاك وسامعاك وأنت قلع يا عديم المروءة والشرف هتبقى هي بالخمار يعني، أنت إزاي بالقرف ده، إزاي بتعمل كده ومش خايف من ربنا، طيب ماشي مش خايف مني عادي لكن مش خايف من ربنا يا جاحد!

مسح عمار على وجهه بحركات متتالية ثم أردف باختصار. "بابا أنت مكبر الموضوع، محصلش حاجة، هي أصلاً راضية وبعدين الموضوع عادي يعني." صرخ والده بذهول. "عادي!! الزنا والجهر بالمعاصي عادي! أنت يابني ملتك إيه حرام عليك." زفر عمار باستياء من صوت والده العالي والفضائح التي تسببها. "أنت مش مكسوف من نفسك بجد، افرض أمك ولا اختك هما اللي دخلوا عليك بالوضع ده يا فاجر كنت هتعمل إيه، أنت شيطان ولا إيه!!

صرخ عمار بغير إدراك بما يتفوه به. "أيوه أنا شيطان، أنا قرفت من العيشة دي أصلاً، تحكمات تحكمات على الفاضي، أنت ليه مش مقتنع إن الموضوع بسيط أنت مكبره لي!! صرخ والده بغضب. "موضوع بسيط؟!! لا أكيد أنا بحلم مش حقيقي اللي بسمعه، عارف الأقبح من فعلتك إنك مش معترف بالغلط وبتبرره." رد عمار باستخفاف وقد ذهب عنه أي شعور بالذنب بل تلبسه الوقاحة الصريحة. "عشان هو بسيط فعلاً." دفعه والده بحدة وهو يصرخ.

"أنت إزاي لك عين تبجح وتتكلم، أنت مسلم أنت؟ صرخ عمار بنفاذ صبر وجنون وقد تغلب شيطانه عليه للدرجة القصوى ليبعد يد والده عنه بعنف. "مش عايز أبقى مسلم أبعد عني بقى." وكأن دلو من ماء بارد انسكب فوق رأس والده برودة غريبة احتلت أطرافه، هزته في أصوله جعلته مرتعدًا، وترنح ضرب جسده لم يستوعب أي كارثة وقع بها ليهمس بصوت مبحوح ووجهه شاحب. "امشي أطلع برا مش عايز أشوفك تاني طول حياتي."

"دخلت من الباب وخلفها شقيقها والتهجم يعلو ملامحه بعدما رأى شقيقته تتحدث بكل اريحية مع شاب غريب. جلس على الأريكة ونظر لها بتفحص. جلست أمامه بارتباك لكنها تحدثت بثقة. "علاء كان بيقولي أتعامل إزاي لو حد ضايقني." ضيق عبيدة عينيه وهو يقبض على يده ويسألها ببطء. "هو في حد ضايقك." زفرت سيلا باستياء وهي تردف.

"عبيدة إحنا عايشين في الدنيا مش في الجنة، عايشين مع بشر، أكيد حد هيضايقني، ده طبيعي وأنا لازم أتعلم إزاي أتعامل، مش معقول يعني هتفضل حابسني طول حياتي عشان خايف عليا." أردف عبيدة وهو يستقيم متجهاً للمرحاض. "منيح إنك عارفة إني بخاف عليكي." شعرت بالذنب يقتحمها من نبرته الحزينة فجلست على الأريكة تتأكل حتى رأته يخرج انتفضت تقترب منه بسرعة تلقي نفسها بين أحضانه. "عبيدة متزعلش أنا عارفة إنك بتخاف عليا، مش قصدي أزعلك."

أبتسم عبيدة وهو ينظر لرأسها المدفون في صدره ليربت على شعرها برفق. "مش بقدر أزعل منك." سحبها من يدها يجلسها بجانبه على الأريكة يتأمل وجهها المليح ثم أردف بحنان. "أنتِ عارفة إن مليش غيرك في الدنيا بعد ما بابا وماما استشهدوا في الحرب، يمكن خوفي عليكي مبالغ شوية، بس ده غصب عني، بحس إني عايز أخبيكي في البيت وأقفل عليكي بـ 100 مفتاح." أبتسمت له برقة والدموع تغشي عينيها بتأثر.

"ربنا يخليك ليا يارب، أنا عارفة إنك خايف عليا، بس أنا لازم أتعامل مع بشر يا عبيدة، لازم يكون عندي خبرة ومبقاش خايفة، أنا عارفة إن العالم بره بشع، بس أنا مش خايفة أنا عارفة إن ربنا معايا وأنت معايا." ربت على وجنتها برفق. "ربنا يحميكِ حبيبتي." تطلعت في ملامحه الحزينة لتسأله. "مالك يا عبيدة زعلان ليه، في حاجة حصلت؟! تنهد يمسح على وجهه بارهاق. "ما في شي حبيبتي بس بدور على شغل بجانب المحل، وتعبت من التدوير طول اليوم."

عقدت حاجبيها باستفهام. "بتدور على شغل تاني ليه؟! هز أكتافه بلامبالاة مصطنعة. "عادي مصاريف الشغل قلت ومحتاج شغل تاني، لا تشغلي بالك أنا بتصرف، ركزي في دراستك." حمحمت تعادل بجلستها تقول. "عبيدة إحنا ممكن نقسم... صاح يقاطعها. "لا تنطقيها سيلا، والله راح أزعل هذي المرة جد، ها الموضوع ما بنتناقش فيه أبداً." تنهدت وهي تومئ له ثم لملمت أشياءها. "هتفضل عنيد طول عمرك، هخش أغير هدومي وأعمل أكل."

أومأ لها بشرود ليضع رأسه على كفيه يحمل يزفر بضيق. فأولاد الرجل الذي يعمل عنده أتوا اليوم وهددوه بترك العمل وتركوا له مهلة لنهاية الأسبوع فهم يريدون أخذ المحل لفتح مشروع آخر، رغم رفض الأب إلا أن نبرتهم المهددة لسعت كرامته بالسوط وشعر بالضعف، ألن تكف الحياة على صفعة، تدمر بيته واستشهدت عائلته، استطاع أن يهرب بأخته إلى هذه البلاد ليصبح لاجئ ومازالت الحياة تهين كرامته وتصفع رجولته، متى ينتهي هذا العذاب!! "في المساء."

دخل عبد الرحمن المنزل بغضب بعدما استمع إلى حركة في الشقة السفلية، لم يذهب والده بهذه المصيبة بعيداً. دخل المنزل ومراجل الغضب تشتعل بداخله. ليجد والده يجلس مع والدته وملامح والدته ضاحكة بشوشة بشكل لا يصدق استغربه، هل مازالت تجهل ما يحدث ولم تشعر بهذه الفتاة في المنزل. قطع تفكيره ركض والدته اتجاهه وهي تقول بسعادة تكاد تقفز من عينيها.

"عبدالرحمن حبيبي حمدًا على السلامة، كده يا عبدالرحمن تخبي عليا الخبر ده و خايف مني ليه إزاي تفكر إن ممكن أفكر كده أصلاً." عقد حاجبيه وهو ينظر له بعدم فهم ثم نظر لوالده وارتاب لنظرات والده المتحدية. "خبر إيه بس يا أمي مش فاهم حاجة." ضحكت وهي تضربه على كتفه. "شوف الواد عامل مش فاهم، أنا عرفت كل حاجة خلاص متستعبطش." ضاقت أعينه وهو يسألها بريبة. "كل حاجة اللي هي إيه معلش؟

ضحكت والدته وهي تسحبه من ذراعه ليجلس وهي تردف بثرثرة سعيدة. "عرفت إنك بتحب واحدة وعايز تتجوزها، بس كنت مخبي علينا عشانها يتيمة وملهاش حد، وأبوك أصر عليك تجيبها تقعد في الشقة اللي تحت، آه يا شقي كل ده يطلع منك طلعت بتحب ومخبي علينا، أنا مستنياك بقالي ساعتين عشان أنزل معاك أشوف عروستك، عشان متتحرجش مني، بس إزاي تفكر إن ممكن أرفض عشانها يتيمة."

تصلب عبد الرحمن مكانه وكل كلمة تسقط كسوط على رأسه يحاول استيعاب الكلام، وهو ينظر لوالده بذهول بينما والده يحرك مسبحته وهو يبتسم بهدوء وكأنه لم يفعل كارثة الآن، هل والده يغدر به بهذا الشكل ليداري على أفعاله، فيضعه هو بوجه المدفع، لا والأحرى أنه يقيده بزواجه ما اللعنة التي تحدث؟؟ تحدث والده بهدوء وهو يبتسم بشماتة ونبرة ذات مغزى.

"شوفت فرحة أمك يابني، قولتلك هتفرح أوي لما تعرف، يلا خدها وأنزل خليها تتعرف على عروستك، مبروك يابني أخيراً هشوفك عريس." "إن أعطتك الدنيا صفعة، لا تنتظر منها أن تعتذر بل ستنهال عليك بوابل من الصفعات." جلس على الرصيف يقلب في هاتفه ببرود وكأنه لم يفعل كارثتين متتاليتين، يدخن سيجارة وروحه تحترق معها في كل نفس يخرجه يخرج معه ضميره، وإنسانيته لكن لحظة. توقف وهو يعتدل بذهول ينظر للهاتف بصدمة.

على أحد الفيديوهات على برنامج "تيك توك". كانت فتاة ترقص بملابس فاضحة تفسر جسدها كله، ما عدا وجهها المغطى بقماشة سوداء حتى لا تعرف هويتها ترقص بدلال يشعل الراهب ومهارة كأنها ولدت راقصة والتعليقات البذيئة الفاسقة تملأ الفيديو. لكن ليس كل هذا ما صدمه، الكهرباء الذي مسته كان سببها أن هذه غرفة شقيقته، وهذه بالتأكيد ...... شقيقته الصغرى! "هل الدخان الخارج من فمه سيخرج معه رجولته وشرفه؟!

جلس باهي في فترة الاستراحة مع صديق شهاب يتابع شيئًا ما على الهاتف لكن قطع حديثهم وقوف رأفت أمامه الذي قال بت رفع. "انتو قاعدين كده مش في شغل!! رد باهي باستخفاف وهيئة هذا الشخص تغضبه. "وأنت مالك أنت." "في أوردرات كتير مطلوبة، اتفضل قوم أعملها." رفع باهي حاجبيه. "النوغة مش عارف يعملها، ولا متعلمهاش في الجامعات والدورات؟! عقد الآخر ذراعيه يقول بسخرية.

"لا عشان الشغل ده مطلوب بإسمك وأنا مش هشتغل لك كمان يا حبيبي، أصلاً الحاجات دي تافهة ومش من مستوايا أعملها أنا يدوبك هشرف عليك." أنتفض باهي واقفاً وقد نفذ صبره. "اسمع بقولك إيه مش حتة عيل داخل المطبخ بالواسطة هيقولي أعمل إيه ومعملش إيه، أنا تلت سنين هنا بنحت في الصخر عشان أوصل للمكان ده، استغليت في كل الأقسام هنا، فمش هتيجي أنت وتؤمرني ألزم حدودك معايا وخلي وقتك معايا لطيف عشان مزعلكش هي مش ناقصاك."

تحرك باهي لمكانه وقد تعكر مزاجه مرة أخرى بعدما بذل شهاب مجهود ليخرجه من ضيقه. مرت عدة ساعات لم تخلوا من المشاكل بين الاثنين حتى دخل عليهم مساعد مدير الـ HR والذي يكون والد رأفت. أقترب من ابنه يربت على كتفه. "إيه يا بطل عامل إيه في الشغل." ألتفت له رأفت وقد شعر بالإحراج من مجيء والده لمكان عمله يطمئن عليه بهذه الطريقة الطفولية، مع نظرات المتواجدين المتهكمة المستصغرة. "الحمد لله يا بابا إيه جابك هنا." رد والده ببساطة.

"جاي أطمن عليك وأشوفك عامل إيه في الشغل." أغمض رأفت عينيه وهمس لوالده. "بابا لو سمحت أنا مش طفل بلاش الحركات دي، أنت كده بتحرجني." تنهد والده وكان قاصداً أن يأتي اليوم بالذات بعد معرفته عودة باهي لعمله والذي احتل ابنه مكانه. "كنت جاي أشوف حد بيضايقك." قال كلامه وهو ينظر لباهي الذي ابتسم بسخرية وأردف بجفاف ولم يستطع الصمت على هذه العجرفة والتلميحات المبطنة الوقحة.

"لو حد ضايقه هيبقى يقول للمدرسة بتاعته متقلقش، رأفت good boy (ولد جيد) أشار والد رأفت على نفسه بغضب. "أنت بتستهزء بكلامي!! حرك باهي أكتافه بعدم اهتمام وهو يكمل أداء عمله. "لا أنا بعرف حضرتك، عشان متشغلش بالك على رأفت." شعر رأفت بالصغر والخزي من موقف والده والذي أكد كلام باهي وشهاب لكنه لم يظهر هذا بل قال لوالده. "بابا محدش ضايقني ممكن تتفضل، الوضع هنا تمام."

تحرك والده ولكنه وهو يمر بجانب باهي تعمد ضرب كتفه بذراع باهي الممسك الطبق الذي أنهاه للتو ليسقط الطبق على الأرض متكسرًا لفتات وتنسكب المحتويات على الأرض اتسعت أعين باهي بذهول وهو يتطلع للفوضى التي حدثت. ليقول والد رأفت بشماتة ساخرة. "مش تخلي بالك، الطبق كده مش هيخرج للعميل في ميعاده، أنت مخصوم منك يومين." رفع باهي وجهه يتطلع بنظرات حادة لوجه والد رأفت الباردة. ليبتسم باهي ابتسامة ميتة رشت في وجه رأفت ووالده.

ألتفت يمسك بطبق نفس الذي انسكب وهو يقول. "مش مضطر تخصم مني حاجة، الطبق جاهز ويخرج في ميعاده، اللي وقع ده كان طبق تجريبي." مر من جانبهم وهو يقول ببرود. "الحاجات دي مش بنحتاج نتعلمها في جامعات عالمية، دي مهارة شيف خبير، وشاب لفف وقارئ للناس."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...