همست سيلا وهي تحاول التخفيف من توتر الطريق وتعبها على نسيم، الذي ظهر التعب والإرهاق بوضوح على وجهها: "مقولتليش، إنتِ ليه سافرتي؟ والشاب ده يبقالك إيه؟ نظرت لها نسيم قليلاً باضطراب، لتومئ لها سيلا مطمئنة: "لو مش عايزة تقولي عادي." هزت نسيم كتفيها بقله حيلة وهي تردف بخفوت هامس: "يبقى ابن جوز أمي الله يرحمها." أومأت لها سيلا وهي تستفسر: "يعني مش أخوكي صح؟ هزت الأخرى رأسها بتأكيد: "لأ لأ، مش أخويا أكيد."
ابتسمت سيلا وهي تمزح لتخفف من إحراج الأخرى: "وإنتِ مشيتي وسبتيهم؟ لقيته هنا؟ شوف الصدف سبحان الله." أومأت لها نسيم وهي تردف بتذمر حانق: "أنا هربانة منه ومن كلامه أصلاً، متمرمطة كل ده عشان في الآخر ألاقيه هنا!! اقتربت سيلا بفضول، تحت نظرات عبيدة المحذرة ألا تتطفل على هذه الشابة المسكينة، ولكن كالعادة تجاهلته وهي تقول بهمس: "ليه هو عملك إيه؟ تنهدت نسيم وهي تمسد على جبهتها بتعب:
"أبوه كان عايزه يتجوزني، غاصبني عليا، وهو مفكر إني موافقة، بس أنا أصلاً مش عايزة، أنا راحة بالعافية، أنا مستحيل أقبل أتعامل بالطريقة المهينة دي، صعب على أي بنت إنها تتعرض على حد رافضها كده، عشان كده اضطريت أسيب الدنيا كلها وأهرب." أومأت لها سيلا بتفهم وهي تربت على يدها: "عندك حق، بس إنتِ أصلاً ليه روحتي عيشي معاهم؟ ابتسمت نسيم بألم وأعينها دامعة، شعرت بغصة بقلبها تؤلمها. همس عمار لباهي بتساؤل:
"بقولك معرفتش مين المزة اللي كانت بتكلم صاحبك دي، تخصه يعني؟ احمرت عينا باهي بغضب وهو ينظر له، هسهس من بين أسنانه: "ارحمني، ابعد عني أنا مش طايق نفسي." ذم عمار شفتيه: "إنت قفيل كده ليه، اللي يشوفك يقول رايح جنازة، مش رايح لأوروبا." تنهد باهي وهو يضع يده على رأسه بتعب دون أن يكلف نفسه عناء الرد عليه. توقفت السيارات على حين غرة، مما أدى إلى ارتداد الجميع وتخبطهم في هذه المساحة الصغيرة.
نظروا لبعضهم جميعًا بعدم فهم، والنظرات المذعورة من الفتيات اختلطت مع النظرات المترقبة من الرجال. أمسك عبيدة يد شقيقته وهو يشد عليها، وتعالت دقات قلبهم جميعًا. فجأة انسحب الغطاء من فوقهم وصوت الرجل يقول ببرود: "عدينا الحدود، إحنا وصلنا ليبيا." تنفس الجميع الصعداء، منهم من انفجرت أساريره، ومنهم من تعالت دقات قلبه بخوف من القادم، وندم بعض الشيء. سأل عمار بصوت متحمس: "هنروح فين دلوقتي؟ رد الرجل ببرود:
"دلوقتي كان المفروض نروح على المينا على طول، عشان المراكب مستنية هناك، بس حصل حاجات، فمش هينفع تسافروا النهاردة، عشان كده هنوديكم هنجر لحد ما الدنيا تهدى." اتسعت أعينهم بصدمة، ليردف عبيدة بتوتر: "كيف يعني؟ ما بيصير! تطلعت نسيم لهم وعلى ملامحها ارتسم الرعب، بينما قال عبد الرحمن: "يعني إيه مش هنروح النهاردة؟ وبعدين هنجر إيه اللي هنروحه؟ ده مكانش اتفاقنا والكلام اللي اتقالنا." عقد الرجل ذراعيه يقول ببرود ولا مبالاة:
"والله ده اللي عندي، وده الكلام اللي جالي، أوديكم المينا وتتقفشوا هناك؟ الشرطة هناك وبتفتش المراكب وفي قلق." مسح عبد الرحمن على وجهه بغضب، ليردف باهي بتساؤل: "وإحنا المفروض نقعد هناك قد إيه؟ هز الرجل كتفه: "لحد ما القلق يخف، يعني على بكرة مثلاً." تنهد الجميع باستياء، وقد ظهر القلق على عمار، لكنه قال: "وأحنا هنروح الهنجر ده نعمل إيه، أو هنقعد إزاي! رد الرجل بحده:
"هتقعدوا زي الناس، إحنا مش عايزين المصلحة تبوظ، فخليكوا حلوين كده واسمعوا الكلام، دلوقتي كله يقفل التليفونات ويجيبها هنا عشان نتحرك." شعور غير مريح أصاب باهي، ليردف بعصبية: "وإحنا نجيبلك الموبايلات ليه إن شاء الله؟ الموضوع ده مش مظبوط، الكلام ده مش اللي متفقين عليه، ولا اللي شايفينه." رد الرجل بنفاذ صبر: "هتقفلوهم عشان محدش يتعقبهم ويعرف مكاننا، وهتجيبوهم هنا عشان أضمن ده." رد عبيدة وقد عم التوتر
السيارة وهم ينظرون لبعضهم: "إحنا أكيد ما بنودي حالنا بشيء مصيبة، راح نسكرهم، بس ما راح نعطيك شيء." مسح الرجل على وجهه وهو ينظر لهم: "اقفلوا الموبايلات، ولما نروح هناك هما هيتصرفوا." ثم تركهم وصعد مكانه خلف عجلة القيادة. مال عبد الرحمن لباهي بنظرات شك: "أنا مش مطمن، الموضوع مريب." أومأ باهي له بتأكيد على حديثه: "فيه حاجة مش مظبوطة بتحصل!! بس للأسف معادش ينفع نرجع ولا نعترض."
الشك والتوتر هو سيد المكان، ما قال لهم لم يكن كما شاهدوا وما اتفقوا عليه. شعر باهي بأن الأمر يتلاعب به، لكن لم يكن بيده شيء ليفعله، عليه أن ينتظر ويرى نهاية الطريق. سألت سيلا عبيدة شقيقها الذي يجلس بصمت وقد حفر الهم والكدر معالمه على وجهه المليح: "هو ده طبيعي يحصل يا عبيدة!! أنا قلقانة." ربت على يدها وهو يقول بهدوء عكس فورانه الداخلي: "آه أكيد حبيبتي، ما تقلقيش، دي أكيد إجراءات أمنية بيعملوها، كل شيء هيكون كويس."
أومأت له وهي تستند على كتفه بإرهاق. نظر عمار لجمال بشك: "إيه يا عم جمال الحوار ده بقى، اتفقناش على كده! نظر له جمال بعدم اهتمام: "حوار إيه يا عم وأنا مالي؟ وبعدين الراجل قالك إنهم بيفتشوا المراكب، أهدى على نفسك عشان تغور من هنا من غير شوشرة، اصبرلك كام ساعة مش هتموت يعني." زفر عمار باستياء وقد انسحب حماسه بعض الشيء.
بعد ساعتين توقفت السيارات في منطقة مهجورة على البحر وأمامهم مستودع كبير مهجور لا يظهر وجود أي شخص حول المكان. نزل الرجل من السيارة وهو يقول لهم: "يلا يا جماعة وصلنا، هنقعد هنا لحد ما يجي الخبر إن كله تمام." نزل الجميع من السيارات وهم يتطلعون حولهم. شدد عبيدة يده على يد شقيقته وهو يردف بجدية: "متبعديش عني نهائي." سأل عبد الرحمن وهو يسير خلف الرجل الذي اتجه صوب المستودع: "إحنا هنقعد هنا لوحدنا!
إحنا عايزين نشوف الراجل اللي هيسفرنا ونتكلم معاه نعرف هنقعد هنا قد إيه." فتح الرجل باب المستودع وهو يردف بسخرية: "يا أستاذ خش هو أنا هخطفكوا، الباشا مش فاضي يجي يكلمكوا دلوقتي، لما الأمور تستقر هيجي متقلقش." دخلوا بخطوات مترددة، لترتسم الصدمة على وجوههم. كان الأمر صادمًا لهم، كونهم لم يكونوا الوحيدين في هذا المستودع المهجور، بل كان في الداخل عدد مهول من الأشخاص، من جميع الأعمار، من الجنسين.
كان المستودع يعج بالأشخاص الواضح عليهم عناء الطريق وطول الانتظار!! كان المنظر مربكًا، وقابضًا للقلب، شيء غير طبيعي. أردف باهي بصوت هارب ووجه شاحب: "إيه ده مين كل دول، إيه اللي بيحصل هنا؟ تمسك عبيدة بشقيقته وكأن المنظر أمامه عبث بقلبه وفعل خاصية الحماية القصوى. أردف الرجل بسخرية: "إنتوا فاكرين إنكم لوحدكم عايزين تسافروا!! كل الناس دي عايزة تسافر، بس مستنية زيكم، ادخلوا يلا مينفعش تقفوا برا."
أردف عبد الرحمن بعصبية وهو يقترب من الرجل وقد طفح الكيل من هذا الأسلوب المتعسف المهين: "بقولك إيه أنا ساكتلك من الصبح، اتكلم معانا عدل، وبعدين إحنا هنستنى هنا لحد امتى، الناس دي شكلها هنا بقالها كتير، كلامك فيه حاجة غلط." أردف أحد الأشخاص الموجودين بغضب وهو يتقدم منهم ليقف بتحفز أمام الرجل: "إحنا هنا بقالنا يومين والراجل ده قالنا فيه قلق في المينا، وسابنا هنا لحد دلوقتي، إنتوا نصابين ولا إيه انطق."
نظر لهم الرجل ببعض الارتباك ثم قال بصوت عالٍ وبحدة كي يفلت من أسئلتهم: "فيه إيه يا جماعة هو أنا يعني هقعدكم هنا مش عشان الدنيا مش أمان! وبعدين الريس هيجي يكلمكوا." أردف باهي وهو يضع يده على كتف الرجل: "لأ إنت مش هتمشي من هنا غير لما الريس بتاعك ده يجي يكلمنا." نظر عمار لجمال وهو يسأله بقلق: "فيه إيه يا عم جمال إيه اللي بيحصل، ومالك هادي كده ليه! هز جمال كتفيه بعدم اهتمام: "هعمل إيه يعني!!
هما قايمين بالواجب، أحرق بنزين على الفاضي ليه! مسح عمار على وجهه بتشتت: "إنت عارف حاجة طيب على الموضوع ده! "هعرف منين يا عم يعني ما أنا متنيل معاكم أهو! صاح الرجل بغضب وهو يبعد يد باهي بعنف: "هو فيه إيه، ما قولنا فيه تفتيش، إنتوا مش أول ناس تسافر، نرميكوا للحكومة يعني! نظرت سيلا لعبيدة بخوف: "هنعمل إيه! هنفضل قاعدين هنا!! أومأ عبد الرحمن بإصرار:
"تمام برضو مش هتمشي من هنا غير لما تخلي الريس بتاعك يكلمنا، إحنا والناس دي عايزين نعرف راسنا من رجلينا." ضحك الرجل بسخرية وهو ينظر له بلامبالاة: "والله قولتلك لما الريس يفضى هيكلمكوا، وبعدين مش عاجبك كنت سافرت على طيارة ليه رامي نفسك هنا." نظرت نسيم لعبد الرحمن بغير رضا، وقد غزا شعور المهانة داخلها ونفس السؤال يتردد، لماذا يسافر عبد الرحمن بهذه الطريقة الصعبة المهينة! هل هو فار من العدالة مثلاً؟
انقلب وجه عبد الرحمن وشعر بأن أحدًا يصفعه على وجهه، لم تتحمل كرامته هذا الأسلوب، لينقض على الرجل ممسكًا بملابسه وقد ساعدته بنيته القوية لإرهاب الرجل: "إنت هتعرفني أعمل إيه ومعملتش إيه!! اتصل باللي مشغلك دلوقتي حالًا، عشان قسماً بربي ما هخلي فيك حتة سليمة." "فيه إيه، إيه اللي بيحصل هنا! التفتوا جميعًا صوب الصوت الوقور الذي آتاهم من عند باب المستودع.
كان صوت لرجل كبير بالسن تظهر الحِدة والصرامة على وجهه، يستند على عكاز مهيب برأس من الذهب على شكل أسد ويقف خلفه أربع رجال ضخام البنية. أسرع الرجل الآخر الذي يقع تحت قبضة عبد الرحمن بالتبرير: "والله يا ريس قولت لهم إنك هتكلمهم بس هما قعدوا يتشاكلوا معايا." علت الأصوات المعترضة من الجميع لتتداخل ببعضها وتتصاعد الغضب من الذين يجلسون منذ يومين هنا.
ترك عبد الرحمن ملابس الرجل ونظر حوله في الزحام بعد أن وقف الجميع، فتوارت هي بين الناس، ليمر بأعينها سريعًا حتى توصل لموقعها، تقف بجانب الفتاة الأخرى. لا يعلم لماذا يفعل هذا، لكن رجولته لا تسمح له بأن يترك فتاة يعرفها وحدها في موقف مثل هذا، لكن كرامته تأبى إظهار هذا. انتفض من أفكاره على دوي طلقتين ناريتين في الهواء، تعالت الصرخات تليها الصمت المقبض، والجميع يقف مذهولًا.
بينما احتضن عبيدة شقيقته يحميها بين أضلعه، رغم ذلك لم تترك هي يد نسيم التي استشعرت برودتها المفاجأة. ليقول الريس بصوت عالٍ صارم: "مش عايز أسمع صوت هنا!! نظر الريس لهم وهو يتأكد من ترهيبهم ثم أردف: "إحنا مش جايين نلعب ولا نتشاكل، كله يقعد على الأرض، خلاص أنتم بقيتوا في أرضنا، يعني معادش في طريق عودة، كلامنا يتسمع عشان تعرفوا تسافروا."
قبض باهي على يده بغضب وكل الشعور السيء بداخله يتصاعد، بدأً من ما حدث في العمل وشعوره بالقهر ثم بعدها ما حدث في البيت وخروجه عن السيطرة وصوته العالي وصراخه في وجه عائلته، هروبه خلف السراب متخيلًا أنه طريق النجاة، تعب الطريق ووجع الفراق، وصولًا الآن من تهديدهم ومعاملتهم بهذا الأسلوب المتعسف الدنيوي. "إنتوا بتهددونا ولا إيه! ده مش أسلوب تتعاملوا بيه معانا، ولا الكلام والحاجات اللي على النت ده كله كان كدبة! أقترب الرجل
منه وخلفه رجاله المسلحون: "إنت فاكر نفسك في طيارة!! أنت مسافر هجرة غير شرعية، وخلاص خرجت من بلدك، يعني مفيش قدامك حل تاني غير الهدوء وأنك تسمع الكلام، أول حاجة هتقعدوا هنا لبكرة الصبح، لحد ما التفتيش يخلص، ونعرف مين الخونة اللي بلغوا علينا، تاني حاجة كل واحد هيتصل بأهله وهيطلب ٢٥٠ ألف جنيه هيتحول على الرقم اللي هنقول عليه." اتسعت أعين عبيدة بصدمة ليردف بصوت مبحوح: "شو!
٢٥٠ ألف ليه ما كان هاد الكلام، إنتوا اختوا فلوس منا قبل ما نطلع من مصر!! ابتسم الريس بسخرية وهو يردف بنبرة قاتلة: "ولهو أنت فاكر إن الكام ألف دول هما اللي هيسفروك! لأ إحنا بناخد دفعة تانية قبل ما تطلعوا المركب." صاحت نسيم بغضب: "ده مش الكلام اللي اتقالنا، حتى المندوب اللي أخد الفلوس مقلناش حاجة زي كده! رد الآخر ببرود: "والله ده اللي عندنا! قال عبد الرحمن بغضب وهو يقترب من الرجل بتحفز: "ولو مدفعناش هيحصل إيه هترجعونا!
وقف الريس أمامه ينظر لعينيه بتحدي وهو يشير بعصاه: "لأ هتموتوا... روحكم قصاد الفلوس."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!