نحن نفكر بشريط حياتنا كله في لحظاتنا الأخيرة، حيث ندرك أن لا مفر من الموت. نبدأ باستيعاب ماذا سنقول، كيف سنجاوب ونحن نقف بين يدي الله. هل فعلنا ما يجب أن نفعل؟ نضل الطريق ونصر على الضلال حتى يفوت الأوان للعودة.
أنفاس متلاحقة، ومياه في الحلق. ما بين المعافرة والاستسلام خط رفيع. يحاول بكل طاقة مبذولة من عضلات جسده أن يعافر أكثر، النجاة من الموت غرقاً. حياته تمر أمامه كشريط سريع يعرض ما اقترفه بيديه في سنوات عمره، كل شيء من سيء لأسوأ.
مع حركة يديه وأقدامه كان يضرب المشاهد التي تظهر أمامه وكأنها تتكاتف مع لحظات الموت الأخيرة لتذكره بما اقترفه ليحاسب عليه الآن. صرخاته لم تخرج عن محيط أمتار مختلطة بصرخات من حوله. بكى وصرخ واستغاث بكل شيء. وفي النهاية كانت آخر كلمة نطقها قبل أن يستسلم: "يااارب." وبعد لحظات، وقبل أن يغلق عينيه، شعر بيد تسحبه، لكنه كان فقد الوعي ولم يدرك ماذا حدث بعد ذلك غير أن هناك ظلمة ابتلعته وسحبت إدراكه منه.
بعد أن شعرت بتلك اليد تسحبها، تمسكت بها بكل قوتها وهي تشهق بعدما أخرجت رأسها من الماء. استمعت إلى صوته القلق: "نسيم أنتِ كويسة! سمعاني!! تعلقت به وهي تشهق بقوة محاولة تنظيم أنفاسها المسلوبة. ليردف وهو يتمسك بها بإحكام: "أهدي بطلي حركة و اهدي عشان منعرقش." بكت متمسكة به وهي تحاول السباحة، لكن كل محاولتها تجدي بالفشل. "متسبنيش متسبنيش أموت." "مش هسيبك والله، أهدي متعمليش حركة كتير عشان أنتِ بتنزلينا لتحت."
اردفت بتلعثم باكي: "هنموت؟؟ هيحصل أي أنا خايفة اوي." حاول السباحة بها لأي قارب قريب منهم. "متخافيش هنعيش بإذن الله أنا معاكي، متخافيش." شهقت بهستيرية وهي تتمسك به دون وعي، وقد دخلت في صدمة أثر ما حدث. "متسبنيش أنا خايفة اوي."
وصل أخيراً لحد قوارب الإنقاذ التي تنتشل الناس من الماء بعدما تسببوا في إغراقهم من البداية. وهذا أمر غريب أنهم ظلوا هكذا حوالي عشرين دقيقة قبل أن يبدأوا في إنقاذهم، وكأنهم متعمدين على إغراق أكبر قدر ممكن. وصل لأحد القوارب وقال بصوت عالٍ حتى يسمعه: "Help me." ساعدني. نظر له أحد الحراس مقيماً ثم اقترب من الحافة باستعلاء وانحنى يسحب منه نسيم التي تمسكت به. "متسبنيش."
رفعها عبد الرحمن وهو يطمئنها، لياخذها منه الحارس ويلقيها على القارب بدون اهتمام. صعد عبد الرحمن برشاقة على القارب دون حاجة تذكر للمساعدة. نظر حوله بقلق وهو يبحث بعينيه بين الفوضى وعدد الجثث المأهول. احتل الجزع وجهه وهو يرى كل هؤلاء البشر الذين غرقوا، منهم من طفت جثته على الماء، ومنهم من غرق في القاع، ومنهم مازال يقاوم ويتم إنقاذه. عبث بشعره بعدم تصديق وهو يشعر بالانهيار، مكبل بالعجز، غير قادر على فعل شيء.
أردف لأحد الحراس: "هناك الكثير على قيد الحياة، يجب إنقاذهم قبل أن يموتوا." نظر له الحارس بدون اهتمام وهو يردف: "هذا ليس من شأنك." قبض عبد الرحمن على يده بغضب، يعاملونهم كالجرذان بكل حقارة. هل هذه الدول المتقدمة التي تخشى على حياة البشر وتنادي بحقوق الإنسان؟ لمح عبد الرحمن باهي على أحد القوارب فطمئن قليلاً، لكن ما جعله يقلق أنه فاقد للوعي. هل هو على قيد الحياة؟
مسحت سيلا على وجه شقيقها وهي تبكي وتضمه بين أحضانها بخوف. بعد أن قفز الاثنان في الماء، وقع شيء على رأسه من القارب لا تعلم ما هو جعلته يفقد الوعي. بصعوبة استطاعت سحبه لأحد القوارب القريبة وأقسمت أنه على قيد الحياة حتى يوافقوا على صعوده، فمن المستحيل أن تتركه وترحل، فلتمت معه أفضل. ضمت رأسه إلى صدرها بخوف وهي تتوسل إليه أن يستيقظ:
"عبيدة فتح عينك عشان خاطري، متسبنيش لواحدي، عبيدة بالله عليك، عبيدة فوق خلاص كله هيكون كويس و هنوصل و حياتنا هتتحسن، عبيدة سامعني، خلاص معتش غير خطوة و نوصل متسبنيش في نص الطريق لواحدي، انا معتش ليا غيرك، فوق عشان خاطري."
كانت أعينه مازالت مغلقة وهذا جعلها تبكي أكثر وهي تضع يدها مكان جرحه النازف بجزع. نظرت حولها بضياع، تشعر أنها ورقة سقطت من غصنها تتناولها الرياح هنا وهناك، شريدة بدون وطن ودون أرض، بدون أهل أو بيت. هي اكتشفت أن اختصار كل هذه الأشياء تكمن في شقيقها، بلا أرض سواه ولا وطن سوا ذراعيه ولا بيت غير ظله.
نصل الحياة القاسي سأم من تجريحها، كعبيها اشتكت من كثرة الترحال، وجسدها نفذت طاقته. أصبحت كمدينة خربها الاحتلال وأصبحت مجرد أطلال، لا تعلم على أي دمار تبكي. كانت مجرد طفلة استيقظت على أصوات الصرخات، ومن بعدها ابتلعتها الظلمة، لا تعلم لحياة النور طريق ولا لأي أرض ستلقى.
كانت تعيش في ظل أخيها كعصفور بنى عشه على غصن في شجرة. الشجرة بيت كبير والغصن هو ظله. لو انكسر الغصن سينهدم العش حتى لو ظلت الشجرة. لا تعلم قوانين الحياة بدونه، ولا تريد الحياة بدونه، فهي ستظل بدونه غريقة حتى لو كانت تتنفس.
وقعت أعينها على عمار الفاقد للوعي هو الآخر. حاولت البحث عن أي شخص تعرفه على نفس القارب لكن لم تستطع. كان أغلب القارب من الفاقدين للوعي. هي متأكدة أنهم ليسوا جثث، هي اكتشفت أنهم يتركون الجثث، يأخذون الأحياء فقط. لماذا هي لا تعلم؟ هناك شيء غير طبيعي.
تمسكت بعبيدة أكثر وهي تتلفت حولها بخوف لعلها تجد صديقتها، لكن لم تجدها. بحثت على قدر المستطاع بعينيها في الماء لكنها لم تجدها. بكت بخوف، وانتفض جسدها. فكرة أن يكون الشخص معك منذ دقائق ثم تعلم أنه مات، مؤلمة، بل قاسية خصوصاً أنك تعلم كيف مات وماذا سيحدث له. دعت الله أن ينجي صديقتها ويحفظها، فهي لا تستحق هذا. هم جميعاً لا يستحقون هذا. كل ما أرادوه هو حياة. هل حق الحياة في الحياة صعب ومميت لهذه الدرجة؟
فتح عينيه بتعب لا يعلم كم مر من وقت في غيابه للوعي. أصوات كثيرة تصم أذنيه وأشخاص تتحرك في كل مكان. تشوش أعينه أعاقته من تحديد أين هو. كل من حوله يتحدثون لغة لم يفقهها، لم تكن إنجليزية. رمش بعينيه عدة مرات حتى وضحت الصورة أمامه. كان مكان غريب يعج بالناس، منهم المرضى المستلقين جانبه ومنهم أطباء أو مسعفون يرصدون منهم الأحياء والأموات، يضمدون الجرحى وينقلون المتوفين في مكان مع بعضهم.
اقتربت منه إحدى المسعفات تتفحص علاماته الحيوية ثم سجلت شيئًا. سألها باهي بتعب بالإنجليزية: "أين أنا! لم ترد عليه، بل سألته بالإنجليزية: "ما جنسيتك؟! رد بارهاق وهو يعيد رأسه مرة أخرى للوسادة: "مصري." أومأت له وهي تكتب شيئًا ما ثم سألت مرة أخرى: "ما اسمك؟ "باهي مجدي الشرقاوي، أين أنا الآن." نظرت له بطرف عينيها وردت ببرود وهي تستقيم: "لا يهم، المهم أنك على قيد الحياة." سألها مرة أخرى متغاضياً عن تجاهلهم المريب:
"هل وصلت لإيطاليا!! كان معي أصدقائي." "نحن لسنا مسؤولين عن البحث لك عن أصدقائك، ربما لم يعودوا على قيد الحياة." ودون كلام آخر تركته ورحلت. نظر حوله بعدم تصديق. هو حي، لكن لا يعلم أين هو وماذا حدث وأين أصدقاؤه. قام من مكانه يبحث حوله بضياع عن أي أحد يعرفه. كل الوجوه مألوفة لكن لا يعرفهم. أين أصدقاؤه؟
اقترب من مكان الجثث وألقى نظرة سريعة على وجوه المكشوف منهم ورآهم يضعون الآخرون في أكياس سوداء. فاقترب منهم يكشف عن وجوههم لعله يجد أحد يعرفه. وبعد بحث مرهق وقف بتصنم أمام إحدى الجثث وشعر بانقباض في قلبه من المنظر. كانت جثة جمال، صديق السوء الذي سحبه لهذا الطريق ورسم له العديد من الصور والأحلام وتغنى بمدى سهولته. هو من سحبهم جميعاً. كان جسده شبه ممزق وكأن القارب تحطم فوقه. المنظر كان بشعاً ومقرفاً. لم يستطع الوقوف وسقط على الأرض يضع يده على رأسه.
كان من الممكن أن يكون مكانه؟ كان من الممكن أن يكون أشلاء بلا هوية في بلاد بعيدة. لكن هو الآن فعلاً بلا هوية في بلاد بعيدة. أدمعت عيناه وهو يعلم علم اليقين مدى قلق أهله عليه، مدى ذعرهم. من المؤكد خبر تحطم القارب وصلهم. في مكان آخر كانت متشبثة بذراعه وهي تنتفض كل دقيقة. "هيعملوا فينا أي!
طمأنها بهدوء، فتوتره لن يجدي نفعاً الآن سوى زيادة انهيارها. ما مروا به لم يكن هيناً، كانوا على أعتاب الموت. خرجوا من تجربة قاسية لا يعلموا إن كانت انتهت أم ما زالوا يحيونها. الأحداث السريعة التي تجري حولهم لا تساعدهم على تخطي الصدمة. "متخافيش يا نسيم، أنا معاكي مش هسيبك." بكت للمرة التي لا يعلم عددها. "يارتني ما عملت كدا، يارتني ما سافرت، يارب ارحمني يارب." رد بهدوء حانٍ وهو يستقبل انهيارها دون
تذمر رغم الفوضى بداخله: "اللي حصل حصل يا نسيم، كفاية عياط، العياط مش هيحل حاجة يا نسيم." أشارت على الناس حولها: "هما مين دول، هما هيرجعونا مصر تاني ولا هيعملوا فينا أي! "دول الصليب الأحمر، مش عارف هيعملوا أي يا نسيم والله، ممكن تهدي شوية أنا معاكي أهو، مش هسيبك صدقيني."
الآن فقط قدرت حجم المعاناة التي ألقت نفسها بها. فتاة وحدها هاجرت دون التفكير في العواقب. رغم تهورها كان معها حارس خفي. لا تنكر أنها اطمئنت بوجوده، بدونه لا تعلم ماذا كان سيحدث بها. هل كان سيتم التحرش بها، أو الموت عطشاً أو غرقاً. لم تكن ستنجو في كل الأحوال بدونه. القدر ربطهم ببعض رغم هرب كل منهم من الآخر. "عبد الرحمن."
قالتها بخفوت وهي تضم الغطاء الملفوف بها لنفسها. نظر لها بهدوء منتظراً أن تقول ما تريد، لكن رأسها المنكسة جعلته يهمهم كإجابة. أردفت بخجل دون أن ترفع رأسها: "شكراً على كل حاجة عملتها معايا، منغيرك كان زماني مت، أنا أذيتك في حياتك منغير قصد، ممكن أكون ضحية زيك، بس لو كنت رفضت من الأول مكنش كل دة حصل، علشان كدة أنا آسفة كمان أنك هنا بسببي، و شكراً على أنك أنقذت حياتي و متخلتش عني."
ابتسم بهدوء فظهرت وسامته رغم الإرهاق والتعب البادي على وجهه.
"مش أنتِ السبب أني أمشي يا نسيم، حاجات كتير كانت السبب. لما أتخلى عن كل حاجة كنت عايزها عشان أبويا عايز كدة، عشان أنا ابنه الوحيد وعايزني أكون ولي العهد، فنيت شبابي في الشغل عشان أكبره، كنت بشتغل كأني واحد من صبيانه، اشتغلت كل حاجة معاه، وبعد كل دة يسحب مني الفلوس ويوقف حسابي والـ الفيز والـ باسورد كأني عيل صغير ومش هقدر أعيش منغيره. كرامتي مسمحتليش أن أفضل بعد كل دة فمشيت معترف أني اخترت طريق غلط، بس اللي حصل. أما بالنسبة أني أنقذت حياتك، دة العادي يا نسيم، أكيد مش هسيبك تغرقي، أي حد غيري كان هيعمل كدة، رغم كل حاجة أنتِ كنتِ أمانة عند أبويا، يعني دلوقتي يعتبر أمانة معايا."
ردت بصوت مبحوح وهي تضم شفتيها: "سحب منك الحاجات دي عشان تتجوزني صح." نظر في عينيها عندما رفعتهم له ليبتسم وهو يعيد رأسه يستند للخلف: "متدخلنيش في تفاصيل." "أمانة معاك إزاي وانت قلت أن لما نوصل كل واحد في طريق." رد عليها بصبر مرتبك بعض الشيء: "مكنتش هسيبك غير لما اطمن أنك في أمان بردوا. أما دلوقتي الظروف اختلفت كتير، متشغليش دماغك كتير يا نسيم وارتاحي، اللي مرينا بيه مكنش سهل والله أعلم هنشوف إيه تاني."
أغمضت عينيها بتعب ومالت برأسها تستند على كتفه.
كان الاثنان يجلسان على الأرض في مكان كمستودع يطل على البحر، عربات الإسعاف في كل مكان وانتشار عدد كبير من الأشخاص يرتدون سترة الصليب الأحمر يداوون الجرحى. لم يجد في المكان أحد يعرفه، هو للحقيقة مرهق بشكل كبير ولا يستطيع القيام من مكانه للبحث عنهم فالمكان كبير ويعج بالكثير من الأشخاص. بالإضافة لنسيم المتشبثة به بشكل هستيري تخشى أن يختفي منها فلا يستطيع تركها وحدها في مكان غريب، ولا هي قادرة على القيام للبحث معه. فهو اضطر لحملها لهنا بعدما أصابها انهيار وتراخى جسدها من الصدمة النفسية.
احتضنت جسده البارد بجسدها الصغير تحاول بثه الدفء ولو قليل حتى يأتي أحد ويتفحصه. لقد فقد دم كثير وشحبت ملامحه بشكل مخيف. تملست وجهه بيدها الصغيرة: "عبيدة خليك معايا، كله هيكون تمام، إحنا خلاص وصلنا، أرجوك خليك معايا." انحنت تقبل جبهته وهي تمسك كفه البارد تفركه كي تبثه بعض الدفء المعدوم بجسده. بعد قليل أتت واحدة من المسعفات تفحصه بروتينية ثم وقفت تسجل شيئًا وقالت بكل برود قاسٍ كأن ما يحدث عادي: "لقد مات."
وقعت الجملة على أذنيها كالرعد ضربها فانتفضت. البرودة انتقلت لجسدها وهي تنظر للمسعفة أمامها بدون استيعاب. ترددت: "ماذا! انتقلت ببصرها لوجهه الملائكي بعدم تصديق. ضربت وجنته بهستيرية: "عبيدة قوم، عبيدة بالله عليك قوم، متوجعش قلبي عليك يا عبيدة، عبيدة قوم متهزرش، أنت قولت مش هتسيبني، عبيدة قوم، أنت أكيد بتضحك عليا." رفعت وجهها صارخة: "اكشفي عليه تاني ارجوكي، حد يلحقه أبوس إديكم، حد يلحقه، يا عبيدة."
نظرت لها الأخرى بعدم استيعاب وتحدثت بالإنجليزية: "اهدئ، لا يوجد في يدنا شيء نفعله لقد مات، يجب أخذ الجثة." صرخت بهلع وهي تتمسك به: "لا لا محدش هياخده لا، يا عبيدة فوق بالله عليك، عايزين ياخدوك مني، يا عبيدة متسبنيش أنا خايفة، أنت وعدتني، أنت مش هتسيبني، أنت كل حياتي، قوم بقا متعملش فيا كدة، أنت عارف غلاوتك عندي قوم."
صرخت ببكاء وهي تتمسك بملابسه وتحتضن رأسه بين جنبات صدرها تريد دفنه هناك عند قلبها. انهار عالمها وسقط الغصن. "متسبنيش لواحدي يا عبيدة.." وضعت رأسها على صدره بيأس وهي تبكي بصوت عالٍ متمسكة بقميصه المبتل:
"عبيدة بتتذكر لما كنا بنلعب في بيتنا في الضيعة، لما كنت أنا وأنت وغسان وريحانة. بتتذكر لما وقعت وانجرحت قولتلي ياريتها فينك ولا فيني. حضنتك يومها، حسيت أنك كتير علي. بتتذكر لما وصلتني أول يوم المدرسة وكنت ماسك إيدي وبتشجعني. بتذكر كل يوم كنت معي فيه، أول يوم جامعة، بتذكر يوم اتدمر بيتنا وفضلت ضاممني يوم كامل خايف تخرجني من حضنك لاضيع منك، خايف أموت متل ما ماتت عيلتنا كلها. عبيدة قوم ضمني أنا خايفة، قوم ضمني، ما تروح يا عبيدة أنا ما عد لي غيرك في الحياة، ما بدي أكون لواحدي، شو بسوي فيها منغيرك، ياربي والله ما بقدر قوم....
لك قوم." ضربت على صدره بانهيار: "قوم ما فيني أكمل منغيرك، قوم... أنا كملت كل هالسنين بعد اللي شوفناه عشان أنت كنت معايا، والله مهزعلك تاني بس قوم، يا عبيدة قوم." بكت كما لم تبكي من قبل، بكت بحرقة من قساوة الفقد. لم تبكي يوم ماتت كل عائلتها لأنها لم تستوعب الأحداث، كان معها حارسها الحامي ظلها وحماها، لكن الآن هي وحيدة. مَن سيضمها ليواسيها؟ "ما بدي أعيش من بعدك ما بدي، يا عبيدة رد علي، رد علياااااا."
أقترب منها أحد المسعفين: "يجب أخذه للمشرحة." صرخت بالرفض وهي تتمسك بشقيقها بكل شراسة ترفض أن يسحبه أحد منها: "ما حد يقرب، رح يقوم، هو وعدني ما بيتركني، هو وعدني، اتركوه، لا حد يقرب عليه، يا عبيدة قوم يا عبيدة." كانت هناك أعين قريبة تطالعها بعدم تصديق، عيون تبكي وقلب مرتجف كورقة في الخريف. يخشى الاقتراب ويخشى تركها هكذا. بكى بقوة وكأن ما حدث كان صفعة على وجهه فتت الغشاوة التي كانت تعميه.
تكسرت روحها وتفتت لمئات القطع وهي ترى لآخر مرة ملامحه الجميلة. لم تشعر بأنفاسه الدافئة ولا بتربيت يده عليها ليطمئنها. كلما حاولوا إبعاده عنها، كانت تشعر بأنهم ينزعون عنها روحها لتبقى عارية في جسد بلا روح. من قال أن العرى في ستر الجسد فقط؟ أحياناً أجسادنا تكون عارية فقد روحها.
حاول عدد من المسعفين سحب جثة عبيدة من بين يديها لكنها كانت تتمسك بها وهي تصرخ بانهيار. صراخها جعلها محط الأنظار جميعاً. اضطر أحد المسعفين أن يسحبها هي للخلف حتى ينتزعوا منها الجثة وهي تنتفض بانهيار: "اتركوه، لك اتركوه، يا الله ساعدني، يا الله ساعدني، اتركوه عشان الله اتركوه، والله بموت منغيره، والله بموت اتركوه، لا تاخدوه من حضني، هو هيقوم، عبيدة قوم."
شدها المسعف بقوة ليسحبوا منها جثة عبيدة بقوة. صرخت وهي تحاول الإفلات وقد تمزقت أحبالها الصوتية: "عبيــــــــــدةةة"
الحياة ليست دائمة، نسلك فيها دروب مختلفة، نسعى ونهيم فيها للعيش بما يرضى الله. وهو سعى بكل جهد وشرف أن يحيا بالحلال، سعى أن يكمل للنهاية شامخاً لا يقبل الحرام، سعى رغم المصاعب والعقبات. لم يبكي على الأطلال عمره وأفناه، بل أخذ الأطلال وبنى بها طريقاً له ولشقيقته، لم يتخاذل دقيقة عن العيش فيها، ولم يأخذ طريق الضلال حجة رغم أنه كان متوفراً لكنه غض الطرف عن أي طريق مضل. حتى يوم اختار طريق الهجرة غير الشرعية ما اتخذه سوى
لأنه كان آخر خيار. نحن لا نعلم متى النهاية ولا في أي ساعة يحين الأجل، لكنه عندما حان أجله كان من داخله متأكداً أنه ما فعل شيئاً سوى ليرضي الله عنه، لذلك كان وجهه مبتسماً وهم يغلقون عليه الكيس الأسود، كان وجهه أبيض مستنيراً، وآخر شيء رأته سيلا شقيقته كانت ابتسامته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!