بعد مرور شهرين. وقد حان موعد ولادة نورهان. فقد أراد أن يقفز الجنين للحياة في أول ساعات في يومها الأول في الشهر التاسع. كان يقطع الرواق أيابًا وذهابًا حتى خرج الطبيب وهويزيح كمامته بعملية هاتفًا: -مبروك المدام قامت بالسلامة هي والبيبى، دلوقتى هما هيطلعوه. نزلت دموع مروان والممرضة تقترب منه لتعطيه المولود. فهمس بوجع: -ابن ريان الغالي، ابن أخويا، وابن عمري. أقترب منه رامي يسأله: -هتسميه إيه؟
-مروان، هسميه مروان زي ما كان عايز أبوه الله يرحمه. -أبوه؟ -أيوه ريان كان عايز لما يخلف أول عيل يسميه على اسمي وأنا اللي أربيه الله يرحمه كان قلبه حاسس. أزاح اللفة عن وجه الصغير هاتفًا: -بص كدا يا رامي شبهه صح؟ تحمحم رامي بتوتر هاتفًا: -أيوه، شبهه الله يرحمها. أقتربت الممرضة هاتفة: -ممكن البيبي عشان نطلعه الحضانة ونطمن عليه. رمق الصغير ثم رمقها وهو يناولها إياه هاتفًا: -خلي بالك منه. ***
استيقظت نورهان من غفوتها، تسأل نفسها لوهلة عن مكانها. لكنها بعد أن نظرت جيدًا علمت أنها بغرفة المشفى ويدها معلق بها المحلول. لحظة واحدة. لحظة يدها الأخرى مكبلة، لماذا؟ فهمت أنها مكبلة بالسلاسل الحديدية. أخذت تحرك يدها بجنون وهي تدور بنظرها في الغرفة. حتى فتح الباب وولج مروان ورامي الذي تجمد مكانه وهو ينظر لها برعب. فربت مروان على كتفه يحثه على التقدم قائلًا: -ادخل يا رامي، ادخل مالك. حدثتهما نورهان بضعف هاتفة:
-فين ابني؟ إيه اللي بيحصل؟ مش فاهمة حاجة؟ رفع مروان كتفاه بعدم فهم متسائلًا: -ولا أنا الصراحة يا نورهان، بس رامي هيفهمني هو بقى قتل أخويا ليه؟ توسعت عين رامي بصدمة وأبتلع ريقه بصعوبة هاتفًا: -قتل؟ قتل إيه؟ ريان الله يرحمه مات برصاصة غلط. مالك يا مروان؟ لكمه مروان بعنف مما جعله يسقط أرضًا ثم جذبه ثانية وهو يقبض على ياقة قميصه هاتفًا: -قتلته ليه؟ دا كان طالع نازل معاك؟
دا رفض الشغل في اسكندرية عشان ميسبش شقيقه زي ما بيقول. دا انت أكلت عيش وملح في بيتنا أكتر من بيتكم. مغدرت بيه ليه؟ رد عليا غدرت بيه ليه؟ يوم فرحه، يوم فرحه عشان الشمال ديه. -أنا معملتش حاجة. ماليش دعوة. ماليش دعوة. دفعه من يده ليسقط أرضًا ثم اقترب من الفراش الذي ترقد عليه هي هاتفًا: -عملتي كدا ليه؟ عشان تورثيه؟ ردي عليا؟
في هذه الأثناء حاول رامي التسلل لكنه صعق أن الباب موصد من الخارج. أستدار له مروان وهو يبتسم بشره هاتفًا: -لا مقفول. فتقعد عاقل كدا وتكلم بذوق أحسن لك. اقترب منه مروان ثم دفعه للحائط ومال يفتح الدرج بجواره واخرج منه مشرط طبي هامسًا: -مش هتخرج صدقني. هشرحك وأشوهك. هيجيب أجلك هنا. -والله يا مروان أنا ماليش دعوة. هي السبب. -وأنا هاأصدقك؟ أنت أخونا من زمان. قول لي بالظبط وأوعدك إني أكون معاك.
-هأقولك الحكاية من الأول. أنا كنت أعرف نورهان وعرضت عليا نعمل مشروع. قولتلها منين؟
قالت لي صاحبك ريان دا مبسوط. حاول تدخله معانا شريك. قولتلها ريان مش في دماغه شغل. دا الفلوس عندهم قد كدا. قالت لي طب جرب كدا معاه. حاولت مع ريان رفض قال لي مش ناقص وجع دماغ. ابتدت تزن. أعرفها بيه. وفعلا أتعرفت عليه ومروان بقى مجنون بيها. في الأول، كان حنفية فلوس وأتفتحت علينا. هات يا ريان حاضر، أي طلب حاضر، ماما تعبانة خدي. وكله كان بالنص. لحد ما ابتدا يزهق ويمل. وطبعا كان بيحكي لي على طول وقالي أنه قرر يقطع مع
نورهان. لما نورهان عرفت قالت لي إزاي وأنت لازم تتصرف. لحد ما فكرنا أنها تورطه بعلاقة. وفعلا حصل. بردوا ريان ابتدا يقرف من نفسه وكان بيقول لي هيقطع. لحد يوم قررت أنها تمثل أنها انتحرت. ولما عرفت أخدته وروحنا نجرى على المستشفى. واطمنا عليها وريان مرضيش يمشي اليوم دا لحد ما يطمن عليها. بس حصل اللي كان مش متوقع. ريان شاف الممرضة اللي كان هيتجوزها وركز معاها أوى. وأستمر وهو بيراقب الممرضة من بعيد لحد ما وقع في غرامها وبقى
مجنون بيها. وقرر يسيب نورهان. وجه قال لي أنه عايز ينضف والممرضة هتكون السبب. وفي يوم وهو مع نورهان قال لها أنه خطب وفرحه بعد أسبوعين وهيبعد عنها وهيتجوز. نورهان لما عرفت أتجننت. مش بس عشان الفلوس. كرامتها كانت نقحت عليها. كانت عايزة تاخد حقها. كلمت ريان تاني وقابلها واتخانقوا جامد وريان قال لها انتي اللي فرطتي في نفسك وهوماله. كلمتني أتدخل وفعلا وعملت كدا وخلتهم يتقابلوا. وهي قابلته قالت له اتجوزني كام شهر وطلقني
عشان الفضيحة. وباست ايده وريان وافق. وبعد كدا انتبه لفرحه وتجهيزاته وحنفية الفلوس اتقفلت عننا خالص. حتى سيجارة الحشيش اللي كان بيجيبها على طول على حسابه بطل. وفي يوم روحت قولت اجر رجله تاني واخدت سيجارتين وروحت له. راح ريان رمى سيجارة الحشيش واتهمني إني السبب في انه يمشي في الطريق دا. شديت معاه جامد وأتخانقنا واتضايقت جامد. حسيت أن نورهان معاها حق وأن خطيبته سحرتله. وكنت متغاظ من اتهامه لي. وروحت قابلت نورهان لقتها
بتقول لي إيه رأيك في اللي يخليك معاك فلوس كتير. فرحت بس لما عرفت اللي في دماغها بعدت. وقولت لأ. وروحت عشان أقابل ريان وقولت هنتصالح دا صاحب عمري. وروحت بيتكم وسمعت ريان بيقول لأمك قول له نايم مش هاأقبله. اتضايقت وجريت على نورهان وخططت هي أنه يكتب الكتاب وبعد كدا نموته. تورث هي ونبقى بالنص. وجت لي فكرة أنه نأجر حد يضربه برصاصة ونقول كانت طايشة في وسط الفرح ولا من شاف ولا من دري وبتحصل كتير وضرب النار أساسي في أفراحنا
وهيسهل كتير علينا. لكن رجعت في كلامي لما ريان جالي البيت وقالي حقك عليا يا صاحبي. روحت قولتلها أنا بره الموضوع خلاص. قالت لي خلاص كدا. إحنا كلمنا الراجل ودا مسجل خطر وعرفنا واتورطنا. وأن الموضوع هيعدي زي أي عريس في يوم فرحه مات برصاصة طايشة.
جذب مروان خصلات شعره وهو يدور كالنمر الحبيس هاتفًا: -يا ولاد الـ... يا ولاد الـ... مش كفاية اللي أخدتوه. كنتوا سيبوه. دا أمه كانت نفسها تشوفه عريس. كنتوا سيبوه دا أخويا الوحيد. -كدب. كدب. كل دا كدب. أنا ماليش دعوة. أنت بتعمل كدا أنت وصاحب أخوك عشان تاخدوا مني ابني صح؟ قهقه مروان بهستريا ثم صرخ بها فجأة: -انتِ تخرسي. فاهمة؟
ولعلمك انتِ اللي كشفتي الموضوع. أنا فعلا أحيكِ خطة محكمة بس وقعت الشاطر بألف. لما قولت لك أنا عايز عنوان المأذون قولتي أول ما أروحه أعرفه من أبويا وأبعته. صمت بوجع ثم تابع:
-الرقم اللي بعتي عليه، دا رقم خاص بأمي وريان بس. ومش مع حد تاني لأن كتير كنت بقفل الفون بتاعي عشان الشغل واريح دماغي. بس خوفًا تحصل حاجة مع أخويا وأمي جبت الرقم دا. اللي كنت برن منه على طول على رامي عشان أطمن على أمي أو ريان لو الفون بتاعهم مقفول. أنا استغربت أوي إزاي الرقم دا وصلك؟
دا مش مع حد غير أمي وريان. لما ركزت وكمان رامي. وهنا بقى ربطت الدنيا. راااامى اللي عرف أني رايح أسأل على روان واكيد جرى بلغك وانتِ متأخرتيش تقومى بالواجب وتروحي المستشفى وتفهمي الراجل اللي في الاستعلامات أن روان أختك وفى عريس جاى يسأل عليها. وتقولي للراجل أنها مغصوبة وأنه يقول كلمتين كدا عشان خاطر أختك. والراجل متأخرش. أنا بلغت البوليس من أول لحظة لما شكيت فيها. وأتفتح المحضر من الأول والتحري اشتغل وجابوا فيديو الفرح
ودققوا في اللي ضرب الرصاصة. وطلع مش زي ما شهد رامي أنها خرجت من واحد من صحابهم. دا كان المسجل خطر اللي كان واقف وراهم. وأنا بغبائي لميت الدنيا ساعتها عشان أدفن أخويا وعشان عيل ميروحش فيها. نومت الدنيا. وكان لازم أمثل إني مصدق عشان أتأكد من نسب اللي في بطنك. ولما تأكدت من التحاليل اللي كنت بعملها ليكِ عشان صحتك انتِ والبيبى أن العيل دا ابن أخويا. كان لازم أديكِ الأمان أكتر لحد ما أشيله بين إيدي. وأخده منك. ولإني عارف
أن كل كلمة بتوصل من رامي ليكِ كنت بتعمد أتكلم معاه وافهمه أن سبت مراتى ومبقاش ليا غيرك انتِ وابن أخويا. دا انتِ من رخصك حاولت معايا وانتِ في العدة واصريتي تقعدي معايا في بيت واحد. وكنتِ كل شوية تدخلي الاوضة عليا كل مرة بحجة شكل. انتِ رخيصة يا نورهان. معرفش إزاي أخويا بص للقرف دا.
جف حلقها هاتفة بضعف: -أنا عايزة ابني. -هشش، دا مش ابنك دا ابن ريان، ابن أخويا. انتي هتتحبسي، انت والخسيس دا ومش هارتاح غير لما تتعدمي. رفع هاتفه على أذنه بعد أن ضغط زر الاتصال قائلًا: -افتح الباب. فتح طه الباب ومن خلفه رجال الشرطة. إنهار رامي وهو يصرخ: -أنا ماليش دعوة. أنا ماليش دعوة. *** بعد مرور عدة ساعات. وقف ريان في ممر المشفى مع مها وطه يحمل الرضيع في يده واليد الأخرى يحمل حقيبة الرضيع قائلًا:
-أنا مش عارف أشكركم إزاي على وقفتكم معايا؟ أبتسمت مها بهدوء قائلة: -مروان عيب. إحنا أهل. والله بقولك سيب مروان الصغير معايا ومتحملش هم لحد ما تحل موضوعك. تنهد قائلًا: -دا الحل بتاعي مع مروان الصغير. ادعولي ربنا يصبر قلبي على فراق ريان اللي مات غدر، ويحنن قلب روان. -روان لما تعرف أن المحامي وقف القضية، وأن الموضوع كله حوار وأنك اتصلت بينا وهى نازلة من عندك عشان نعمل كدا تفتكر هتسامحنا؟ تنهد بوجع وهو يقول:
-قلبها أبيض وهتسامح. تحمحم طه قائلًا: -طب يلا عشان نلحق نوصلك و مها تكون معانا في الطريق ومتسيبش مروان. *** طرق الباب ووقف ينتظر. وما أن فُتح الباب، قابله والدها. وجلس معه ليستمع لوصلة العتاب حول غيابه وعدم سؤاله على بنته وعدم الإجابة على الاتصالات المتكررة والكثيرة. فقاطعه مروان معتذرًا ثم قال: -هو أنا ممكن أدخل لروان وأتفاهم معاها؟
هز والدها رأسه وهو يشير إلى غرفة ابنته أملًا في صلح قريب. ولج مروان دون استئذان وجدها تعبث في هاتفها وخصلات شعرها تتدلى على وجهها. كان يود أن يجذبها لأحضانه ليعانقها بقوة. كم بدت جميلة كعادته. نظر لها طويلًا وهو يتنهد بحرقة. الله وحده يعلم عمق الجرح الذي تسبب فيه في قلبها. الله وحده يلهمه الصبر على وجع فؤاده. وشعوره بالذنب يقتله. لن يغفر لنفسه أبدًا. سار نحوها فشعرت بحركة رفعت عيناها سريعًا لتنتفض واقفة:
-إيه اللي جابك هنا؟ اطلع برا؟ -روان اهدى واسمعيني. هزت رأسها بالنفى وهي تقبض على كفها لتمنع نفسها من الانهيار: -مافيش سماع. لو جاى عشان تطلق ماشي. غير كدا اطلع برا اتفضل. أنا رافعة قضية وهاأكسبها. صرخ الصغير على يده. أخذ مروان يهدهده كي يهدأ ولكنه فشل. فمد يده لها هامسًا: -سكتيه أرجوكِ. لو سمحتِ يا روان دا طفل. حرام. رمقته ببلاهة وهي تقول بصدمة: -انت مجنون صح. انت مش طبيعي. أنت جايب لي ابنها عشان أسكته. أنا ماليش.
زاد بكاء الصغير. فرمقها ثم همس بتوسل: -البيبي مالوش ذنب. سكتيه وهاقولك كل حاجة. تناولته من يده وهي تسمي الله ثم أخذت حقيبته وقامت بإبدال حفاضته. ثم سريعًا أحضرت له الرضعة وأخذته بين أحضانها لتطعمه. فهدأ. ظلت تنظر له وهي تبتسم من بين دموعها. نكس مروان رأسه وامتلأت عيناه بالدموع. فما ذنب الصغير كي يولد دون أمان وسند الأب وحنان الأم. أقترب يجلس بجوارهما بهدوء حتى أنتهت من اطعامه وهدأ وقد غفى بين يدها.
نهضت تضعه على فراشها. أخذ يسرد عليها الحكاية بتفاصيلها. كانت علامة الدهشة والصدمة ترتسم على وجهها. ترمقه بعدم تصديق. وعندما بدأت دموعه تهطل على وجهه لوهلة شعرت بالشفقة. مشاعر إنسانية فقط. لكنها استعادت جمودها هاتفة: -هو انت ماخدتش في ابتدائي، إن بعض الظن إثم. أنت ظلمتني ودمرتني وأخرها هنتني قصاد اللي اتجوزتها. وكأنك كنت بتتفنن في كسري حتى بعد ما عرفت الحقيقة.
-أقسم بالله، يا روان خفت عليكِ منها. دي مجرمة. كان ممكن تعمل حاجة لو تمسكت بيكِ. وكمان كنت عايز أتأكد من نسب ابن أخويا. وكان لازم تبقي مطمنة عشان لما ناخد منها عينة الدم ما تشكش. روان أقسم بالله أنتِ أول ست تدخل قلبي. أول حب في حياتي. أنا غلطت بس كنت خايف عليكِ من الصايع اللي ماشى وراها يأذيكِ. كان كل همي يعرفوا أن مالكيش مكان في حياتي. بس أنا عيني كانت عليكِ على طول. -وأنا أتوجعت وأتهنت واتذليت. أعمل إيه ببنيتك أنت؟
ليه مش عايز تفهم؟ أنت اتجوزت عليا وكسرتني. إحنا مش هينفع نكون لبعض. -لا مش جواز. دا المأذون تبع طه وعملنا كدا قدام الناس عشان الحمل. هي كانت معايا صحيح بس كانت تعتبر مرات أخويا. بس أقسم بالله ما قربت ولا فكرت في حد غير فيكي. -طلق... قبل أن تنهي كلمتها كان الصغير يصرخ. دون إرادة كانت تسير نحوه وتحمله بلطف وتهمس: -لأ متعيطش. متعطيش. أنت مذنبكش حاجة. ولا أنا كمان ذنبي. أنا وانت مالناش ذنب في كل دا.
كلماتها وقعت عليه كفيض من الجحيم. هل ينفع الاعتذار؟ هل يمكن أن يصلح ما تشوه داخلها؟ كيف السبيل إلى شفاء قلبها وقلبه؟ يشعر أنه منهكًا، مرهقًا، ضائعًا. يرغب في القليل من الراحة. تركها بمفردها مع الصغير وغادر بعد أن هدأ. ألتفتت إليه. وجدته قد غادر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!