حين تنصدم بقسوة الأقربين إليك، تحتاج لوقت طويل لتستوعب بشاعة الوجه الذي تقاسمت معه الذكريات. لتتغير أنت لتصبح فقط رد فعل، وتتمنى لو يصبح القلب فارغًا لترتاح قليلًا ويهدأ ما بداخلك كي تتفادى الكثير والكثير من العذاب.
كان يبذل قصارى جهده محاولًا النوم ليذهب لعالم لا يوجد به اشتياق أو وجع، لا يوجد به ظلم أو خذلان. ما عاد يثق بأحد، نعم لا يثق بأحد سواها فالروح تطمئن في وجودها وتألفها، وكأنها رفيقة عمر. لا يعلم كيف انقلب حاله هكذا في ليلة وضحاها. روان قلبت حياته، جعلته يفكر بها. انتشلته من كل العالم ليكون لها وحدها. تجذبه إليها ببراءتها، أما النمش الذي بوجهها فأه منه، وكأن نجوم تضيء بعد سنوات من ظلام كئيب.
أغمض عينيه وهو يتذكر أول قبلة بينهما وكم كانت ناعمة. بين يديه ويتذكر أيضًا كلامه الجارح. يتلوى بين سرايا الأوجاع. نهض من مكانه فقد جافاه النوم. ذهب إلى مكانه المعتاد، فوجد خاله. فتقدم نحوه يجلس بجواره في صمت. بعد مدة حدثه خاله: -مبروك يا مروان يتربى في عزك يا ابني. مال بجذعه للأمام يبكي بحرقة وهو يغطي وجهه براحته هاتفا:
-نار في قلبي يا خال، نار من كل ناحية نار. ريان كان ابني، مش بس أخويا الصغير. موته كان غدر في يوم فرحه. بدلته لسه في دولابي يا خال. جبته بإيدي. ذنبه إيه ابنه يتولد من غير أب؟ ربت خاله على كتفاه هاتفا بحزن: -قضاء ربنا يا ابني مش هنعترض عليه، مالناش يد فيه. ندعيله بالرحمة. أما مروان، انت أبوه يا مروان. وضع يده على قلبه هاتفًا بحرقة:
-مروان انتهى يا خال. مروان اللي عمره ما ظلم بني آدم في حياته. ظلم البني آدمة الوحيدة اللي قلبي مال ليها يا خال. أنا تعبان قوي. أنا عايزها تسامحني. -ما أنا قولتلك من الأول يا مروان خلي بالك.
-طب والله كان غصب عني. أنا كان نيتي كلها الستر. ليه بس لما ابتديت غصب عني أتشد ليها بقيت حاسس إني عايز أصرخ فيها. أحاسبها. ليه فرطت في نفسها. ليه ما صنتش نفسها للحلال. قلبي كنت ببقى مدبوح. لما كانت تكلم راجل تاني كنت بموت وأنا مش قادر أعبر عن اللي جوايا. قولي أعمل إيه. ضحك خاله هاتفا: -يعني تفضل رافض الجواز كدا ولما تحب تتدهول كدا. ربك يا مروان لو أراد هيألف القلوب. ادعي وقول يارب. فين مروان الصغير؟
-يارب يا خال يارب. مروان عندها وديته ليها. هي الوحيدة اللي هتعرف تهتم بيه. أمي تعبانة ومش هتقدر عليه. قهقه خاله وهو يقول بخبث: -طلعت مش سهل يا مروان بردوا. واخد العيل ليه تعلقها بيه؟ -كل شيء في الحب مباح. وأنا طالب الحلال لعل قلبها يحن عليا. ****** بعد مرور أسبوع. كان يقف أمام باب بيتها. يشرف بنفسه على الذبح. فتحت باب البيت وولجت مندفعة هامسة من بين أسنانها: -أنت إيه اللي بتعمله دا؟! وبعدين أنت معندكش دم؟
أنت جيت سيبت ابن أخوك هنا ومشيت. أنت مش طبيعي صح؟ -ابن أخويا معاكي في أمان وفي إيد أمينة. ومش هلاقي أكتر منك آمنه على لحمي ودمي يا روان. رغمًا عنها كلماته تدغدغ روحها. ابتلعت ريقها لتسأله بجمود وهي تنظر نحو العجل المذبوح متسائلة: -إيه اللي بتعمله هنا؟ بتدبح عندنا ليه؟ نظر في عينيها هامسًا بنبرة عاشق محمومة: -بدبح لله وبدعي يحط محبتي في القلوب. بدبح إنه فدا مروان الصغير من كل شر. وعقبال مروان الكبير.
جاء رجل من خلفه يسأله: -إحنا العجل خلصناه تقطيع. نوزع إيه ونخلي إيه؟ -وزعه كله ما تخليش حاجة. كله يتوزع. لعل حد فيهم أقرب إلى الله مني وله دعوة لا ترده. همس بصوت خفيض بالكاد وصل إليها: -لعل حد أقرب مني لله دعوته ترحم قلبي من العذاب اللي أنا فيه. ابتسم الرجل بسعادة هاتفا: -ربنا يرزقك الحلال ويرزقك راحة البال ويوسع عليك. انصرف الرجل فتأوه مروان هامسًا: -وراحة القلب كمان.
رفعت بصرها تنظر لطوله المديد، وبشرته الخمرية ورموشه الكثيفة. فتنهدت وهمت لتحدثه فقاطعه هو وهو يرمقها من أعلاها لأدناها هاتفا: -فين خمارك؟ خارجة كدا إزاي ببهدوم البيت؟ -أنا لابسة حجاب مش بشعري. ودي جلابية بيت عادي. نظر حوله ثم جز على أسنانه هاتفا: -ادخلي جوا بقولك. توترت ملامحها وتسارعت أنفاسها هامسة: -أنت مالكش حكم عليا. ومتنساش اللي بينا. أما ابن أخوك فأنت لازم تأخده عشان أنا هنزل شغلي. -شغل؟! مافيش شغل أنتِ فاهمة؟!
انزلقت دمعة حارقة على وجنتها وهي تقول: -كفاية بقى كفاية. أنا تعبت من كل اللي حصل الفترة دي. كفاية وسيبني في حالي. أنا عايزة أبدأ حياتي من جديد. أنهت كلماتها وهي تهرول للداخل. تنهد وهو يرفع رأسه للسماء يدعو الله في صمت. كيف السبيل لوصالها؟ كيف سيكفر عن ذنبه؟ *****
مرت الأيام ثقيلة بعد أن أخذ منها مروان الصغير. قلبها يتمزق لأشلاء، خصوصًا بعد مكالمة خال مروان لها التي أخبرها فيها أنه أخذ مروان الصغير للطبيب. القلق ينهش قلبها على مروان. ترى ما الذي حدث له؟ هل يوجد أحد يراعيه جيدًا؟ هل اشتاق الصغير إليها بقدر ما اشتاقت إليه؟ أخذت سيارة أجرة وذهبت إلى بيته ولم تستطع الصمود أكثر. دقائق وكانت تخرج زوجة خاله حاملة الصغير بيدها. فنهضت مسرعة تحمله منه تقربه إلى أنفها تستنشق رائحته
ثم قبلته بوجع هامسة: -أنت وحشتني قوي. همست زوجة خال مروان بقهر: -إحنا لسه راجعين بيه امبارح من المستشفى. كان تعبان قوي بيرجع. دا غير إن الصفرا زايدة. ابتلعت ريقها بخوف وهي تجلس والصغير بين ذراعيها. ثم وضعت يدها على بطنه المنتفخ: -بطنه منفوخة جامد عشان كدا بيرجع الأكل. هيدخل فينه؟ وكمان الصفرا لازمها رضاعة كل ساعتين. ثم تابعت: -في دوا ممكن حد يجيبه من الصيدلية. أنا أصلا مربية أخواتي الصغيرين وعارفة.
بعد مرور أكثر من ساعتين كانت تحمل الصغير وتغني له بسعادة وهي تجوب به الغرفة. ولج مروان يقف على باب الغرفة وهو يهمس لنفسه: آه من عذاب العشق. ليته لم يقع أسيرها. تحمحم فأستدارت مسرعة تسحب خمارها لتضعه على رأسها ثم وضعت الصغير على الفراش لتضبط حجابها. زفر بحرقة فويلًا لقلبه من هذه القسوة. أقترب أكثر يسألها عن حالها بوهن حقيقي قد بدا عليه: -عاملة إيه يا روان؟ فأجابته بتلعثم:
-الحمد لله. أنا جيت لما خالك كلمني وكان بيسأل على الأدوية بتاعة مروان. عشان راح بالليل للدكتور. سبت الشغل وجيت أطمن عليه. غمغم بشراسة وهو يقول: -بردو نزلتِ الشغل. أنا كل دا سايبك براحتك عشان نفسيتك. لكن كدا كتير. أنا ابقى قاعد في بيتي ومعرفش حاجة عن مراتي. -مش مراتك. أنا رافعة دعوة عليك وهكسبها.
في ثانية كان يجذبها لصدره العريض ليرتفع جسدها عن الأرض وشفتاه تداهم شفتاها بشوق مجنون. كانت تحاول التخلص منه لكنه ثبت يدها خلف ظهرها وتابع تقبيلها بشغف. ابتعد وهو يحاوط وجنتيها براحتيه وأنامله يمررها على النمش هاتفًا:
-مفيش قضية. المحامي دا ابن خالة مها وزميلنا من زمان. ومافيش حاجة هتبعدك عني. أنتِ مراتي لحد آخر نفس في عمري. وقلبك بيحبني أنا متأكد. سامحيني. أنا ومروان محتاجينك يا روان. ألتمسي العذر ليا. أنا حتى لو غلطت فأنا تبت وربك بيقبل التوبة. همست بضعف وهي ما زالت تقاوم هجومه: -يعني إيه؟ كنتوا بتستغفلوني؟ تاني بردو تاني؟ بتحركوني على مزاجك.
-أبدًا. أنا بعتلك مها وطه لما شفت حالتك. لما جيتِ غبت في الإتصال ساعتها لأني كلمت طه ومها. أنا كنت خايف عليكي وطلبت يستنوا تحت أول ما تنزلي. -طلقني أنت لأني هاروح أدور على محامي تاني. تطلب منه المستحيل. هي أول من حركت مشاعره. لم يذق حلاوة قربها، فكيف تبتعد عنه؟! كيف سيكمل الحياة بعدها وكيف سيتحمل دقات قلبه الملتاعة. همست هي بوجع: -طلقني لو فعلا حبتني. طلقني دا الحل الوحيد لكرامتي. -إنها ترجعلي.
-أنا متأكد إنك حبيبتيني. ليه ترضي بوجع قلبي وقلبك؟ -أنا قلبي واجعني فعلا. اقترب أكثر يضمها هامسًا بصدق: -خليكِ جنبي ورب الكون أنا هاضمد وأداوي قلبك. يكون هدفي. خليكِ معايا يا روان. -صعب. صعب. -وأنا صعب أطلق. خدي وقتك شهور سنين وأنا ومروان مستنين. ***** تجلس في مكتب المحاماة. سالت دمعة من عينيها فمسحتها سريعًا قبل أن تقول لها السكرتيرة: -اتفضلي أستاذ رائد مستنيكِ. جوما أن ولجت جلست أمامه صامته. عقد رائد حاجبيه
بعدم فهم وهو يسألها بقلق: -روان أنتِ كويسة؟ انطلقت الدموع من عينيها تردد الكلام دفعة واحدة وقد شعرت بروحها تكاد تفارقها من فرط الوجع: -هو أنت ليه عملت كدا؟ مش المفروض كلمتك كمحامي شرف؟ إزاي تقبل إنك تتفق معاهم عليا؟ أنا بسحب القضية وهشوف محامي تاني. نهض من على مقعده سريعًا هو يحاول استيعاب كلماتها. عن أي اتفاق تتحدث؟ ثم حدثها بلين:
-ممكن تهدى. أنا ما اتفقتش مع حد. الحوار كله مها قالتلي أديكِ وقت عشان أنتِ مذبذبة. بس أنا كنت مستني الزيارة دي. وأنا في أول جلستين هجبلك الطلاق. بس بلاش دموعك. توترت نظراتها مشيحة بوجهها بعيدًا عنه وهي تقول: -أسفة على طريقتي بس حسيت إنه خسرت القضية. -متقلقيش. أنا عمري ما هخذلك. ضمت حقيبتها إلى صدرها ثم نهضت واقفة لتنصرف وهي تقول بخفوت: -معلش جيت من غير ميعاد. عن إذنك. -طب استنى هوصلك أنا.
هزت رأسها بالنفي سريعًا وهي تتجه للخارج. حتى كادت أن تتعثر في سجادة لكن كان كل ما يشغل بالها الهروب من نظراته. ***** بعد مرور أسبوع. كان يجلس في مكتبه وأمامه ظرف. مد يده ليفتحه لتتملكه الصدمة. إعلان من المحكمة بجلسة طلاقهما. جن جنونه. لم يتوقع ذلك. كيف حدث؟ بدأ يرمي بكل شيء أمامه وهو يزمجر بشراسة. فولج طه مسرعًا يسأله: -إيه يا مروان؟ في إيه؟ أنت اتجننت ولا إيه؟ -أنا لأ لسه بس هتجنن. رائد رفع دعوة طلاق روان.
-مش قولت مها كلمته؟ هز طه رأسه بالإيجاب هاتفا: -أيوه يا عم والله كلمته قدامي. مش عارف والله إيه اللي يخليه يعمل كدا. فرك مروان رأسه وصدره يعلو ويهبط به هياجًا قائلًا: -يبقى روان راحتله من ورايا. روان مش عايزة ترجع عن رأيها. بس والله لأطلع بروح رائد. تحرك مروان منصرفًا. فتنهد طه بثقل وهو يقول: -العاقل اللي فينا ضاع. لا وكان عامل نفسه تقي. استنى يا مروان استنى يا جدع. *****
ولج مندفعًا لمكتب رائد ومن خلفه السكرتيرة محاولة إيقافه. وجده أمامه فحدجه بنظرات نارية غاضبة تكاد تحرقه في مكانه. ليتلقاها هو بابتسامة باردة لا تزيده إلا غضبًا واشتعالًا. ألقى مروان الورقة بوجهه متسائلًا: -إيه الزفت دا؟! إيه اللي عملتوا دا؟ تناول رائد الورقة يقرأها بصوت مرتفع وما أن أنهى قرأتها وضعها أمامه متسائلًا: -مالها دي؟ قضية طلاق. روان طالبة الطلاق. زمجر بغضب وهو يقول: -متجبش اسمها على لسانك يا رائد. -ليه؟
روان موكلتي. تحولت عينيه بلحظة إلى اللون القاتم وراح يقبض على تلابيب قميصه هاتفًا: -تبعد عن روان يا رائد والقضية دي تنساها. وبلاش تحط نفسك معايا في حتة ضلمة. -هو بالعافية يا مروان؟ هي جت وعيطت هنا وعايزة تطلق. مش عايزك. وأنا قررت مش هخذله. لكمة قوية أطاحت به أرضًا. فانتفض رائد لينقض عليه تزامنًا مع وصول طه الذي وقف بينهم يدفع مروان للخارج حتى لا يفتك به. ثم استدار ينظر لرائد باستنكار هاتفًا: -أنت يا جدع أنت اتجننت؟
مالك ومال راجل ومراته؟ مش قولنا القضية أي كلام؟ ولا هو أي حاجة عشان تشد معاه زي عادتك؟ دا مش ماتش كورة. ديه مراته فاهم؟ تقبل حد يبص لمراتك لو اتجوزت؟ بطل استفزاز بقى. -هي اللي جتلي تاني وطلبت أمشي في الإجراءات. طبيعي بعد ما عرفت حواركم ولسه مصرة. نظر له طه بملامح صارمة غاضبة يعقد حاجبيه قائلاً: -آخرك يا رائد. -أخرى لو روان دخلت المكتب دا تاني مصرة على موقفها في أسبوع هكون طلقتها. وكدا أبقى عملت بأصلي.
-هو غباوة وخلاص. مش واضح قدامك إنها بتحبه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!