بعد مرور ثلاثة أشهر. كم هي غريبة تدابير القدر، وكم هي يمكنها أن تفاجئك في لحظة. كانت على وشك أن تبدأ حياتها مع رجل، فيقتحم أخوه حياتها. حبيسة داخل قوقعتها، لا تريد الخروج منها. تريد الهروب من كل الأحداث التي مرت عليها كالجحيم. لا تريد أن تسمع شيئًا أو ترى أحدًا. شيء في داخلها تهشم، تكاد تسمع صوت التهشم بأذنيها. تريد الصراخ، بل تريد العويل. هي مذبوحة مقهورة.
لا يزال المشهد يتكرر أمام عينيها، وكل كلماته عالقة بين جدران قلبها، يتردد صداها بين ضلوعها كخنجر. "هتفضلي قاعدة كده كتير؟! هتف والدها بملامح باردة. جحظت مقلتاها من رد فعله اللامبالي، فحدثته: "أعمل إيه؟ أنا حياتي باظت من قبل ما تبدأ، وأنت كنت السبب. كل مرة بتصر على رأيك وأنا اللي اتحملت كل ده." كانت تحدثه بعصبية، فصبرها وصل إلى نهايته. فهي تحملت نتيجة قراراته الخاطئة. أجابها بنفس عصبيته:
"قعدتي تقولي أنا أنا لحد ما الجوازة باظت. ارتاحي أنا. كلمته هو وخاله عشان الطلاق، وهو وافق. ارتاحتي كده؟ أكيد مراته التانية مش عاملة زيك غاوية نكد." سرت قشعريرة بجسدها من كلمة الطلاق. أغمضت عينيها، وأخذت نفسًا عميقًا فانحسر بين ضلوعها وخرج مصحوبًا بسعال، ودموعها تنهمر بقهر. *** "مالها روان؟ تلك الجملة قالها مروان لخاله، الذي سأله فجأة. "هيكون نظامها إيه يا بني؟ أنت كده ظلمتها." تنهد بأسف قائلاً:
"دي حقيقة، عشان كده لما أبوها طلب الطلاق مقدرتش أعارضه. وهتاخد مؤخرها وكل حاجة بزيادة كمان كتعويض. واللي هيطلبوه هننفذه." تزامنًا مع إنهاء كلماته، جاء رامي لينضم إليهم. ساد الصمت للحظات، ثم سأل رامي خاله: "أنت يا رامي كنت شاهد في عقد الجواز يا ابني؟ "آه يا خال، كنت شاهد. ويعلم ربنا أنا كنت عايز ريان يقولكم واتحايلت عليه كتير، بس مسمعش مني وكان مضطر يكتب الكتاب." خاله هز رأسه بأسف، ثم سأل مروان:
"طب ونورهان هتعمل إيه يا ابني؟ تحمحم قائلاً: "مالها يا خال. ادعوا لها تقوم بالسلامة، اللي في بطنها ولدي يعني عوض عن ريان الله يرحمه. وأكيد هتربي ابنها وسطنا وهي مش هتسيبنا." ابتسم خاله بسخرية وهو يقول: "أكيد أكيد، اومال هنفرط في لحمنا." *** دلفت نورهان إلى الشرفة تحمل صينية يعتليها كوبان من الشاي، كما اعتادت أن تفعل كل يوم بعد الغداء. وضعتهما وخرجت منها. "أنا اتنهدت، فتنهد مروان. "مش بتسمعي الكلام ليه؟
أنا قولتلك ريحي نفسك عشان صحة البيبي. أنا هاجيبلك من بكرة حد يساعدك." "ده التعب بتاع الحمل عادي. وبعدين القاعدة في البلكونة بترد الروح. جو اسكندرية حلو قوي. ألا بحق، هو بعد الولادة هنعيش فين؟ ابتسم بهدوء وهو يرتشف من الشاي قائلاً: "المكان اللي يريحك طبعًا. هو أول كام شهر هيكون هنا، وبعد كده قرارك يعني هنا أو هناك براحتك." اخفضت رأسها وهي تقول: "معاك." ابتسم باتساع قائلاً: "يبقى هنا وهنا."
تشعر بالإنتصار وتأثيرها عليه، ما يشغل بالها انتهاء الحمل حتى ينتهي معه هذا التباعد. صدح صوت الجرس، فهمت لتفتح الباب، لكنه أمرها ألا تتحرك، ونهض هو ليفتح الباب لتنزل عليه الصاعقة. روان تقف أمامه لثوانٍ، لا يعرف كيف يتصرف. شلت الصدمة تفكيره، حتى سألها بجمود: "إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ لم يخرج صوتها، بل كانت تنظر له باحتقار واشمئزاز. لكن ذلك لم يزده إلا ضيقًا، فعاد يزمجر بها: "بقولك إيه اللي جابك هنا؟
"عايزة أطلق. عرفت إيه اللي جابني." صرخت بصوت عالٍ، مما جعل من تجلس في الشرفة تأتي من الداخل. كانت تحدقها بشماتة، ثم اقتربت تقول بهدوء: "مروان تعالوا جوه كده. مينفعش الناس تسمعنا. كل شيء يتحل بالهدوء." استدار مروان وأغلق الباب خلفه، ثم أمسك بهاتفه الذي صدح رنينه وهو يقول: "ادخلي في بضاعة مهمة هأمن عليها، وبعدين نشوف حوارك."
غاب في مكالمته، استغرق أكثر من نصف ساعة. كانت روان تحدقها باحتقار. كانت ترتدي ملابس ملتصقة بجسدها ومساحيق التجميل تغطي وجهها. أما الثانية، فكانت تجلس على المقعد وهي ترمقها ببرود مستفز. دقائق وقد انضم مروان ليسألها: "خير. قولتي عايزة إيه؟ حاولت أن تتحكم بدموعها وانهيارها، فأجابته باختناق: "عايزة أطلق، وأظن ده أبسط حقوقي."
"وأنا قولت لوالدك إني مشغول الفترة دي، عندي حاجات مهمة. هاأخلصها وأنزل البلد أطلقك وأخلصك. لازمتها إيه إنك تيجي لحد هنا؟ صرخت به هياج: "أنت معندكش دم، معندكش إحساس. أنت فاكر نفسك مين؟ مش كفاية اللي عملته، كمان عايزني أستنى لحد ما حضرتك تحن وتطلقني؟ أقسم بالله واللي خلق الخلق لو مرمتش اليمين دلوقتي لأكون رافعة القضية." قاطعتها نورهان بخبث: "لأ لأ كدا مينفعش. مهما كان صوتك ميعلاش كدا عيب."
"مبقاش غير انتِ اللي تعلميني العيب والصح كمان." قبض مروان على يد روان، وهو يقول بشراسة: "خلصتي كلامك اللي عندك اعمليه، واتفضلي زي ما جيتي امشي." *** ما أن خرجت من الشقة وهبطت عدة درجات، شعرت أنها غير قادرة على الحركة. خارت قواها وجلست على الدرج ساكنة، لا تتحرك سوى دموعها الحارقة بحرارة بركان من الألم تنحت على وجنتيها نفقًا من الخذلان. كل جزء بجسدها يئن.
حاولت أن تتحامل على نفسها لتقف. الألام تتكالب عليها. وقفت أخيرًا وهبطت أسفل البناية. كانت تبكي بحرقة، غير عابئة بالمارة. في هذه الأثناء، هبط كل من طه وزوجته من سيارتهما، ينظرون إليها باستنكار: "إيه دا روان؟ مالك بتعيطي في الشارع كده ليه؟ جذبتها زوجته معها للسيارة هاتفة: "تعالي جوا العربية نتكلم براحتنا." سردت لهما أنه تزوج عليها دون الدخول في التفاصيل. فشهقت مها وهي تقول:
"مش بقولك مروان حاله متلخبط وبقى غريب اليومين دول." "أنا عايزة أرفع على مروان قضية." ربتت مها على كتفها بروح المقاتلة من أجل الثأر لامرأة مثلها، هاتفة بشراسة: "بالظبط. دلوقتي حالا هنطلع على المحامي ابن خالتي وهيجيبلك حقك." جز طه على أسنانه هاتفًا: "طب اهدوا، وأنا هاكلم مروان وأفهم الموضوع." كانت دموعها تنهمر كالسيل. همست: "كل حاجة انتهت، ومافيش تفاهم."
"بقولك يا طه، هو عشان صاحبك خليك حقاني. هتتحاسب قدام ربنا لو موقفتش جنبها." أنهت مها كلامها، ومدت يدها نحوها بمحرمة ورقية قائلة: "اهدي يا روان عشان خاطري. والله أنتِ غالية عليا قوي، وعمار ابني بيحبك." ازدادت الدموع الساخنة على وجهها. أوصلهما طه على مكتب المحامي. بعد وقت طويل، تمالكت نفسها وبدأت تستجيب لأسئلة المحامي قائلة: "أيوه، عايزة أطلق للضرر، لأنه اتجوز عليا، وده وضع ما أقبلهوش بيه." تحمحم المحامي قائلاً:
"متقلقيش، القضية طالما فيها جواز سهلة، وعشان مها، في أسرع وقت هتكون خلصانة." "والأتعاب حضرتك؟ ابتسم المحامي وهو ينظر لعيناها: "اسمي رائد. وبعدين عيب، ده أنتِ تبع بنت خالتي." هزت رأسها بالنفى والحزن يخيم عليها: "لأ معلش، لازم. وإلا هشوف محامي تاني." تنهد وهو ينظر إلى ملامحها المتألمة هامسًا: "طب هجيبلك الطلاق، وساعتها هتكلم في أتعابي." ابتسمت مها قائلة: "رائد عمره ما خسر قضية." تنهد رائد وهو يهمس
بصوت بالكاد يكون مسموع: "بس المرة دي خسر." كان طه يرمق الموقف بإمتقاض، كان يشعر بتغير صديقه، ولم يعلم أنه أصبح بدون مشاعر هكذا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!