الفصل 6 | من 12 فصل

رواية قدري المر الفصل السادس 6 - بقلم سارة فتحي

المشاهدات
24
كلمة
1,944
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

دائمًا لا تسمع لما تتفوه به الناس ولا تحكم على أحد قبل المواجهة والاستماع إليه. ارتقِ بأخلاقك وترفع عن القيل والقال. لا تتسرع بالأحكام، حتى لا تبقى ندبة بحياة أحدهم. كن ذكرى جميلة. ولج للغرفة وجدها مظلمة وهي تنام بهدوء ولا تشعر بأي شيء حولها. اقترب ينظر لوجهها مع الضوء الخافت. كيف تكون بكل هذه البراءة من الخارج وبداخلها جحيم؟

أوقعت أخيه، والآن تدعي البراءة. كور يده محاولًا كبح غضبه. هو بحياته لم يؤذِ أحد، لم يسعَ لارتكاب أي فاحشة. وضع يده على صدره متألمًا. بخطوات مثقلة مضى نحو الأريكة ليجلس عليها وعيناه مثبتة عليها. ضجيج العالم في رأسه. ألم حارق يكويه. ليته لم يتزوجه، ليته يستطيع أن يفعل شيئًا لنزع هذا الشعور من داخله. نفض أفكاره التي تذبحه. لا يريد التفكير بها. سوف يطلقها وانتهى الأمر. ***

في الصباح، أعدت الفطور للجميع وصنعت له فنجانًا ووضعته بجانبه. أزاحه بقوة ليقع أرضًا ويتهشم لشظايا، قائلًا: -مش عايز زفت. متتصرفيش من دماغك. ارتسمت الصدمة والذهول على ملامحها ثم سألته بتردد: -ليه كدا؟ -انتِ هنا مش ست البيت عشان تتصرفي من دماغك. أغمضت عيناها بألم والدموع تغزو مقلتيها. حاولت كبت دموعها ونبرة صوتها الباكي هامسة:

-أنا تعبت، تعبت بجد من المعاملة دي. أنا كنت بعدت وريحتك. ممكن أفهم ده آخره إيه وبتعاملني كدا ليه؟! صرخت بها حماتها قائلة: -ما خلاص خلصنا بقى. جوزك ومتضايق هتفتحي له تحقيق. رفعت عيناها تتأمله والألم يعتصر قلبها مردفة بصوت معذب ومطعون: -هو جوزي بس إنه يهيني ويوجعني بالشكل ده، وانتِ تقولي عادي. أنا طلبت من ابنك الطلاق عشان ترتاحي أنتِ وهو مني. ياريت تقنعيه ونخلص.

لجت إلى غرفتها وظل الحال كما هو. تنام طيلة الليل والنهار تنعزل عن الجميع في صمت. بعد يومين، ولج للغرفة لكنها لم تشعر به. فوجئت بوجوده. نظرت له للحظات بعد أن أدركت أن عينيه في عينيها. بنظرات تحكي الكثير، لكن نظراته كانت غامضة. شعرت أنها تغوص في بئر عميق متسع. كان يقف أمامها بكل جبروت. أغمضت عينيها بوجع. ماذا كانت تنتظر؟ أن يعود معتذرًا، نادمًا. نهضت تقف أمامه هاتفة: -طلقني.

-بعينك. كبرت في دماغي، ما فيش طلاق وهتفضلي طول عمرك جوا البيت ده وما فيش خروج منه. نظرت له بعيون تملأها الدموع وقالت بصوت مبحوح: -طب ليه؟! أنا أذيتك في حاجة؟! خفق قلبه بشدة، قبضة فولاذية تعتصره. لما الحياة ليست عادلة؟ كيف سيحيا الآن مع هذا الوجع؟ كانت حياته هادئة. صوته المنكسر وملامحها الشاحبة تعذبه. لم يجيبها وخرج مندفعًا لغرفة والدته. وما أن ولج تسمر في مكانه. والدته مغشيًا عليها. جثى على ركبتيه يصرخ بفزع: -أمي!

أمي يا أمي ردي عليا! متسبنيش يا أمي! أمي! هرولت من غرفتها على صوت صراخه واقتربت من والدته تتحسس نبضها هاتفة: -جهاز الضغط والسكر بسرعة واتصلي بالدكتور. تحرك. نهض مروان وهو ينظر للمشهد الذي أمامه هاتفًا برعب: -لا يا أمي متسبنيش. حاولت أن تصفّي عقلها من نوبة ذعرها. أما هو حاول السيطرة على نفسه متوجهًا للدرج يجلب الأجهزة. شرعت هي تقيس السكر ثم نظرت إليه هاتفة بغضب من استسلامه: -بقولك اتصل بالدكتور. أنت قاعد كدا ليه؟!

سرّع يتصل بالطبيب ثم اقترب من والدته يحيطها بيده ونهض بها يضعها على الفراش. أسرعت هي تعطي لحماتها جرعة السكر اللازمة. بعد مرور نصف ساعة قد وصل الطبيب الذي بدأ فحصها. اعتدل واقفًا: -الضغط واطي وهنركب محلول. بعد محاولة عديدة من الطبيب بغرس حقنة المغذي في يدها لكنه فشل، فتدخلت روان هاتفة: -أنا ممكن أساعدك. أنا أعرف. -تعرفي بجد؟! أنتِ دكتورة؟ -لأ، ممرضة. ممكن؟! ابتسم الطبيب الشاب هاتفًا: -ممكن؟! ده أكيد طبعًا. اتفضلِ.

اقتربت تربط ذراعها من الأعلى بالرباط المطاطي ثم تحسست بأناملها عروقها. تمتمت وهي تسمي الله، واخترقت الإبرة الوريد وظهرت قطرات الدم دليلًا على إتمام المهمة بنجاح. وضعت (الكالونة) ثم استقامت. فنظر لها الطبيب الشاب هاتفًا: -برافو عليكِ. أنا فعلًا محتاج واحدة بشطارتك معايا في العيادة. ابتسمت باستحياء. فقطع مروان حديثهما ناظرًا لروان وأمرها بصوت غاضب شرس: -خلصتي تركيب ارجعي.

نظرت له بيأس عندما رأته يقف كالوحش الكاسر، يقف بتحفز وغضب. تحركت تقف بجانبه وهي تبادله النظرات. أقترب الطبيب من والدته يقيس الضغط ثانية فابتسم: -الحمدلله الضغط ابتدا يتظبط. المفروض إنها تنزل المستشفى عشان تبقى تحت الملاحظة، بس طالما بنت حضرتك معاكِ كدا تمام، هي هتعرف تظبط الدنيا. أنهى كلماته وهو يستدير لها متسائلًا: -هتعرفي ولا ننقلها المستشفى؟ هزت رأسها وهي تتمتم بخفوت:

-آه هعرف لحد ما يتظبط الضغط والسكر. وبسهولة يا دكتور انت مش هتيجي تاني عشان تشوف العلاج وتكتب علاج تمشي عليه باستمرار. أصل السكر والضغط على طول طالعين نازلين. بيتظبطوا يوم ويطلعوا يوم. أجابها الطبيب بعملية وابتسامة تزين ثغره: -لا متقلقيش طبعًا هاجي. حدجها بنظرات نارية. صك أسنانه بغضب هاتفًا: -لأ أنا هبعت أجيب ممرضة. تعبناك. اتفضل يا دكتور. شعر الطبيب بحرج فنهض واقفًا يقول: -المحلول يخلص وهتكون أحسن.

استأذن. لم يعقب على كلامه وصار خلفه حتى خرج من باب البيت. ثم انطلق للأعلى يطوي درجات السلم. فتح باب الغرفة يجرها خلفه كالشاه. ثوانٍ كان يدخل غرفته. دفعها بحدة حتى كادت أن تسقط فصرخ بها بشراسة وهياج: -أيه الهانم مش قادرة تكون محترمة ونضيفة شوية؟ أي راجل لازم ترسمي عليه. تمتمت بذعر وهي تراقب هياجه: -أيه الكلام ده؟! أنت مش طبيعي والله مجنون؟! اقترب منها وهو يسب ويلعن هاتفًا بغضب نابع من نيران تحرق صدره ولا يعلم ماهيتها:

-احفظي لسانك وأحترمي البيت اللي أنتِ فيه. مخزون صبرها قد نفذ خصوصًا بعد ملاحظته الأخير. كم تتمنى لو بيدها الآن خنجر مسمومًا تطعنه في قلبه. ذلك الفظ، الذي أفسد حياتها، ليس فقط لتقدمه لزواجه بل لخوضه الدائم في عرضها. هو ليس كباقي البشر بل هو مريض نفسي. أغمضت عينيها وكل ما يدور بداخلها أفكار إجرامية للثأر لنفسها. أجابته بشراسة:

-أنا محترمة غصب عن أي حد واللي مش عاجبه أخلاقي ممكن يبعد ويطلق. لكن تملي الواحد بيشوف كل الناس زي نفس أخلاقه، ودي مش مشكلتي إنك كدا. توحش. علاه عينيه. يعلم أنه لو بقى ثانية واحدة سيكون مصيرها الفتك. رمقها باشمئزاز وانطلق للخارج يغلق الباب خلفه. ****

في المساء، لم تكف عيناها عن ذرف الدموع على ما حدث لها. لحظات قاسية مرت عليها. لا تستطيع أن تنسى نظرات الشك والاستنكار بعينيه. لم تشأ أن تبقى معه تحت سقف واحد ثانية أخرى. يأست ولا يوجد أمل. سترحل وتلملم كرامتها المهدورة وكبرياؤها المبعثر تحت مسمى الزواج.

يقف أمام الشرفة في غرفة والدته عاجزًا عن النطق. تأوه بخفوت. غصة بقلبه يشعر بالإنهاك الشديد ليس جسديًا بل نفسيًا. هي كحمى الموت، ذهب لعلاجها فأصابته. أغمض عينيه بوجع واقترب من والدته النائمة ليطمئن عليها. ثم توجه نحو غرفته بخطوات مترددة. وما أن ولج لم يجدها. دار بعينيه في الغرفة يبحث عنها في الغرفة ولم يجدها. أسرع نحو الخزانة يفتحها لم يجد حقيبتها. جذب خصلات شعره بغضب وأسرع للأسفل.

-وبعدها معاكِ يا روان كل يوم زعلانة وسايبة بيتك يا بنتي. متعرفيش أن الراجل مش بيحب الست الشكاية. تلك الكلمات أردفت بها والدة روان. فعقبت هي ساخرة: -انتِ متعرفيش حاجة عن الجواز غير كدا. -ياختي دا أنا ياما استحملت من أبوكِ. وبعدين خليكِ عاقلة وشغلي دماغك تكسبى جوزك. هقوم أنا أحضر العشا، والصبح نروح أنا وأنتِ وبالمرة أزور حماتك.

بمجرد أن خرجت والدتها أطلقت العنان لمشاعرها وسمحت لنفسها في الانهيار. ترتجف بشدة إثر الألم الذي يجتاحها. تشعر بالذل والمهانة في كل شيء في آن واحد. بعد المرة التي لا يعرف عددها ردت على اتصاله. فكان رده حازم: -أنا برا البيت واطلعي حالا. -مش هاطلع يعني مش هاطلع. -بلاش تخليني أتصرف وأعمل حاجة تضايقك أنتِ وأهلك. اتفضلي بدل ما البلد كلها تتفرج على الفضايح. ألقت بالهاتف على فراشها وقالت بصوت متحشرج: -اتفلّق مش هاطلع.

ولجت والدتها لتجدها بحالتها المُزرية تلك. ضربت صدرها: -أنتِ لسه زي ما انتِ. -أيوه وجه برا ومش هاطلع. ليه؟ -يا مصيبتي. اقصري الشر وروحي مع جوزك. لو أبوكِ عرف أصلًا هيسحبك ويطلعك ليه. والبيت ياما فيها. أطلعي روحي. طالما جه يبقى شارى وأنا أروح بكرة ليه أشد عليه شوية.

ليس أمامها سوى حنث وعودها لنفسها. بعد دقائق وكانت تسير نحو سيارته بإنهزام ودموع متحجرة. فتحت باب السيارة وجلست بجواره في الصمت. رمقها بطرف عينيه وصدره يعلو ويهبط بانفعال. حرك السيارة بسرعة جنونية وانطلق في ظلام الليل. لو كان بإمكانه الطيران لم يتاخر. *** دلفت للبيت تشعر بروحها غريبة. صعدت للأعلى ولم تنتظره. ولج خلفها وأغلق الباب ثم اقترب يسألها: -زعلتي لما قولتلك أنك تحترمي البيت اللي أنتِ فيه؟

هو في واحدة محترمة تخرج من البيت من غير إذن جوزها؟ استدارت له تجيبه بسخرية: -جوزي؟ أنت مصدق نفسك. اللي بينا دا جوز على الورق بس مش أكتر. وإشمعنى دي عايزني أعتبرك جوزي؟ -كل اللي تاعبك كدا أن الجواز على ورق. خلاص نتمم الجواز. قبل أن تستوعب ما نطقه فمه كان يجذبها من ذراعها بقسوة لتلصق بصدره يقبلها بقسوة وعنف على ثغرها. ثم انتقل لجيدها ويده تفك أزرارها بقسوة. كانت تتلوى بين يديه وهي عاجزة عن التنفس، تخاطب أذنه الصماء:

-سيبني كفاية، أنا آسفة، مش قصدي. تلبسه شيطانه وأعمى عيناه، لكنه فاق في الوقت المناسب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...