جلس يضع رأسه بين يديه، عيناه محمرتان، أنفاسه متلاحقة، ما الذي كان سيفعله؟ كيف كان سيغلبه شيطانه هكذا؟ تذكر ما حدث، توسلاتها له، صوت صراخها وبكاؤها. عاملها بطريقة وحشية، كان ينتقم لشيء ما بداخله يتألم، انتقام شديد لتفريطها بنفسها. ويتذكر أيضاً كيف فاق على نفسه وابتعد عنها في اللحظة الأخيرة. نهض من مكانه، يقف أمام الغرفة وطرق الباب عدة مرات، ولم يجد استجابة. دب الرعب في قلبه، وبالكاد تماسك.
فتح باب الغرفة ليجدها ملقاة على الأرض فاقدة الوعي. جثى على ركبتيه بفزع، محتضناً إياها، يضمها إلى صدره وهو يزيح خصلات شعرها، هامساً باسمها بعذاب. "روان، افتحي عينيك يا روان، أنا آسف يا روان." لا توجد استجابة. شاحبة بين يديه كالأموات. حاول أن يستجمع كامل قواه من نوبة ذعره، فنهض مسرعاً، يدور حول نفسه في الغرفة، يبحث عن شيء يستره به بدلاً من ثيابها المنزلية. وكل ما يدور بذهنه إنقاذ حياتها.
ألبسها ثيابها وحمل جسدها بين ذراعيه، وهرول بها للخارج. ثم وضعها في السيارة وأغلق الباب، وهرول يجلس في مكانه. ثم انطلق مسرعاً، مد يده يمسك أناملها وهو يقول: "حقك عليا يا روان، افتحي عينيك يا روان." وصل إلى المشفى، فتحرك مسرعاً يفتح الباب وحملها بين ذراعيه، وولج بها للداخل. فسأله الطبيب ما أن رآه: "خير، مالها؟
نظر لها مروان بوجع دون أن ينطق. فأمره الطبيب أن يضعها على سرير الفحص، وشرع في الفحص. لاحظ بعد الكدمات في وجهها، فنظر له بريبة: "إيه اللي حصل بالضبط؟ وأنت تقرب لها إيه؟ ابتلع هامساً: "أنا جوزها. طمني يا دكتور." "هي الحمد لله، بس واضح إنها اتعرضت لضغط." خرجت منها همهمة بوجع، فاقترب منها هو يحدثها: "روان، أنتِ سمعاني؟ أجابه الطبيب بعملية ونظرات الشك لا تفارقه: "المحلول دلوقتي هيجيب نتيجة، وهبعت ممرضة تتابع حالتها."
اقترب مروان يهمس بجوار أذنيها بتوسل: "روان، افتحي عينيكِ." تحمحم الطبيب قائلاً بعملية: "هي محتاجة ترتاح، لو سمحت سيبها لأنها تعرضت لضغط شديد." هز رأسه بالإيجاب، وتوجه يجلس على المقعد أمام فراشها. انصرف الطبيب، ومرت ساعة، فنهض من مكانه بخطوات مترددة. ثم جثى على ركبتيه أمامها، هاتفاً بأنفاس متقطعة وهو ينظر إلى وجهها المتألم: "روان، قومي لو سمحتِ، قومي، واللي هتطلبيه هنفذه."
تأوهات خافتة منها كسياط تهوي على نياط قلبه بلا رحمة، تمزقه بتلذذ. إحساس مرارته كالعلقم يأسره ليكون فريسته. أغمض عينيه بوجع وهو يتذكر صراخها. ثم فتحها، يمرر يده على وجنتها، هاتفاً بقهر: "أنا كنت ناوي كام شهر وأبقى تممت المهمة وأسيبك يا بنت الحلال لحال سبيلك، بس غلبتيني وخللتيني زي المجنون. أنا ذنبي مش ذنبي يا روان."
رآها تنتفض كالعصفور المذعور في يد طائر جارح. تناول يدها بين يديه ليطمئنها. دقائق وكان يطرق باب الغرفة. ولجت الممرضة للداخل كي تطمئن عليها، وما أن نظرت في وجهها شهقت بفزع: "إيه دا يا روان؟ روان يا حبيبتي، إيه اللي حصلك؟ تابعت وهي تنظر لمروان متسائلة: "أنت مين؟ وهي مالها؟ تمتم مروان بصوت خفيض حنق: "وطّي صوتك، هي تعبانة، بالراحة. أنا جوزها." رمقته من أعلى لأدنى، ثم انحنت بجزعها تربت على وجهها، هاتفاً:
"يا نونا، نونا حبيبتي." رفرفت بأهدابها تنظر حولها، لا تعلم أين هي. عقلها مشوش. رمقتها بوهن في محاولة لإعادة تركيزها: "ياسمين!! أنا فين؟ ردت باستنكار وهي تنظر بقوة في عين مروان: "قلب ياسمين، أنتِ هنا معانا، متقلقيش. هو أنتِ محسيتيش بدخولك المستشفى؟ قلبه يصرخ ليطمئن عليها. تشيح بنظراتها بعيداً عنه. اقترب يسألها: "روان، أنتِ كويسة؟ نظرت إلى ياسمين التي كانت تراقب الموقف، ثم ردت بجفاء: "الحمد لله." هتفت
ياسمين وهي تمضي نحو الباب: "أنا هروح أغير هدومي، شفتي خلاص وجاية أقعد معاكِ." وما أن خرجت، اقترب مروان يمسك يدها بلين. لسعة كهربائية قد أصابتها بالفعل عندما مسك يدها، جعلتها تنتفض بقوة وترجف بملامح معذبة. حدثها: "صدقيني أنا مش كده، وعمري ما كنت أنا... قاطعته وهي تقول: "أنتِ تخصنيش، مش عايزة أعرف حاجة عنك ولا عايزة أسمع صوتك. ابعد عني بقى." "إحنا لازم نتكلم في حاجات ما كنتش أحب أقولها، بس مضطر عشان موقفي الأخير."
قبل أن ينهي كلامه، كانت تدخل صديقتها ياسمين، حتى دون أن تطرق الباب. فرمقه مروان بصدمة قائلاً: "مش المفروض فيه باب تخبطي عليه الأول؟ هزت رأسها بالإيجاب: "أيوه فيه، بس أنا غيرت لبس المستشفى، يعني أنا مش شغالة هنا، أنا جاية أزور صاحبتي." "على فكرة هي، هي لازم تخبطي."
قبل أن ينهي جملته، كانت ممرضة أخرى تدخل من باب. دقائق، وكانت واحدة أخرى، وواحدة تلو الأخرى، حتى أن الطبيبات توافدن على غرفتها. مما حدث، بداخله ريبة، كيف ذلك؟ دقائق، وكان إحدى الأطباء يقف على أعتاب الغرفة هاتفاً: "السلام عليكم، كنت حابب أطمئن على روان." نظر له والنيران تستعر في أحشائه، أجابه بصوت مستنكر والغيرة تقتله: "هو حضرتك الدكتور اللي متابع الحالة؟ اقتربت ياسمين قائلة: "ده دكتور زياد معانا هنا، اتفضل يا دكتور."
جز وهو يتنفس بعنف، وعروق رقبته قد نفرت. فابتسم الطبيب، ثم أطرق رأسه، وبعد أن اطمأن عليها، ربت على كتف ذلك العاشق هاتفاً: "ألف سلامة عليها. بصراحة روان أخت لكل هنا، ما شاء الله عليها، كفاية أخلاقها والتزامها، والكل هنا بيحبها كأخت. فمعلش استحملنا، هنزعجك ونطمن عليها." تجمد مكانه، لا يستوعب ما يقوله. دارت أفكاره وذكرياته معها. يخشى الوصول لنقطة معينة ستحرقه. رفع بصره له، فحديثه كان صفعة، وربما أكثر. فقط صفعات.
لم يعقب، بل كان يوزع نظراته في الغرفة بينها وبين معاملة صديقتها لها. بقى صامتاً كأنه لا يتقبل ما يقال. تحمحم الطبيب قائلاً: "هي تقدر تخرج على فكرة." هز رأسه وقلبه ملكوم يتألم بشدة. رمقه الطبيب باستنكار، ثم هتف: "يلا يا بنات عشان يجهزوا وهيمشوا." خرج الجميع، ثم توقفت ياسمين أمامه هاتفاً: "خد بالك، أنا هاجي أزورها وأطمئن عليها، فاهم."
رمقها مروان بذهول وصدمة، حتى خرجت وأغلقت الباب خلفها. بخطوات مثقلة اتجه نحوها ليعاونها للنهوض. فبعدته بحدة هاتفاً: "أوعى إيدك تلمسني تاني، أوعى، أنا بقرف من نفسي." نهضت تتحامل على نفسها. في أبشع كوابيسها، لم تتخيل أن يحدث ذلك لها. دمعة حسرة تلتها دمعة خزى. بجملة واحدة وصل المعنى، وشعر بالدونية تسرب له عندما هتفت بملامح مشبعة بالحسرة، ملامح كسيرة مجعدة بالحزن.
رن الصمت بعد جملتها. شعور بتأنيب الضمير يجتاحه. كادت أن تقع، هرول إليها، لكنها أوقفنه بيدها. فظل مكانه يرمقه، يود أن يلمسها، أن يعانقها. ***** وقفت أمام باب الغرفة، وهو من خلفها. استدارت ترمقه بجمود هاتفاً: "مش هدخل هنا، أنا هدخل الأوضة التانية." يشعر بالوجع. أجل، هذا ما يشعر به. خنجر مسموم ينغرس في صدره، يشطر روحه. كان يوم ممتلئ بالمصائب. نظر لها تارة، ثم للغرفة الأخرى تارة، محاولا استيعاب ما تقوله: "ليه؟
لم تجبه. ما زالت كما هي، تنظر بجمود. فاقترب منها أكثر ليخبرها بنبرة مختنقة بالحقيقة، بل يعرضها أمام عينيها: "دي أوضة ريان، ومحدش دخلها من ساعتها." أخيراً تحدثت بكلمات أصابته في قلبه، جعلته يتمنى لو أنها لم تجبه: "أنا استحالة أقعد معاك تحت سقف أوضة واحدة، ومش هقعد غير في الأوضة دي." كان ينظر لها بألم. أي عذاب هذا الذي يحيا به؟ هز رأسه بيأس وأجابها بأسف وخزى: "إنتِ ممكن تدخلي الأوضة، وأنا مش هقرب منها خالص."
رفضت نهائياً، ثم تجاوزته وولجت لغرفة أخيه وأغلقت الباب. تسمر يطالع باب الغرفة وهو يجمع أفكاره المبعثرة بداخله كقطع البازل المتناثرة. تنهد وولج لغرفته. بعد مرور عدة ساعات، كان يدور في غرفته كالليث. لماذا ولجت لغرفة أخيه؟ هل اشتاقت له؟ لماذا منذ يومين بادلته قبلته؟ لماذا اشتعل كالبركان عندما حدثها الطبيب؟ هل وقع في غرامها أم يكرهها؟
تحرك من غرفته ليذهب إليها. طرق الباب ولم يجد أي استجابة. فتح الباب وولج، وجدها تجلس على الأريكة تضم ركبتيها لصدرها. جلس أمامها على الأريكة. كان هناك صمت تام بالغرفة. يألمه قلبه لما حدث. أما هي، كانت تتحاشى النظر إليه، تشعر بالضعف والذل. لقد تم بيعها وانتهى الأمر. ابتسمت بمرارة وهي تنظر أمامها بشرود. ملامحها المتألمة التي كان هو السبب بها تنحره هو من الداخل. همس: "روان، عايزين نتكلم."
لا زال الصمت مسيطر على الغرفة حتى صدر منها نحيب، الذي تحول إلى شهقات عالية مصحوبة برجفة جسدها. كان عاجزًا عن فعل شيء. لا يعلم كيف يبرر لها فعلته ويبررها لنفسه. اقترب يرفع وجهها. انتفضت تنهض من فوق الأريكة وهي تصرخ به:
"والله لو قربت لأصرخ وأكون ماسمعة الدنيا كلها. ابعد عني. أنا بيني وبينك ربنا. ومش بس كدا، أنا بدعي ربنا يخلصني حقي من واحد زيك. مش بيخاف ربنا ومش بيتقي ربنا في الولاية. لو عندك اخت تتقبل تتهان كدا، ابعد واطلع بره الأوضة. اطلع بره." دون أن تدري بوجعه وقهره، أطلقت كلماتها التي كانت باردة كالصقيع، التي زادت من عذابه وجعلته في مكان. لكنه لم يحتمل أكثر ونعض مسرعًا للخارج. ***
انتهى من صلاة العشاء وتهرب من خاله. لم يقو على النظر في عينيه. حتمًا سيفضح أمره. كأنه وقع في بئر عميق. شعر بأقدام تقترب منه. رفع عينيه ووجدها امرأة ترتدي عباءة سوداء وتغطي نصف وجهها بحجابها. وقفت أمامه هاتفة: "انت مروان." قطب حاجبيه متسائلًا: "أنتِ مين؟ تقدمت خطوات ثم أزاحت الحجاب عن وجهها هاتفة: "أنا مين؟ موضوع طويل. ممكن أقعد عشان تعرف تفهمني." "اقعدي واتكلمي بسرعة. إحنا قاعدين لوحدنا هنا." هزت رأسها
بالموافقة وجلست وهي تقول: "الموضوع يخص ريان الله يرحمه." انتبهت جميع حواسه وهو يسألها باهتمام: "ماله ريان؟ انفجرت باكية وهي تقول: "آه الله يرحمه. ريان، ريان يبقى جوزي." "نعم!! أنتِ بتخرفي بتقولي أيه؟! وإيه اللي يخلي ريان يخبّي علينا جوزه؟ وأمه كانت بتتمنى يتجوز. وبالفعل كانت هتجوزه." تنهدت وهي تسرد له هاتفه:
"أنا وريان كنا بنحب بعض أوي وحصلت بينا علاقة. والله مرة واحدة. وهو جه اتقدم لابويا وكتبنا الكتاب كمان قبل ما يتوفى بـ 3 أسابيع بس. وكان قالي هيكمل الفرح دا عشان أمه وأخوه وهياخد لينا شقة في إسكندرية ونعيش هناك بحجة الشغل بتاعكم اللي هناك. وللأسف مفيش حاجة كملت." صراع داخل عقله. تتضارب في أفكاره. ابتلع وهو يسألها: "وأنا إيه اللي يخليني أصدق كلامك؟ مدت يدها في حقيبتها وأخرجت ورقتين هاتفة: "دي ورقة جوزي منه."
صمتت قليلًا ثم أكملت وهي تمد الورقة الأخرى هاتفة: "دا تحاليل ليا أنا حامل من ريان وفي نص الشهر الرابع. ودا السبب اللي خلاني أجيلك هنا. أنا كدا هتفضح وسط أهلي. أنا مش عارفة أعمل أيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!