كان الثعبان يعيش في الحديقة وداخل القبو منذ وفاة نرجس. زحف الثعبان تجاه الحديقة، اختفى بين الأشجار تحت شجرة ذات جذع ضخم، اختفى داخلها. ***
تسلل محمود الجنايني كلص تحت جنح الظلام السرمدي، وصل القرية، وكان يختفي كلما لاحظ حركة ثم يواصل سيره. وقد وصل به الأمر أن يزحف وسط حقل ذرة عندما صادفته هنية بنت عبد الدايم. كادت الفتاة أن تلمحه عندما ظهرت في وقت متأخر عائدة من الحقل. كان محمود الجنايني يعرف أنها على علاقة بعلي فوزي، طالب الجامعة اليتيم الذي يرفض والدها زواجها منه.
تنهد محمود الجنايني بغيظ على ضياع الفرصة. في وقت آخر، في زمن آخر، ما كان ليتركها ترحل دون مضايقات. كان سيثبتها وسط الظلام، يبتزها، يهددها بالفضيحة. لطالما عشق محمود الجنايني نظرة الرعب التي يراها في عيون الخلق عندما يرعبهم، تلك النظرة التي تشعره بالقوة والسيطرة، يغوص في اللذة وتعتدل مزاجيته. بعد أن عبرته هنية، أمسك بحجر وقذفه خلفها وسط أعواد الذرة. صرخت الفتاة من الرعب، ركضت وهي تصرخ: "عفريت، عفريت!
ولم تتوقف عن الركض حتى وصلت بيوت القرية الكئيبة. سرعان ما انتشر الخبر بوجود جان يسكن الحقول في الناحية البحرية، يظهر بالليل ويختطف الفتيات والأطفال. سكن محمود الجنايني المخزن المهجور أثناء الليل، وفي النهار كان يجلس في بقعة خالية منعزلة محاطة بالنخيل وأشجار الصفصاف.
عندما وصل الخبر لمحمود الجنايني أن جان يسكن الحقول، شعر بالاستياء. لكن عندما بدأت الناس تتجنب الناحية البحرية من الحقول أثناء الليل، شعر بالراحة، لم يكن مضطرًا للتخفي وكان يشعل النار في الليل بارياحية. وكان الفلاحون يقولون إن الجان أشعل نارًا بالأمس، وأصبح بسرعة أسطورة فزاعة الجان. ***
أعادت ديلا ترتيب القصر من جديد. كمهندسة ديكور، غيرت مكان الأثاث، صنعت قعدة بلدي جوار المدفأة وأحضرت والدتها للقصر وسط ترحيب آدم الذي كان يحاول أن يفعل كل شيء من أجل إسعادها. كان آدم يرى أن هذه الوردة المتفتحة تستحق السعادة، وكان يضحك على براءتها وطيبة قلبها ولا يتوقف عن الضحك كلما رآها تركض كطفلة خلف الهرة ميمي وسط الحديقة. كانت ديلا تتبع القطة مثل ظلها. قال آدم لها مرة:
"يوم ما، هذه القطة المسكينة ستهرب من القصر بسببك." وكانت ميمي من أجل الحقيقة تقوم بحركات غريبة في هذه الأثناء، وكانت سريعة الغضب، عصبية ولم تعرف ديلا ماذا أصابها، لكن آدم أخبرها أن الهرة تحتاج للتزاوج. قالت ديلا: "إيه يعني ذلك إنها ستحصل على أطفال؟ "ليس مستبعد." قال آدم باهتمام. "من أين سنأتي لها بهر يتزوجها؟ " سألت ميمي كأنها والدة الهرة التي تهتم لحالها.
"علينا أن نحضر لها قط وسيم." قال آدم. "ميمي قطة سيامية جميلة." انتبهت ديلا وزعقت: "هذا ما كانت تقوله ميمي بالضبط!
كانت تتباهى بقول إنها قطة سيامية جميلة. منذ تلك اللحظة أصبح العثور على وليف لميمي شغل ديلا الشاغل، وكانت تخرج منذ طلوع الشمس تتجول في الحقول من أجل اختيار زوج لميمي، وكانت مصرة أن يكون رفيق ميمي جميل مثل آدم. ميمي لن تتزوج هر متشرد كسول يسرق الطعام من بيوت الفلاحين، وبذلت مجهودًا كبيرًا من أجل العثور على هذا الهر، حتى إنها أجرت أطفال القرية بعد أن أغرتهم بالنقود ليحضروا لها القطط الجميلة التي يلاحقونها في الطرقات وفوق أسطح المنازل.
بعد مدة قليلة أصبح لدى ديلا مجموعة كبيرة من القطط. كانت تقوم بإطعامهم حتى يأخذوا عليها، وكانت تترك ميمي حرة وتراقبها من بعيد وهي تقترب من القطط لتلحظ أي إشارة تصدر عنها. كان هناك أكثر من هر جميل اعتقدت ديلا أن ميمي ستختار واحدًا منهم، وكانت القطط تحاول الاقتراب من ميمي وإثارة انتباهها، وميمي تسير بينهم كأميرة غير مبالية بنظرات الإعجاب والشوارب الفخمة التي ترعش عند رؤيتها.
استغرقت ديلا في تلك الفكرة حتى إنها نسيت آدم تمامًا وكانت لا تراه إلا في أوقات متباعدة، وكان آدم يلحظها مهمومة ويسألها عن أخبار ميمي وعن آخر تطورات زواجها. والحب لا يعدو كونه الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التافهة ومشاركتها مع رفيق الروح. لم يعجب الهرة ميمي ولا قط من القطط التي أحضرتها ديلا، كانت ترمقهم ميمي بسخرية ونظرة فوقية تشعرهم بالدونية والتذمر.
اختفت ميمي فجأة من القصر، غاصت داخل الأشجار وقفزت من فوق السور وتوغلت داخل الحقول. كانت ميمي تشعر بالغيظ من ديلا لأنها تحجر على حريتها، إنها ليست فتاة بشرية يختارون لها زوجها دون إرادتها، إنها قطة.
قطة سيامية جميلة، وركضت ميمي بين الحقول المخضرة في شرود. كان الوقت ليل ولم تشعر بنفسها إلا بعد أن وصلت المخزن المهجور، هناك رأت نارًا مشتعلة وسط الظلام. دارت ميمي حول المخزن بحذر، وسمعت صوتًا ينادي عليها، صوتًا ضعيفًا هامسًا. توقفت ميمي ورفعت أذنيها. كان الصوت قادمًا من خلفها، مشت ميمي بحذر نحو الصوت، كان هناك هر نحيف أسود مختفٍ بين أعواد الذرة. "خلي بالك." قال الهر بهمس. "الراجل دا شرير." ميمي بكبرياء: "وإنت مالك؟
الهر بلا مبالاة: "أنا قلت أحذرك، لكن طبعًا إنتِ حرة في نفسك." "كيمو واكا أراد فقط أن يحذرك." ميمي بقفزة رشيقة: "أنا مش بخاف، أنا قطة جميلة أعيش داخل قصر." كيمو واكا: "إيه يعني ذلك إنك تحصلين على الكثير من الطعام؟ ميمي: "أوه الكثير والكثير، لبن، سردين، سمك كامل وليس بواقي أمعاء، ولدي بيتي الخاص الصغير." كيمو واكا: "يقولون إن السردين طعمه لذيذ!؟ ميمي: "لذيذ جدًا، طعمه تحفة."
"كيمو واكا لم يأكل السردين طول حياته، كيمو واكا يأكل الخبز المعفن وبقايا الأطعمة." ميمي بفخر: "لأنك قط لعين مشرد يا كيمو واكا ولست قطة سيامية جميلة مثلي." كيمو واكا: "كيمو واكا يرى أنك هرة جميلة بالفعل، أنتِ أجمل قطة رأيتها في حياتي." ابتسمت ميمي ومرت جوار كيمو واكا ولامس جسدها جسده. "يمكنني أن أدعوك على وجبة عشاء فخمة، لكنك مجرد قط تافه." كيمو واكا:
"كيمو واكا يرغب فعلًا بوجبة عشاء لأنه جائع، لكن البشر لا يرحمون، يضربون بالعصي والحجارة. لقد هرب كيمو واكا من الأطفال الأشقياء الذين كانوا يمسكون القطط ويحبسونها في أكياس بلاستيكية، كيمو واكا هرب من الأطفال وتخبى هنا." ميمي: "وهل ستكتفي بالهرب طول حياتك؟ كيمو واكا بحزن: "هذا ما تفعله القطط، تهرب وتهرب حتى تموت." ميمي: "أنت هر جبان، هل تعرف ذلك؟ كيمو واكا: "كيمو واكا يعرف أنك هرة جميلة لذلك يتحمل إهاناتك وسخريتك."
وشعرت ميمي بالفرحة، هذا ما كانت تبحث عنه، هر مستعد أن يتحمل مزاجيتها المتقلبة الصعبة. قالت ميمي بكبرياء: "مممم، اجمّع شتاتك، ميمي ستأخذك للقصر." كيمو واكا: "إيه يوجد هناك سردين؟ كيمو واكا جائع جدًا." ميمي: "أجل، يوجد هناك سردين ولبن." كيمو واكا: "كيمو واكا سيذهب معك، لا تكوني قطة شريرة وتسلميني للبشر؟ ميمي: "قط غبي! وقالت في سرها: "لكنك تعجبني."
ركضت ميمي وركض جوارها كيمو واكا، تسلقوا السور ونزلوا داخل الحديقة، مروا جوار الشجرة ذات الجذع الضخم. توقف كيمو واكا لحظة وهو ينظر تجاه الشجرة وهمس لميمي: "هنا يوجد شر كبير، كيمو واكا يشعر بذلك." ضحكت ميمي: "لا يوجد شر هنا، بل طعام كثير، وبيت مفروش بالرمل، سأجعلك تشاهد منزلي." ثم تابعوا ركضهم تجاه باب القصر، دون تحرج أو خوف وقفت ميمي في مدخل القصر بفخر غير عابئة بنظرات الخدم، ميمي وآدم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!