كانت ميمي واقفة بفخر، ترعش شاربها بزهو، كفتاة أسطورية هاربة من حلم. كيمو واكا يقف جوارها باضطراب، متوقع في أي لحظة أن يركض خلفه واحد من الخدم اللعينين، بعصا أو حجر أو حتى ساطور. علمته الحياة أن البشر لا يتورعون عن القتل لأتفه الأسباب، وكان يبحث بعينه عن مخرج إذا تأزم الأمر واضطر للهرب. قالت ميمي: كيمو واكا رافقني سأفرجك على القصر! أجاب كيمو واكا:
كيمو واكا يشعر بالجوع، يريد أن يأكل سردين، لا يمكن لكيمو واكا أن يفكر ويستشعر الجمال إذا كانت معدته فارغة! ابتسم آدم وهو يرمق الهر النحيل الذي استطاع أن يسرق قلب ميمي، هذا إذا كان لها قلب يحب مثل البشر. بينما كانت ديلا ترمقهم بارتباك غاضب، ليس هذا الهر الذي تمنته لميمي، هر نحيل يكسوه الخيلاء والغرور، وأرادت أن تطرد الهر، لكن آدم منعها. قال آدم:
اسمعي يا امرأة، إياك أن تقفي بين هرة وعشيقها، ستطاردك أرواحها السبعة ولن تري راحة بال حتى في أحلامك! شعرت ديلا بالرعب وتوترت، منذ مدة طويلة باتت تؤمن بترحال الأرواح وقدرتها على فعل أي شيء، وقعدت في مقعدها دون حركة. نهض آدم بحذر وأمر الخدم أن يعدوا الطعام لميمي وضيفها. طعام كثير أمرهم آدم، الهر نحيل، جائع. قالت ميمي بفخر:
هذا صاحب القصر، صديقي، إنه شخص مثقف، محب للعزلة، قارئ، يدخن بشراهة ويحتسي فناجين القهوة بلا توقف، يستمع للموسيقى، موسيقى شوبر وباخ وشومان، تشايكوفسكي ومقطوعة بيتهوفن التاسعة تحديدًا، هل تعرفها؟ قال كيمو واكا: كيمو واكا يعرف كل شيء، لست كائن تافه سطحي كما يبدو لك. ميمي: وهذه زوجته، فتاة طيبة، لكنها غبية، لا تتوقف عن الركض خلفي في كل مكان ولا يمكنني الهرب منها، تصور؟ ونظرت ميمي تجاه كيمو واكا:
كانت تبحث لي عن رفيق لأنني... وأردفت ميمي بخجل: بلغت سن التزاوج. فتح كيمو واكا فمه على آخره عندما تناهت لأنفه رائحة السردين الطازج وشعر أن معدته تتقلص وأنه على ما يبدو إذا لم يتناول أي شيء ستصدر أصوات غريبة وعندها كيمو واكا سيشعر بالحرج! عبرت ميمي الرواق وأمرت كيمو واكا أن يتبعها، سار الهر خلفها ولا زال الخوف يتملكه.
فردة حذاء ترفرف من بعيد تسحق عنقه ليست فكرة مستبعدة. كان الطعام موضوعًا في آنية أنيقة، كيمو واكا ليس معتادًا على ذلك الأمر، كان يخطف الطعام ويركض، لكنه الآن مضطر أن يتبع آداب الطعام الخاصة بالهرة الأرستقراطية التي تسكن قصرًا فاخرًا. مد كيمو واكا لسانه وابتلع قطعة سردين بلهفة واستمتاع. طعام فاخر فعلًا، أشكرك على دعوتي على العشاء، كيمو واكا يقدر لك ذلك.
وراح كيمو واكا يلتهم الطعام لكن بهدوء وعينه تتبع آدم الفهرجي، ثم قال بتأنٍ: أكاد أشعر أن هذا الإنساني مختلف ولديه جاذبية خاصة، وأنه من الممكن أن يجمعنا حوار عميق وهادف، لأن كيمو واكا لا يحب موسيقى باخ. قالت ميمي باستنكار: كيمو واكا؟ لست محتاجًا للكذب لنيل إعجابي، أتريد أن تقنعني أن هر متشرد مثلك استمع لباخ وهادنج؟ كيمو واكا:
كيمو واكا لم يكن متشردًا طول عمره. في الماضي كان كيمو واكا يعيش جوار مشفى للأمراض النفسية، في أحد العنابر شديدة الحراسة كان يعيش شخص وحيد، لا يسمحون لأحد برؤيته، لأنه كان يستخدم عقله أكثر من اللازم، لكن كيمو واكا تسلل لغرفته من خلال شرفة صغيرة تشبه حجم القمر وجلس هناك يراقبه، لم يبدو الرجل خطيرًا لكيمو واكا، بل إنسان مهزوم سحقته الحياة، ينتحب ويهذي بكلام سخيف، عندما يفكر كائن بشري أكثر من اللازم ولا يتقبل كل ما يطلب منه دون إقناع يتخلى عنه أحبته.
في آخر الليل كان الرجل يخرج جهازًا صغيرًا ما إن يضغط عليه حتى تنطلق الموسيقى بصوت خافت، وكان كيمو واكا يستمع للموسيقى معه كل ليلة حتى أنني حفظت أكثر من كونشيرتو، ويستطيع كيمو واكا أن يتذكر بوضوح تلاعبات البيانو في المصنف 97 من ثلاثية الأرشيدوق وتجديدات الاسكرتسو. همست ميمي بخجل: أعتذر، أنا آسفة كيمو واكا، كنت أعتقد أنك هر سوقي، صحيح، آها كيف يقولونها البشر، أجل تذكرت، المظاهر خداعة.
والتصقت ميمي بجسد كيمو واكا وهي تتناول الطعام وكانت تنظر لديلا بتحدٍ، وتقرب بفمها الطعام لكيمو واكا الذي لم يخفِ إعجابه بتلك اللمحة الأنثوية الرقيقة وكانت معدته بدأت تمتلئ وشعر برغبة في الكلام. قال كيمو واكا لميمي:
تعرفي، قبل أن أحضر لتلك القرية المتعفنة كنت أعيش في مكان آخر، ومررت في زقاق في آخره كان ينهض بيت صغير ورأيت امرأة تخينة، ضخمة جدًا، تشبه جذع شجرة توت، وكانت روائح الطعام خرجت من منزلها وعبرت الزقاق وتطوف خلال الأرض الخراب المجاورة للبيت، وقلت في بالي داخل هذا المنزل سأجد ما لذ وطاب وامرأة تمتلك مثل هذا الكرش لن تبالي بحفنة طعام يأكلها كيمو واكا المسكين، دلفت داخل المنزل، تركتني المرأة أدخل فشعرت بالسعادة تغمرني وسمعت صوت قرقرة معدتي، لكن المرأة الشريرة أغلقت الباب، وسحبت عصا غليظة، أترين يا ميمي؟
عصا ضخمة، ليست عصا مكنسة، بل خشبة يابسة، شعر كيمو واكا أن ضربة واحدة منها من الممكن أن تشقه جزئين، وكان وقت الاعتذار قد ولى، البشر لا يتمتعون بالصبر عندما يتعلق الأمر بقط جائع يتعدى على طعامهم، صوبت المرأة اللعينة العصا على ظهر كيمو واكا، لكن كيمو واكا تمكن من القفز والهرب وأصابت العصا ذيلي، ظللت أيام أتألم. تعلم كيمو واكا أن لا يثق بالبشر، لكن هذا الرجل... ورفع كيمو واكا رأسه:
رجل نبيل يمتلك شرفًا، وكيمو واكا مستعد للموت من أجل شرفه، كيمو واكا هر نبيل أيضًا. سار كيمو واكا بخطوات حذرة تجاه آدم الجالس على مقعده وحدق في وجهه بتركيز، ارتسمت على شفتي آدم الفهرجي ابتسامة ودودة، كان آدم يعرف أن هذه الحيوانات الصغيرة، قليلة الحيلة وتقاسي من أجل جمع طعامها، رفع كيمو واكا ذيله وحك جسده بقدم آدم ثم عاد لمكانه. قالت ميمي: كيمو واكا لماذا لم تسلم على المرأة؟ تنهد كيمو واكا وهز رأسه:
كيمو واكا لا زال متوجسًا من تلك السيدة، داخلها شيء لا يعجبني وفي عنقها عقد غامض. حدق كيمو واكا بوجه ديلا الصامت ثم قال بسخرية: تعرفي يا آنسة ميمي، القطط قوية نحن أقوى من البشر، النساء منا بالذات، فامرأة بشرية حامل تحتاج ألف شخص يعتني بها حتى تلد، تكاد تشعرك أنها حامل بحفيد ماركو بولو، بينما تحمل الهرة وتلد وتطعم بمفردها. ميمي بدهشة: لماذا تقول هذا الكلام الآن؟ ما علاقته بالمرأة؟ ابتلع كيمو واكا قطعة سردين كبيرة:
لأن هذه المرأة حامل. همست ميمي بصوت فرح: بجد؟ كيف عرفت؟ قال كيمو واكا وهو يبتلع ريقه: الأمر بسيط، وجهها مصفر غزاه بعض النمش، كما أن في ساقيها انتفاخ لاحظه كيمو واكا. قالت ميمي: جيد، الآن سيكون لديها أمر آخر يشغلها عني. لعق كيمو واكا فمه بلسانه، وكان قد شعر بالتخمة ويرغب بالنوم، ميمي أيضًا كانت تشعر بالنعاس. قال كيمو واكا: حسنًا، كيمو واكا يرغب في الرحيل، أحتاج للنوم. نصبت الهرة ميمي رقبتها وهزتها، وقالت بخجل:
لدي منزل هنا يمكنك النوم داخله! كيمو واكا: كيمو واكا لا يرغب بإزعاجك آنسة ميمي! ميمي: ما فيش إزعاج، إنه بيت صغير لكنه جميل، أعتقد أنه سيعجبك. كيمو واكا: كيمو واكا لا يمانع برؤية منزلك الصغير. سارت ميمي وسار خلفها كيمو واكا حتى وصلت بيتها الصغير عندما دخل كيمو واكا وميمي داخل البيت الضيق التصقت أجسادهما وناما متجاورين. ***
كان محمود الجنايني يشعر بالاستمتاع، أصبحت الناحية البحرية من الحقول مهجورة خلال الليل، مما سمح له التحرك براحة وطمأنينة، وكان الفلاحون يمنعون أبناءهم ونساءهم من التأخر في الحقول بعد غروب الشمس، وكان يسرق أكواز الذرة ويبيعها لمعارفه القليلين الذين يثق بهم نظير الطعام الذي يحضرونه له، وكانت الشرطة نسيت حادثة هروبه بعد أن فتشت عنه ولم تجده!
بعد عدة أيام وصلته الأوامر بقتل آدم الفهرجي، سامحين له باستخدام كل الطرق التي يجدها مناسبة للوصول لتلك الغاية. تنهد محمود الجنايني، بات حلمه قريب التحقيق، بعد أن يتخلص من آدم الفهرجي تصبح ديلا ملكه، سيعاقبها عن كل ما فعلته معه. ابتسم محمود الجنايني عندما فكر أن ديلا ستصبح في حضنه وأنها من الممكن أن تتلوى من المتعة مثلما يحدث مع آدم. وكان الليل قد انتصف عندما أخفى وجهه وسار تجاه القصر.
كمن في أحد الحقول يراقب القصر حتى واتته الفرصة للتحدث مع أحد حراس القصر. الحارس الذي رفض إغراءات الجنايني في البداية، لكن البستاني استخدم طرقه المرعبة، بالترهيب والترغيب حتى رضخ الحارس، هدده محمود الجنايني أنه سيقتل أسرته كلها.
وأنه على كل حال مجرم محكوم عليه بالإعدام ولن يضيره حكم آخر، ووعد الحارس بمبلغ ضخم من النقود، اتفق محمود الجنايني مع الحارس أن يقطع النور عن القصر بالغد بعد منتصف الليل، لكن عليه أن يتخلص من الحارس الآخر، أن يخلق سببًا لا يوجده داخل القصر. ومضت الليلة وانتهى النهار وهبطت ليلة أخرى ومحمود الجنايني كامن في الحقول مع مجموعة من رجال محسن الهنداوي، منتصف الليل انقطع التيار الكهربائي داخل القصر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!