الفصل 46 | من 68 فصل

رواية خادمة القصر الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
20
كلمة
1,174
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 68%
حجم الخط: 18

عندما خرج الهر كيمو واكا من البيت بعد قليل هاربًا من قبلات الآنسة ميمي وهمساتها القادرة على إذابة الجليد، والتي جعلت كيمو واكا يشعر أنه يكاد يفقد السيطرة، وكيمو واكا يحب أن يكون كل شيء تحت سيطرته، لم يجد كيمو واكا المرأة العجوز وكأنها تبخرت. أدار كيمو واكا بصره في الحقول الساطعة تحت القمر، همس كيمو واكا: "امرأة غريبة أطوار لكنها طيبة." ثم تذكر كلام المرأة أن الخطر الذي كان يترصدهم وتبعهم حتى عتبة البيت، وتساءل:

"هل يكون رابط بين الحقول ينتظرهم؟ وكيف يمكن أن تكون هيئته؟ فلا أحد يعرف شكل الخطر ولا الصورة التي من الممكن أن يتشكل بها. كيمو واكا لا يقلقه سوى العصا وقذائف الأحجار التي تحلق من بعيد وتضرب جسده.

وعادت المرأة تتطوح بين الحقول، رآها كيمو واكا قادمة من جهة النهر تحمل فوق رأسها زلعة، وتمنى كيمو واكا لو كان بمقدوره مساعدتها لكنه هر في نهاية الأمر، والقطط لا تحمل السلال والقلل الفخارية فوق رأسها، وكان وجه المرأة يسطع ببريق أبيض وسط الظلمة، حولها هالة تحيطها بوقار نادر.

وجدت المرأة كيمو واكا خارج الدار يلعق جرحه، أنزلت المرأة جرة المياه وتوقع كيمو واكا أن تسأله عن سبب استيقاظه في هذا الوقت المتأخر، لكنها لم تفعل، لم يغضب كيمو واكا بل زادت دهشته. رشت المرأة مياه النهر في أركان البيت وخارجه وفي كل ناحية وصلت إليها يدها وهي تتمتم بالأدعية. ثم سكبت مياه داخل وعاء وطلبت من كيمو واكا أن يشرب.

لم يفهم كيمو واكا لماذا تطلب منه أن يشرب بينما هو لا يشعر بالعطش، لكنه استجاب لأمرها فقد كان كيمو واكا يجد لهذه المرأة قوة جذب لا تقاوم جعلت كيمو واكا يثق بها، وكيمو واكا نادرًا ما يثق في أي كائن. شرب كيمو واكا الماء وشعر به يحرق بلعومه وكان على وشك أن يطلق سبة، لكن كيمو واكا سعل واستفرغ قيئًا أسود تسبح داخله ديدان سوداء. قالت المرأة: "هذا ما يجره عليك اتباع معدتك ومحاولة إرضائها بأي شكل، يوم ما ستقتلك رمرمتك."

كيمو واكا كان جائعًا وأكل التونة والسردين، كيمو واكا لا يعرف كيف يكون ذلك خطأ؟ قالت المرأة: "رأيت الشر بعينك وشعر به قلبك، كان عليك أن تتوقع ذلك، السحر يسري في كل مكان داخل القصر." وأمرته أن يوقظ ميمي قبل أن يقتلها السحر، وحدث مع ميمي مثلما حدث مع كيمو واكا لكن رائحة قيئها كانت أكثر عفونة، ودهست المرأة بحذائها الديدان السوداء التي حاولت أن تهرب.

"الفتاة في خطر، ديلا في خطر يا كيمو واكا، السحر يجري في جسدها ولا يمكنني أن أنقذها." ثم نظرت تجاه آدم الذي يتنفس ببطء وقالت: "لا زال أمامه وقت طويل." "آدم في عنايتكم أنا مضطرة للرحيل." ثم اختفت داخل الحقول قبل أن ينساب أول ضوء للصبح.

عاد محمود الجنايني للقرية، المرة دي مكنش مستخبي ولا بعيد عن العيون، رجع في وضح النهار وسار في طرقات القرية بفخر، بعد أن وفر له محسن الهنداوي الحماية القانونية واستأنف في قضيته، وكان الناس يتابعون محمود الجنايني اللي ماشي بفخر كأنه لم يقتل واحدة من بناتهم.

واصل محمود الجنايني سيره حتى وصل القصر، هناك أعلن أنه صاحب القصر الجديد والمسؤول عنه وعن الأراضي الزراعية التي كان يملكها المرحوم آدم الفهرجي، لأن أهل القرية الأغبياء لا يعرفون كم كان يحبه آدم الفهرجي وكيف أنه كتب كل شيء باسمه قبل وفاته، وأن على أهل القرية أن ينادوه بالباشا وأن من يفعل ذلك سيأخذ أموالًا كثيرة وسيوفر له محمود الجنايني فرصة عمل في الأرض أو داخل القصر، أما الآخرين فليس لديه لهم إلا ضرب البلغة.

ثم انصرف الجمع من أمام القصر ودلف محمود الجنايني بفخر يخطو فوق القرميد الذي يوصله بمدخل القصر. أول حاجة عملها محمود الجنايني داخل القصر، جلس على الأريكة اللي كان بيقعد عليها آدم، وأشعل سيجارة مثلما كان يفعل آدم، ووضع ساق على ساق وهو ينظر نحو غرف الخدم وراح يتخيل نفسه يشخط ويتأمر والكل يطيعه ويقول له: "أمرك يا باشا."

ثم ابتسم بسخرية، الصفقة التي وقعها مع محسن الهنداوي رابحة جدًا، ترك له ديلا نظير أن يتولى إدارة القصر وحده. وعاجلًا أو آجلًا الهنداوي سيمل ديلا، فهو يغير النساء مثل أحذيته، حينها ستكون له وحده، سيحضرها للقصر هنا وتكون ملكه، ملك الباشا الكبير. وكلما نطق كلمة باشا ازداد فخرًا وكبرياء وجرت في عروقه نرجسية لا آخر لها.

ثم تسلق بحذائه القذر درج السلم نحو غرفة آدم الفهرجي التي ستصبح غرفته واشتم رائحة عفونة في كل ناحية بالقصر وتوقع أن يكون هناك فأر أو هر متعفن، فتح محمود الجنايني باب غرفة آدم وتحرك طيف أمامه مثل الدخان لكنه اختفى فورًا، فرك الجنايني عيونه فعاد كل شيء طبيعي. داخل غرفة آدم كانت هناك برودة شديدة رغم حرارة الجو بالخارج، اندفع محمود الجنايني خارج الغرفة، سيجعل الخدم ينظفون الغرفة قبل أن ينام فيها.

ثم هبط الطابق الأرضي ودخل المطبخ وشرب الماء وكان طعم الماء غريبًا لكنه شربه على أي حال ورغم أن عطشه كان طفيفًا، إلا أنه استمر في شرب الماء بلا توقف، وكان داخل الماء شيء جاذب يجبره على الاستمرار بفتح فمه ونزلت جرعات المياه داخل معدة محمود الجنايني وشعر بشيء غريب يدب داخله واتسعت عينيه ببريق أسود قاتم. ثم تجشأ فخرجت من فمه جرعات عفنة من أنفاس نتنة.

ومرت غشاوة أمام عيونه ورأى أطيافًا ترقص، ثم انمحى كل شيء واختفى وظلت عيونه سوداء.

حبس محمود الجنايني نفسه داخل القصر ولم يخرج كما انتظر الناس وظل هكذا طيلة أسبوع والناس تتمسخر على القهاوي على الباشا الجديد الذي لا يغادر قصره، عامل نفسه المرحوم آدم الفهرجي باشا، وأنهم حتى الآن لم يروا فلوسه التي كان يتفاخر بها، ولم يعين حراسًا ولا خدمًا كما كان يدعي، والحقيقة محمود الجنايني لم يخرج من القصر إلا بعد أسبوع وكان خروجه ليلًا، تمشى بين الحقول المظلمة حتى وصل المقابر ثم عاد القصر فورًا ولم يراه أي شخص.

كان كيمو واكا جالسًا على شاطئ النهر الذي يجري مختلجًا ساطعًا يتسكع في طريقه إلى المجهول.

وأشجار التوت الأحمر تلقي بظلالها على المياه الفاترة وكان الضحى يملأ طرقات القرية بشمس أغسطس الحارقة والأنْسَام تهب على القرية طليقة رفافة، قطب كيمو واكا وأطرق برأسه لحظة ثم رفع وجهه ونظر في الظلال التي تلقيها أشجار التوت على الشاطئ، وتابع الفراشات الزرقاء التي ترفرف فوق دغل حشائش قريب منه، وسمع صوت طائر الزعاق الذي يرفرف بثبات في الجو مستعدًا للانقضاض على مشط سمك صغير، ولد للتو؟ هكذا فكر كيمو واكا، حياته انتهت!!

وشعر كيمو واكا بالأسى على السمكة الصغيرة التي ابتلعها الطائر الجائع. وخفق صوته الساخر على نبرات حزينة وزحفت على صدره كآبة غامضة، آدم لم يفتح عينيه بعد، كم مضى؟ سأل كيمو واكا نفسه، أكثر من أسبوع، المرأة متأكدة أن آدم سيفيق. كيمو واكا لا يشك بذلك، لكن ماذا بعد؟

الدنيا باظت وزوجته في مكان بعيد توشك حياتها على الانتهاء، والشر داخل القصر كل يوم يتضخم ويسير في الليل والمرأة لم تظهر بعد، مضى أسبوع منذ رحيلها وكيمو واكا لا يعرف ما حل بها. القصة بقلم اسماعيل موسى. كان كيمو واكا هرًا حرًا يتجول في الأزقة والطرقات الموحشة ويفعل ما في مزاجه حتى تكلم مع البشر. قطعت ميمي تأملات كيمو واكا وألقت برأسها فوق كتفه: "ماذا يفعل حبيبي؟ "لماذا تركتِ البيت؟ على أحدنا أن يكون حاضر هناك؟

"ماذا سيحدث له؟ دافعت ميمي بغضب: "إنها مجرد دقائق لن تخرب الدنيا." "نحن قطط، البشر دمروا حياتنا، لماذا لا نرحل من هنا ونترك كل شيء خلفنا؟ "كيمو واكا قط يمتلك شرف يا امرأة، كيف أستطيع أن أتعايش مع الخيانة؟ "لا تنسي كيف كان هذا الرجل يعطف عليك، وسمح لك باصطحابي داخل القصر." ميمي بخجل: "آسفة، أحلامي تجرفني لبعيد أحيانًا، لمكان لا يمكن الوصول إليه." وشعر كيمو واكا بتعاسة ميمي فقبلها ولعق شعرها بحنان:

"لازم نرجع البيت حالًا، المرأة قالت لا تتركوا آدم أبدًا."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...