وكانت النهاية تسيل داخل القنايا وبين أعواد الذرة والقطن، تتسحب ببطء نحو المجهول. داخل البيت الطيني، حيث تخرج الأدخنة من الكوة الضيقة ليلًا، كان آدم الفهرجي يصنع طعام العشاء، واضعًا الحطب داخل الكانون وينفخ بفمه أسفل القش اليابس. كان عليه أن ينسى ما كان، بداية جديدة هكذا أخبرته المرأة، قالت: "عليك أن تنسى كل ذكريات الماضي، إن كنت باشا أو ابن باشا أنت مجرد إنسان عليه أن يطهر قلبه."
في حلم لقاء ديلا مرة أخرى كان آدم الفهرجي مستعدًا لفعل أي شيء، لكن المفارقة أن آدم أحب حياته الجديدة، أن يخدم نفسه بنفسه ويخدم المرأة المسنة. استيقاظه كل ليلة قبل الفجر، تسخين المياه، الوضوء والصلاة أمام الحقول الشاسعة الخضراء التي تنبض بقدرة الله، وكانت السكينة تحوطه من كل مكان، وكان يجلس على الأرض يذرف الدموع على ما فات من حياته، عندما تتجلى قدرة الله في القلب يسبح بحمده سبحانه وتعالى.
عندما تشرق الشمس ينام آدم، وعند العصر يستلقي أمام البيت مستقبلًا أشعة شمس باهتة شاحبة، كصبارة تعلم الصبر وعدم استعجال الأمور، وكانت المرأة تختفي وتظهر وآدم لا يسأل عن السبب، فقد كانت تغرقه بالحكمة ويرى منها أشياء تفوق قدرته على الاستيعاب، وكانت تبكي كثيرًا، البكاء يطهر القلب هكذا تعلم آدم البكاء. تسلل كيمو واكا رفقة توتا، عندما خرج من المزرعة قال للهره:
"اسمعي يا امرأة ستركضين كأن كل وحوش العالم تطاردك، لن تتوقفي عن الركض حتى تتورم أقدامك، حتى تتفجر رئتيك، كيمو واكا لن يقع في الأسر مرة أخرى." "على الأقل أخبرني أن لديك خطة،" قالت الهرة توتا وهي تركض، "لا يمكنك تحدي فضول المرأة لا تحاول ستفشل." وفكر كيمو واكا أن لديه فرصة واحدة في الوصول لبيت المرأة التي تفهم لغته. كيمو واكا لن يتعرض للضرب مرة أخرى، كيمو واكا جسده تورم من الضرب.
وركض كيمو واكا وتوتا تلحق به مثل ظله، عبروا حقول ومزارع وقرى، أشرقت شمس وغابت، هكذا تمضي بنا الحياة غير مبالية بأوجاعنا. حتى وصل بعد أيام أطراف القرية. في الحقيقة كان كيمو واكا يلهث مثل كلب ضال حتى شعر بأنه قذر فألقى بجسده في النهر. "لن تشم امرأة، أي امرأة رائحة عفونة خارجة من جسد كيمو واكا."
وكانت الهرة توتا تراقب كيمو واكا بإعجاب عندما خرج من النهر وبدأ ينفض الماء عن جسده، فقد كانت له طلة محببة ووجهه الغائر لا يخلو من الجماليات إذا دققت النظر. لطالما اعتبر كيمو واكا نفسه غير وسيم ولا يمكن لأي شيء على الإطلاق إقناعه بغير ذلك. وكانت توتا تتأمل الهر الغامض وقلبها يدق كيد هون تهرس ثوم في الفخارة، والحب يبدأ بدقة قلب وينتهي بمأساة، رمت توتا نظرة ثائرة تجاه كيمو واكا نفضها كفكرة حمقاء ليئمه تقتل السكينة.
"لماذا تحدقين بي كقطعة سردين طازجة؟ شعرت توتا بالخجل وأبعدت نظرها عن كيمو واكا: "ساقي تؤلمني كيمو واكا!؟ "وهل أبدو لك متخصص مساج لعين؟ تمددي هنا ستشعرين بالراحة." لكن توتا لن تجد الراحة مرة أخرى، فهذا الشيء الذي سرى بداخلها ليس له علاج إلا اللقى. وراحت توتا تلعق نفسها على استحياء وكيمو واكا ينظر لبعيد، كان يفكر في أمر ما توقعت توتا ذلك. "عليك أن تجدي طريقك الخاص يا توتا، كيمو واكا سيرحل."
وأحست الهرة بضمور واضمحلال وصاعقة ضربت دماغها. "ارحل إلى أين؟ "إلى حيث تجدين هر غبي يرافقك في رحلتك التعسة يا توتا." "توتا لا تريدك أن ترحل،" قالت توتا والدموع تكاد تفر من عيونها. "لن أقع في المصيدة مرة أخرى،" هكذا فكر كيمو واكا، قلبه لا يزال منشقًا منذ رحيل ميمي، عليه أن يخلد ذكراها ولا يسمح لأي امرأة أن تأخذ مكانها. "هذا أمر وضح كيمو واكا، الحقول والزراعات أمامك يوجد بها ألف قط جميل."
وتوتا لا ترغب بألف قط جميل، ما ترغب به يجلس أمامها، يرفضها بكل ازدراء. "لن أرحل،" صرخت توتا بتحدي، "ارحل أنت، ابتعد عني، أنت قط قاسي القلب." ركض كيمو واكا تاركًا خلفه حلمًا يتحطم وقلبًا يذوي مثل زهرة. كان آدم في البيت عندما وصل كيمو واكا، جالس الرجل مستقبل الشمس غارقًا في شروده. وعرف آدم الهر لكنه لم ير ميمي، وسأل آدم: "أين ميمي؟ لم يفهمه كيمو واكا لكنه عرف ما يقصد، ماء كيمو واكا بصراخ. "وكيف لك أن تعرف أو تهتم؟
وراح يتشمم الأرض بحثًا عن قبر ميمي فقد طلب من المرأة أن تدفنها حتى يتمكن من زيارتها تحت الشجرة وجدها. وكانت شجرة الصفصاف تتراقص أغصانها الخضر والماء يجري تحتها. "آه تألم كيمو واكا، ليس هناك أجمل من قبرك يا ميمي، حتى وأنت ميتة احتفظت بجمالك وأناقتك." وجلس كيمو واكا يلعق جسده ويروي لميمي ما فاتها من حياته، وكان يشعر بها تسمعه وتبكي لوجعه ومصابه. ليس هناك أجزع من فقدان شخص كنت تحبه ويحبك ويفهمك على المطلق.
وكانت توتا جالسة داخل الحقل، تراقب كيمو واكا ودموعه السائلة تقضم شعرها بألم وحزن، فليس هناك أشد إخلاصًا وتعاسة من رجل يحفظ ذكرى امرأته. بدأ محسن الهنداوي في استعدادات الولادة، أحضر سرير أطفال وواحدًا آخر، صنع أرجوحة في الحديقة، ابتاع ملابس وألعاب، صنع خيمة من قماش، لم ينس الهنداوي ولا تفصيلة حتى وإن كانت صغيرة، وكان من عاداته أن يهتم بالتفاصيل.
قبل ولادة ديلا أبرم الهنداوي صفقة كبيرة واعتبرها فال خير، هدية الطفل، حجز جناحًا كاملًا لولادة ديلا واستأجر أمهر الأطباء، فريق كامل جاهز لولادة ديلا، وأصر الهنداوي أن تقوم مجموعة من الممرضات بمرافقة ديلا قبل الولادة فالأمر لا يسلم، وكان كل شيء يمضي بخير والفيلا تنام وتصحو على سعادة، صرفت العلاوات ووزعت الهدايا، وشاهندة تراقب كل ذلك بحذر، لم تكن شاهندة ولا البدراوي مرحبين بزواج محسن الهنداوي من أرملة آدم، لكن البدراوي كان غير مبال طالما شاهندة في حضنه تمنحه الحب الذي يريده، ثم إن ابنته قد ماتت وليس لديه ما يهمه أو يبكي عليه. وتلك الأوضاع لم ترض شاهندة، فقد ابتعد عنها محسن ابنها لدرجة بعيدة جدًا حتى إنه توقف عن زيارتها.
وفكرت شاهندة إذا كان في هذا الحال والطفل لم يظهر بعد فكيف سيكون حالها بعد وجود الطفل، لقد منحت محسن الهنداوي كل شيء، المال والجاه، ضحت بنفسها وارتمت في حضن رجل مسن من أجله والآن يهجرها بذلك الشكل؟
كانت ابنة أربعين عندما تزوجت البدراوي والآن في الخامسة والأربعين وعقد العمر يهرب منها، وراحت تفكر في جدوى حياتها بعد أن ظهرت لها بوادر الخيانة من ابنها والبدراوي يتدحرج أمامها مثل ذكر الأوز مستندًا على عصاه وكلما لمحته شاهندة يمشي ازداد اشمئزازها وقرفها منه، لقد تحملت كل هذا من أجل محسن ومحسن الآن في حضن امرأة أخرى، واعتمرت الفكرة التي كانت تراودها منذ مدة طويلة عندما كانت ترى نظرات الشبق في عيون الرجال، النظرات التي جعلتها تثق أنها لا تزال مرغوبة ولم تعرف شاهندة ولا يمكنها أن تعرف أن رجلًا ينظر لامرأة متزوجة برميل قذارة.
لكن المرأة تحتاج وعلى الرجل أن يفهم كيف يرضيها. وتسلقت ذكريات الصبا مخيلتها وسكنت في ذهنها وبات عقلها مهتمًا بالتفاصيل الجديدة ويصور لها متع الحياة الجديدة. في تلك الأثناء وصلت الأخبار لمحسن الهنداوي أن آدم حي، جاءته عن طريق محمود الجنايني وبدأ حاله يتغير، لقد جلد كل الرجال الذين ادعوا قتله وزاد من الحراسة حول القصر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!