الفصل 10 | من 68 فصل

رواية خادمة القصر الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
19
كلمة
1,586
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

كان محمود الجنانى على بعد خطوه من ديلا التى تكتم انفاسها، ملتصقة بجذع الشجره تكاد تختفى داخلها. اشتعلت مصابيح الأضواء فى غرفة أدم الفهرجى فجأه وسطعت فوق أعناق الأشجار، توقف محمود الجنانى عن البحث ومر جوار ديلا ناحية باب القصر. تنهدت ديلا، قالت فى سرها: "الحمد لله". ونظرت تجاه شرفة أدم الذى كان يدخن سيجاره فى الشرفة. كان أدم ينظر للبقعة التى تختبئ بها ديلا، واعتقدت أنه يراها لأنه بصره كان مثبت عليها.

تحركت ديلا من خلف جذع الشجره، ولمح أدم طيف إنسان يختفى بين الأشجار. مرت ديلا بين أعراش الحشائش حتى وصلت باب القبو الذى نمت فوقه الحشائش. استخدمت يدها لتخليص مقبض الباب ثم فتحت الباب. كان القبو مظلم، ديلا وضعت يدها على صدرها، الدنيا ضلمة جداً وديلا خافت يكون داخل القبو فئران أو حتى ثعبان. لم تكن تعرف أن أرضية القبو مرصوفة بالرخام وجدرانه ملمعة. تجرأت ديلا وبحثت عن مفتاح النور وفتحته.

القبو كان طويل ونظيف وكان بداخله مقعدين وطاولة وأريكة موضوعة إلى جوار الجدار. تنهدت ديلا، جسمها كان مهدود، تعبانة بقالها أكتر من أسبوع مشفتش نوم وعينيها مبطلتش بكاء. ارتمت ديلا على الكنبة، ضمت ركبتيها على جسمها. نامت ديلا نوم طويل مع أن جسدها كان مثقل بالجراح. كان الوقت ظهراً لما فتحت عينيها، تأكدت أن باب القبو مغلق. ووضعت خلفه مقعد، عشان لو حد حاول فتحه يعمل صوت وتلحق تهرب. ***

كانت الناس داخل القرية يبحثون عن ديلا بعدما اكتشفوا اختفائها، فتشوا في الحقول والبيوت والخربات، مفيش حد شاف ديلا خارجة من البيت ولا حتى تغادر القرية. والدها فكر أنها حلت قيودها وقتلت نفسها داخل الغيطان واحتاجت الأرض الواسعة من الزرع وقت طويل عشان يفتشوها. محمود الجنانى أخذ على الموضوع على محمل شخصي وشكل فرقة من شباب القرية للبحث عن ديلا، مقدرش أبداً يستحمل الكلام اللي بيسمعه إن ديلا هربت لأنها مش عايزة.

محدش يرفض محمود الجنانى أبداً وكان كل ما الوقت مضى يلوم محمود النزاوى ويقرعه بكلام يسد النفس: "معرفتش تربي بنتك؟ بنتك جابتلك العار وجابتلي العار معاك". وأقسم الجنانى أن يقتل ديلا لو شافها حتى لو كانت في حضنه. وقال النزاوى: "يمين على يمينك أنا كمان هقتلها".

بس كل ده مطفاش النار اللي جوه محمود الجنانى، شرخ كبيرائه وتصغيره أمام رجال القرية حتى لوحظ أنه يمشي شارداً في الطريق بعيون مشتعلة ويدخن المخدرات طوال الليل وافتعل أكتر من مشكلة مع ناس لظنه أنهم يسخرون منه، ولم يذهب للقصر طوال تلك المدة حتى أرسل أدم في طلبه. وكان البستانى عندما ذهب لمقابلة الباشا محطم وبائس مما دفع أدم لمنحه إجازة مفتوحة. "هي اسمها إيه البنت دي يا محمود إلى هربت يوم فرحك؟

انفتح فم محمود بغضب: "مش مهم اسمها يا بيه، المهم إني لما أقبض عليها هقتلها ورحمة أمي هقتلها". "فكر في مستقبلك يا محمود وبلاش تهور، إذا كانت هربت يبقى مش عايزك دور على واحدة غيرها، الجواز مش إجبار". وصرخ البستانى في سره: "لو شخص غير الباشا قال كده كان زمانه مسك في خناقه، لكن الباشا يقول اللي هو عايزه". وانصرف محمود من القصر، بداخله رغبة وغاية واحدة: العثور على ديلا وقتلها. ***

نامت ديلا داخل القبو لحد ما عفنت من النوم، لكنها كانت محتاجة تاكل وتشرب، معدتها كانت بتقرقع من الجوع بتصدر أصوات كأنها فرقة أوركسترا. أثناء الليل خرجت تدور على فاكهة في الحديقة ووجدت بعض الفاكهة لكنها غير كافية لسد جوعها. بعد ثلاثة أيام من الصبر، فتحت ديلا باب القبو وتسللت للمطبخ، كانت عارفة مواعيد نوم أدم الفهرجى، عملت كل ده في هدوء ورجعت على القبو. قعدت على الأرض وأكلت، لكن لقيت نفسها محتاجة كوباية شاي.

وكانت ديلا بدأت تشعر أن القصر قصرها وتتصرف بطمأنينة مثل الماضي. دخلت ديلا المطبخ تعمل كوباية شاي وعقلها بيدور بالذكريات التي عاشتها داخل القصر. صبت الشاي داخل الكوباية وقبل ما تتحرك سمعت صوت أدم. "إنتي صاحية ليه لحد دلوقتي يا شهد؟ كان أدم نزل من غرفته عشان يقعد في الرواق قرب المدفأة. وكان أدم منذ رحيل ديلا لا ينظر نحو شهد ويتعمد عدم التقاء عيونه بعيون شهد. تعبت ديلا،

تخنت ديلا صوتها وقالت: "كنت عايزة أشرب شاي يا أدم بيه". وشعر أدم أن صوت شهد متغير وأن هذا الصوت ربما يكون قد سمعه من قبل، لكنه فكر أن شهد عندها برد أو متاعب صحية. تسحبت ديلا وهي حاطة عينيها على أدم مرعوبة لحسن يبص عليها، ودخلت جوه القبو وقفلت الباب. بعد لحظة واحدة خرجت شهد من غرفتها تشرب ماء وسمعت أدم الفهرجى بيقول: "اعمليلي شاي معاكي يا شهد".

تعجبت شهد من كلام أدم بيه فهي لم تصنع شاي ولا يحزنون، لكنها صنعت الشاي وقدمته للباشا على كل حال. "اتفضل أدم بيه". رفع أدم بصره نحو شهد، الصوت مختلف عن اللي سمعه من شوية. وكان على وشك أن يسترسل في الحديث ليتأكد لكن عقله عند هذه اللحظة سخر من قلبه وصرخ: "ماذا تعتقد أنك ستسمع يا أدم؟ إنت ترى خادمتك أمامك ونبرة صوتها غير مهمة إطلاقاً". الخادمة شهد وقفت بعيد عن أدم بيه، فكرت ربما يحتاج حاجة تانية.

لكن أدم غرق في شروده وهجم عليه الحزن كغراب يأكل جيفة. فتحت شهد باب الثلاجة بلا عناية من باب كسر الملل ولاحظت أن الطعام الذي حضرته ناقص. تعلم الخادمة شهد أن أدم غير معتاد على الأكل بنفسه وأنه بالعادة يطلب خدمتها لجلب الطعام. لكن أدم كان متغير الليلة دي، لسه فاكرة أنه طلب منها تعمل شاي بطريقة خلتها تشك في نفسها وكان من المستحيل أن تسأل أدم الفهرجى إن كان تناول طعامه بنفسه.

داخل القبو كانت ديلا وهي تأكل يصل إليها الصوت، وكتمت ضحكة داخلها، معقول أدم يكون عرف صوتها أو حتى شك؟ هل من الوارد أنه يفتقدها مثلما تفتقده؟ كان أدم الفهرجى أحن شخص عليها في حياتها وخسارته لازالت تجرحها. وسمعت الخادمة شهد تقول: "عايز من حاجة تانية يا بيه؟ همس السيد أدم: "متشكر يا شهد تقدري تنامي". منذ دخلت الخادمة شهد القصر لم يتحدث معها أدم بصورة مباشرة مثل التي حدثت الليلة.

أغلق باب غرفة شهد وأصبح أدم وحيد مرة أخرى، وأربت ديلا باب القبو البعيد وراحت تسترق النظر نحو أدم. ولم يطاوعها قلبها أن تبعد نظرها عنه، كانت تفتقد وسامته ومشاكسته وتمنت من كل قلبها أن يعرف الحقيقة ويعيد توظيفها داخل القصر. ظهر شبح محمود الجنانى أمامها، وجه قبيح مقرف مفزع، "أدم بيه مش بيستغنى عن البستاني وممكن لو عرف إنها هربت منه يرجعها للبيت تاني وهي مش ممكن تستحمل كده".

وظل نظرها معلق على أدم، تتابع لفافة التبغ في فمه وأنفاسه التي يخرجها، يديه التي تقلب صفحات الكتاب. ولاحظت أنه نسي تزويد المدفأة بالحطب ودون أن تشعر خرجت من القبو لتعنى به كعادتها. سمع أدم الفهرجى خطوات ديلا في الرواق ودون أن يرفع بصره قال: "إنتي منمتيش ليه يا شهد؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...