توقف قلب ديلا عن النبض للحظة، حيث تملكها الرعب، وحل صمت رهيب حتى أنها سمعت دقات قلبها بوضوح. كان من المستحيل أن تنطق، فسيعرف آدم صوتها المتهدج باللهفة. مشت ديلا تجاه المطبخ واختفت بداخله. من هناك، وهى تبتسم، همست بصوت غير واضح: "بشرب ميه يا آدم بيه! مرة أخرى، ارتحلت النبرة الهادئة الرقيقة على بساط الريح وسقطت داخل أذن آدم الفهرجي.
ترك آدم الفهرجي الكتاب على الطاولة وفرك أذنه. لقد صرف الخادمة شهد للتو، وغير مقبول أن ينادى عليها لتقف أمامه. وظن أنه يتخيل، وأن افتقاده لخادمته ديلا حقيقي ولا يمكن إخفاؤه. حتى أنه لام نفسه لتسرعه في طردها بتلك الطريقة المهينة. ربما كانت الفتاة محتاجة أو لديها ظروف. وها هو الآن يجلس وحيدًا جوار مدفأته، وديلا بعيدة عنه، وليس من الممكن أن تسند رأسها فوق ساقه بوجهها البريء بعد أن أقسمت أن لا تنام مئة مرة.
حرك آدم ساقه التي كأنها اشتاقت للماضي. وكان نظره مثبتًا على تمثال من المعدن يحاكي منحوتة كليجمنت لفتاة في متناهية الصغر، منحنية على عربة ورد مبتسمة مثل حورية. "اللعنة على الذكريات، إنها لا تتركنا أبدًا مهما حاولنا قتلها ودفنها، تظهر مرة أخرى." وفكر آدم الفهرجي أنه سيكون من المحرج أن يتحدث مع الخادمة شهد مرة ثانية. فتركها تتحرك في المطبخ والفضول ينهشه. انفتح باب غرفة الخادمة شهد وخرجت بوجه باهت الملامح، جافاه النوم.
لم يلاحظ آدم كل ذلك، كان غارقًا في شروده وأوهامه، وهو يظن أن التي تتحرك وتحدث جلبة هي الخادمة شهد. ثم أنه قرر عدم التحدث إليها مرة أخرى. وقع قلب ديلا على الأرض، قفز من صدرها ورأته يزحف على الرخام. وقفت مكانها متسمرة مثل عصا مكنسة نسيتها ربة المنزل مركونة جوار الباب. همست في سرها: "يارب استر." "وقفت شهد لحظة تبص على الرواق. فيه صوت وصل ودانها وهى نايمة."
"آدم بيه كان بيتكلم مع شخص، لكن مفيش حد قاعد مع آدم بيه، الراجل قاعد لوحده." "ياترى بيكلم نفسه؟ طيب هو صوته بقى مايع كده ليه؟ في حين لم تجد ديلا قدامها غير الثلاجة والغسالة. وكان عليها تختار هتستخبى فين قبل ما تتكشف. لكن شهد مشيت ناحيت آدم الفهرجي قرب المدفأة وتركت مساحة وراها تسمح لديلا بالهرب. تسحبت ديلا مثل "كبرص" ودخلت القبو بأنفاس مقطوعة كحنفية مياه تسقط آخر قطرة من المياه المخزنة.
قالت شهد: "تسمح لي يا آدم بيه أقعد قرب النار شوية؟ آدم الفهرجي بلا مبالاة ودون ما يرفع بصره ناحيتها: "مفيش مانع." شعرت ديلا بالغضب والغيظ. آدم ملكها وحدها. مفيش حد هيشاركها فيه مهما حصل. وعنيها كانت بتبص على شهد بحقد وغيره. فما كان منها إلا أن أطفأت نور القبو ومسكت مقعد ورزعته في الأرض عمل صوت مرعب ضخم. نهض آدم بسرعة وقفزت شهد من الخوف. يعرف آدم أن القبو فاضي، محدش بيدخله.
في حين ركضت ديلا لاخر القبو وفتحت الباب ناحيت الحديقة وعلى وشها ابتسامة خبيثة مستعدة للفرار. "آدم انتي سمعتي اللي سمعته يا شهد؟ "شهد: أيوه يا بيه الظاهر فيه حرامي جوه القصر." أخرج آدم مسدسه من الدرج وفتح باب القبو وشهد ماشية وراه بخوف. فتح النور وقبل ما النور يوصل آخر القبو لمح آدم طيف أسود يهرب ناحيت الحديقة، لكنه مكنش متأكد. صرخت شهد: "الحمد لله القبو مفيهش حد، يمكن قطة يا بيه وقعت الكرسي."
بس آدم بعين متمرسة لاحظ بقايا فتات طعام على رخام القبو وشاف كمان الكنبة وقماشها المكرمش. خرج آدم من باب القبو ناحيت الحديقة وشهد وراه بتصرخ: "بتدور على إيه يا بيه؟ "آدم بحزم: مفيش. ناوليني مصباح وبعدها تقدري تروحي تنامي، أنا هتمشى شوية في الحديقة." نفذت شهد الأمر وقفلت باب القبو ودخلت غرفتها، لكنها كانت خايفة مرعوبة. "آدم بيه مش على طبيعته من أول الليل."
ديلا كانت بعدت عن القبو ومشيت وسط الأشجار، لكنها كانت شايفة نور المصباح في إيد آدم بيتحرك وسط الأشجار. وراحت تركض وهي بتضحك. نسيت كل اللي حصل معاه. نسيت ضرب والدها النزاوى ليها وحبسها. نسيت دموعها وأوجاعها. وكان آدم الفهرجي يتحرك داخل الغابة وفي باله شيء واحد: إذا تجرأ شخص ودخل القصر لازم يعرف. وراح يتجول داخل الحديقة الكبيرة في إيده المسدس. بعد ما مشى مسافة كبيرة وقف في مكانه وقرر يرجع القصر.
التف ومشى خطوتين ثم سمع صوت خطوات راكضة توقفت فجأة. وكان الصوت قادم من الناحية الشمالية البعيدة عن القصر. واصل سيره مرة أخرى إلى الناحية البحرية. ولاحظت ديلا أنه ممكن يشوفها ويتعرف عليها، فسارت بحذر تحت الصور والتفت ناحيت غرفة الحمام واستخبت فيها. وصل آدم نهاية الحديقة وحاول يربط الأمور ببعضها. وأصبح لديه شك كبير إن فيه شخص كان جوه القبو عايش معاهم. وتذكر الطيف اللي شافه جوه الحديقة الليلة السابقة.
طيف أنثوي نحيل يشبه جذع ديلا، لكنه مكنش متأكد. رجع آدم على القصر وحاول ينسى كل اللي حصل. دخل غرفته وتمدد على السرير وهو يفكر أن كل اللي بيحصل أوهام من اختلاق عقله. لما اطمأنت ديلا رجعت تاني ودخلت جوه القبو ورمت نفسها على الكنبة. جسمها كان لسه بيرتجف من الخوف. المغامرة اللي قامت بيها كانت محفوفة بالمخاطر. رغم كده، كانت سعيدة. شافت آدم الفهرجي واتكلمت معاه. وكانت الفرحة مش سيعاها. وكأنها خلقت من جديد داخل أروقة القصر.
نامت ديلا وصحيت في وقت مبكر وكأن جسدها يتذكر الأيام اللي كانت تخدم فيها داخل القصر. سمعت سعال آدم في غرفته. وكانت غرفة شهد مغلقة، لم تستيقظ بعد. كانت عارفة أن قلبها ومشاعرها هتقضي عليها. ودون أن تشعر، دخلت المطبخ حضرت إفطار آدم الفهرجي. ووضعته على صينية وصعدت درجات السلم بهدوء دون أن تحدث أي صوت. وضعت الصينية أمام غرفة آدم وطرقت الباب أربعة طرقات مثلما كانت تفعل في الماضي. ثم ركضت ناحيت الرواق ووقفت على باب القبو.
فتح آدم باب الغرفة ووجد طعام إفطاره أمامها. يحاول أن يتذكر إذا كان ما سمعه حقيقي. أربعة طرقات تذكره بديل. لكن آدم يتذكر جيدا أنه مقلش لشهد تعمل كده. بص آدم على الرواق وعلى غرفة شهد ولم يلمح الخادمة في الرواق أو حتى في المطبخ. حمل آدم الصينية ودخل بيها غرفته. وضعها على الطاولة وابتسم. "لست أحمق. شهد تعمل هنا منذ أكثر من ثلاثة أشهر ولم يراها قبل ذلك تعد الإفطار بتلك الطريقة." "لكن كيف يتأكد من ذلك؟
لم يتبقى أمامه سوى أن ينتظر بعض الوقت داخل غرفته حتى يكتشف الحقيقة. إذا صنعت شهد طعام الإفطار وقدمته له فهذا يعني أن ظنونه حقيقية وأن ديلا تعيش معه داخل القصر وربما هي التي تعيش داخل القبو. في موعدها، استيقظت الخادمة شهد، بعد أن غسلت وجهها ونظفت يديها. دَلَفَت للمطبخ وحضرت الفطار الذي يتناوله آدم بيه كل يوم. وكان آدم في غرفته ينتظر على نار اكتشاف الحقيقة بعد أن سمع سعال الخادمة شهد في الطابق الأرضي.
حملت شهد الصينية النحاسية وصعدت درجات السلم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!