توقفت الخادمة شهد في منتصف السلم، تذكرت أنها لم تبدل ملابسها التي تحمل بقعة وسخ كبيرة. فعادت لتترك صينية الطعام على الطاولة ودلفت لغرفتها لتبدل ملابسها. ديلا، التي تراقب شهد من خلف الباب، خرجت بسرعة، سحبت صينية الطعام نحو القبو وأغلقت الباب. لم تستغرق شهد سوى خمسة دقائق في تبديل ملابسها. وعندما خرجت، كانت صينية الطعام مختفية. رفعت الخادمة شهد بصرها نحو غرفة آدم الفهرجي،
وقبل أن تسأل نفسها: "معقول يكون آدم بيه بنفسه هبط للرواق وأخذ الطعام؟ رأت آدم الفهرجي يفتح باب غرفته ويخرج الصينية ويتركها أمام الباب، قبل أن يدخل غرفته مرة أخرى ويغلق الباب. تنهدت شهد: "هل يغفر لها الباشا تهاونها وتكاسلها عن خدمته؟ لكن الباشا لم يتذمر ولم يطلبها ليوبخها. صعدت الخادمة شهد السلم وأخذت الصينية، لكنها انتبهت لشيء هام.
الصينية مختلفة عن التي رصت الطعام فوقها، لكن العقل له أحكام ومن الوارد أن يكون اختلط عليها الأمر. أخيراً، ابتعلت ديلا ريقها، وضعت الطعام أمامها وراحت تأكل بشهية. "إلى متى سأظل غامضة مختفية؟ وماذا سأفعل إذا اكتشف آدم وجودي داخل القبو؟ تعرف ديلا أن آدم ذكي وأنه قد يتمكن من ربط الخيوط ببعضها، حينها ستكون في ورطة. محمود الجنانى يبحث عنها ووالدها لن يرحمها، فشعرت بالغم وتوقفت عن الأكل.
"لابد أن أجد حيلة تمكنني من الكلام مع آدم وشرح الحقيقة له." لكن عليها أن تختفي ولا تظهر إلا بعد أن تهدأ كل هذه الجلبة التي أحدثتها في اليومين الماضيين. وظل الوضع هادئاً داخل القصر خلال هذه الفترة، وكان آدم الفهرجي دائم الشرود بصورة ملحوظة. كانت ديلا تراه ينظر نحو الحديقة وهو يدخن لفافات التبغ، كأنه ينتظر موعداً أو رؤية شخص معين. وأحياناً أخرى يقترب من القبو ويكون على وشك فتح بابه، فتركض ديلا هاربة من الناحية الأخرى.
لكن آدم الفهرجي يتوقف في آخر لحظة ويعود أدراجه. حتى فوجئت ديلا في اليوم الثالث بجلجلة خارج القبو، وكانت نائمة حينها. ثم انفتح باب القبو ودلف منه آدم الفهرجي. سار داخل القبو حتى وصل الباب المغلق من الجهة الأخرى. ثم وقف أكثر من دقيقة يفكر وعلى وجهه نظرة شارده، قبل أن يطلب الخادمة شهد ويهمس لها ببعض التعليمات. بعد نصف ساعة، شوهدت الخادمة شهد تجر سريراً وتضعه داخل القبو. كان سريراً معداً للنوم بالوسائد والبطانية.
تركته هناك ورحلت. جلس آدم الفهرجي على طرف السرير وهز جسده عدة مرات، ثم أرخى جسده على السرير وتمدد. وتعجبت شهد: "آدم بيه سينام داخل القبو؟ لكن حيرتها تبددت لما لمحت آدم الفهرجي يخرج من القبو ويغلق الباب خلفه. ثم جلس في الرواق وأشعل لفافة تبغ، ونظره مثبت على باب الرواق، وعلى وجهه ابتسامة غامضة. وكانت ديلا مختفية داخل الحديقة تسأل نفسها: "ماذا حدث؟ مدركة للورطة التي وقعت فوق رأسها.
"لو قرر آدم النوم في الرواق، سأتشرد في الحديقة، حيث أنها كانت تتابع كل ما يحدث من ثقب في باب القبو." أدركت ديلا أنها لن تقدر أن تدخل القبو ولا تنام فيه بعد ما حدث. "ممكن آدم يدخل في أي لحظة، أصله مش معقول يكون وضع السرير داخل القبو من أجل الديكور." ومرت ليلة تعيسة على ديلا، جالسة أمام باب القبو تسترق النظر لرؤية آدم الذي كانت تسمع صوته في الرواق يسعل من تدخين السجائر.
مر أكثر الليل وصوت آدم يصلها، حتى قرر آدم النوم وصعد لغرفته. حاولت ديلا تنام على أرض الحديقة، لكن جسمها لم يرتح. ففكرت أنه من الممكن أن تدخل للنوم وتستيقظ بعد الفجر. وضعت مقعداً خلف باب القبو المطل على رواق القصر ونامت بقلب قلق وخوف مستعر. حتى أنها لم تتجرأ لتغطية جسدها بالبطانية حتى لا تغرق في النوم. مضت ليلة وليلتان، وبدأت ديلا تشعر بالطمأنينة وأن ما حدث ربما فعله آدم من باب كسر الملل.
وراح نومها يصبح أكثر عمقاً وهدوءاً وثقلاً. في الليلة الثالثة، قضى آدم سهرته وصعد لينام. وتبعته ديلا في النوم، حيث أنها كانت تضبط نومها على موعد نوم آدم. لكن آدم عاد مرة أخرى، وكان قد مضى ساعة على صعوده لغرفته، وفي فمه لفافة تبغ. مشى تجاه باب القبو بهدوء وحاول فتحه، لكن الباب لم ينفتح وكان عالقاً بمقعد خلفه. فما كان منه إلا أن خرج من القصر والتف حول الجدار ناحية الباب الآخر. الباب كان موروباً.
توقف آدم لحظة ينظر داخل القبو المظلم. فتحت ديلا عينيها الساعة الثامنة صباحاً. وجدت نفسها ممتدة على السرير متغطية ببطانية عنّابية اللون. وكانت ديلا تعرف أنها لم تستخدم البطانية، مما جعل جسدها يرتعش. كان هناك جيبة باللون الكريمي وبلوزة لبني متروكة على الطاولة. تكورت ديلا على السرير برعب وسحبت قدميها ناحية جسدها. ثم فتحت فمها وعينيها بدهشة ورعب.
كان هناك جورب أحمر في قدميها، وشاح باللون البندقي حول عنقها، وكانت إحدى يديها مربوطة بخيط في عمود السرير. قطعت ديلا الخيط ونهضت مفزوعة راكضة تجاه الحديقة. لم يستوعب جسدها ولا عقلها الصدمة، ولم تتوقف عن الركض إلا بعد أن توغلت داخل الأشجار الضخمة. جلست واتكأت على جذع شجرة. "ماذا حدث؟ وكأنه حلم لا تتذكره ديلا." لكن في الأحلام لا تستيقظ ونجد نفسك ترتدي ملابس مختلفة.
لقد شكت ديلا في نفسها للحد الذي دفعها للنظر في ملابسها التي تفوح منها رائحة العفونة. وكان آدم الفهرجي ممتطياً حصانه يركض به داخل الحديقة. سمعت ديلا بوضوح صوت خطوات الحصان وتشجيع آدم له. كان آدم قريباً جداً منها وسمعته يخاطب الحصان: "أنتِ مهرة جيدة ومطيعة وراعٍ يلعب في شعر عنقها، هيا تشجعي أريدك أن تركضي بسرعة كأننا في سباق."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!