الفصل 35 | من 68 فصل

رواية خادمة القصر الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
19
كلمة
1,589
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 51%
حجم الخط: 18

تلألأ طيف لازوردي أمام العيون الحزينة التي تسكن وجهًا أبيض متغضن القسمات. كان الطيف كلوحة فنية بريشة بول جوجان وألوان كلود مونيه في بركة زنابق الماء. لم يلحظ أدم إلا لاحقًا خطوط الكتابة الحمراء الرفيعة التي تتقاطع لتشكل كلمات. ظل أدم محدقًا في الصورة بعيون دامية تتساقط الدموع منها كورقة شجر تجمع فوقها ماء المطر. بزخ أمامه كلمة "منزل"، "مقبرة"، "أول"، "شجرة السنط"، "قناية الماء".

اتسعت عينا أدم بدهشة. لم يكن مجرد طيف، كانت رسالة وداع من حبيبته الميتة. تذكر أدم قناية الماء التي رآها أمام المنزل الطيني. بدل ملابسه، وقبل شروق الشمس كان يقطع الطريق نحو القرية المجاورة فوق مهرته "باكي" التي كانت تركض كالسهم، بعد أن نسيها أدم مدة طويلة.

وصل أدم البيت الطيني الهادئ. قيد المهرة في شجرة الصفصاف وركض تجاه باب المنزل. قبل أن يطرق باب المنزل، انفتح أمامه وظهر أمامه الوجه الوقور الطيب، كأنها كانت في انتظاره. حملق أدم بالوجه قبل أن يلقي التحية. المرأة: هنا؟ أدم: أنا أدم. المرأة: لا تفقد ديلا، لا تجعل الماضي يعيد نفسه يا ولدي. نحتت المرأة عن باب المنزل. تابعها أدم وهي تفترش الأرض خارج البيت من أجل الصلاة.

كانت ديلا منبطحة على الأرض، كل طرف في جسمها ملقى بعيدًا عن الآخر، فمها مفتوح. تنعم بنوم هانئ، هكذا فكر أدم. راح يتأملها لأكثر من دقيقة وهو يستمع لدقات قلبه. ثم جلس على الأرض ورفع شعرها الذي يغطي وجهها. وضع إصبعه في خدها وضغط عليه وأداره كترس آلة. تململت ديلا، ظنتها حشرة أو ناموسة، فقبضت على الإصبع المشاكس بعيون ناعسة. ثم سرعان ما انتفض جسدها وفتحت عيونها بفزع. رأت أدم جالسًا جوارها.

أغمضت ديلا عينيها مرة أخرى. منذ أيام وأدم لا يبارح أحلامها. لا تعرف كيف تطرده أو تتخلص منه، ظنت نفسها في حلم. أدم: افتحي عينيكِ، كفاية نوم. ديلا: أدم يتكلم في الحلم؟ أدم بنبرة أكثر جدية: قومي فزي يا بتاه. فكرت ديلا، أدم وقح فعلًا، حتى في أحلامها يأتيها شخص نرجسي متحكم. أدم بصفعة خفيفة: فوقي. فزعت ديلا ونهضت متكرمشة كورقة رسم وزحفت للخلف بضع خطوات حتى التصقت بالجدار. ديلا: أدم؟ أدم: ومين غيري ممكن يفكر فيكي؟

ديلا بفرحة: أنا مبسوطة أوي إني شفتك. وكادت تقفز في حضنه. أنا زعلانة منك، أيوه زعلانة. وراحت تنتحب: أنت سبتني، أنا كنت هموت. أدم: آسف، أنا بذلت كل ما في وسعي عشان أوصل ليكي. ديلا: واضح جدًا، بأمارة ما كنت في حضن ماجي. ميمي قالت لي وفضحتك يا خاين. ابتسم أدم. إنها لا تعرف ما قاساه من أجلها، تجرع أقراص هلوسة كفيلة بتغيب عقل ثورة. تحمل وجود حيتين داخل القصر من أجلها، لكن مفيش وقت. كان أدم عارف أنه لازم يتحرك بسرعة.

أدم: إحنا لازم نمشي دلوقتي، مفيش وقت للكلام الفارغ. إنتي مالك أكون في حضن ماجي ولا غيرها. يلا اوقفي، مفيش وقت، لحظة والاقيكي بره البيت. ارتقى أدم "باكي" وصعدت ديلا خلفه. وقبل أن يلكز المهرة لتركض، مشت ناحيتهم المرأة الغامضة. وضعت عقد لبنى درويشي في يد ديلا وطلبت منها أن لا تنزعه أبدًا مهما حدث. ثم عادت لصلاتها مرة أخرى. ركض أدم بـ"باكي" تاركًا خلفه المرأة تصلي.

وضعت ديلا العقد في عنقها، ثم قبضت على خصر أدم وتشبثت به خوفًا من السقوط على الأرض. ثم بعد معاندة، استجابت لغربتها وأسندت خدها على ظهره. ديلا: أدم بيه، دا مش طريق القصر؟ أدم وهو يلكز "باكي" في معدتها: مش وقت استفسارات دلوقتي، أنا لازم أكون موجود في القصر بسرعة. ديلا: أنت هتجنني؟ إزاي بتقول أكون موجود في القصر ودا مش طريق القصر؟ أدم بعصبية: اعتذري بسرعة قبل ما أرميكي من فوق "باكي". ديلا: لا خلاص، أنا آسفة، آسفة.

أدم: القصر له أكتر من طريق، لكن محدش يعرف دا غيري. إحنا هندخل من باب سري، فيه قبو تحت الأرض كان مخزن قديم محدش يعرفه غيري. ثم أردف بمزاح: إنتي هتقعدي هناك وسط الفيران والحيات لحد ما أخلص من ماجي ونرجس. ديلا برعب: أقعد فين يا عم؟ أنا عايزة أفضل معاك. أدم: متقلقيش، أنا عرفت الحقيقة، مش فاضل غير حاجة بسيطة وأوصل لانتقامي.

توقف أدم أمام شجرة ضخمة خلف القصر ونزل من على "باكي". كان فيه حشائش طويلة. أدم حركها بيده وظهر قدامه باب. فتحه وضغط قابس النور. أدم: إنتي هتفضلي هنا ومتحاوليش تخترعي ولا تستخدمي دماغك، أنا مخطط لكل حاجة. هتلاقي أكل وشرب ولو تأخرت فيه شخص هيجي يعتني بيكي. ديلا: أنت هتسبني هنا بجد؟ أدم بخفوت: إنتي واثقة فيا؟ ديلا: طبعًا، أنا عمري ما وثقت في حد غيرك. أدم: يلا مفيش وقت،

ومسك إيد ديلا: أرجوكي متحاوليش تفتحي الباب التاني، خليكي جوه النفق. ديلا بخجل: حاضر. انغلق الباب على ديلا وتحرك أدم بمهرته نحو باب القصر. تمكن من الدخول قبل خروج نرجس وماجي. دار داخل الحديقة حتى لا يلفت الأنظار وقابلهم خارجين من باب القصر الداخلي. ماجي: هو إيه ده يا نرجس؟ مش هو دا أدم اللي بتقولي فقد عقله؟ شوفي راكب الحصان زي زمان. نرجس: أدم مش مشكلة دلوقتي، لازم نلاقي ديلا وبعد كده نتصرف.

عندما وصلت نرجس وديلا ومحمود الجنانى البيت الطيني، ملقيوش أي شخص فيه، عشان كده نرجس قدرت تدخل البيت بسهولة مع خدمتها. ماجي بغضب: فين ديلا؟ وفين الست العجوزة اللي بتقولي عليها؟ نرجس بغضب: مش عارفة، أنا أول مرة أواجه واحدة بالشكل ده، حتى خدامي فشلوا في معرفة اختفت فين. ماجي: يعني البنت هربت؟ نرجس: معرفش. وسط حالة من الارتباك، رجعت ماجي على القصر رفقة نرجس. دخلت القصر بغضب ووجدت أدم جالسًا في الرواق يدخن سيجارة.

كعادتها، صرخت ماجي في الخدم وطلبت قهوة. أدم: إنتي بتصرخي ليه في الخدم؟ ماجي: بلا مبالاة. وانت مالك. ابتسم أدم بسخرية. نهض من مكانه، مشى خطوات تجاه ماجي. أمسكها من شعرها القصير وصفعها على وجهها أكثر من مرة بكل قوته. أدم: لما تكلمي أدم الفهرجي تحترمي نفسك. متنسيش إنك ضيفة هنا ومين اللي بيديكي مرتبك، فاهمة؟ صرخ أدم بعصبية وعلى وجهه ابتسامة ساخرة. ماجي بصراخ: أنت اتجننت يا أدم؟ إيه اللي بتعمله ده؟

رمقها أدم بغضب وتمنى لو تمكن من قضم رقبتها بأسنانه. أدم: أدم مين يا حلوة؟ اسمي أدم بيه الفهرجي، عارفة ولا أعرفك. شعرت ماجي أن عنادها غير مفيد وأن عليها الطاعة. أومأت رأسها حاضر. صفعها أدم صفعة أخرى جعلت رأسها ترتج. أدم: مسمعتش قولتي إيه؟ تحاملت ماجي حتى لا تبكي، فقد قاسَت من الحياة ما يجعلها تفهم ما هي مقبلة عليه. لن تبكي أمامه حتى لو بكت أمام العالم كله، لن يرى ضعفها. لقد اكتسبت قوتها من أجل تلك اللحظة.

وكان أدم يسأل نفسه إلى متى ستقاوم؟ صرخ في الخدم أن تغلق كل واحدة بابها على نفسها. حتى نرجس نفسها لم تخرج من القبو. سمعت صراخ ماجي مثل غيرها وأدركت أن هناك خطأ قد حدث وأن عملها قد حل وعليها أن تعيده بسرعة. أدم: اسم إيه؟ ماجي: اسمك أدم بيه الفهرجي. أدم: جميل. وحررها من يده: اعمليلي فنجان قهوة. ماجي: أنا مدرسة مش شغالة، وبقدم استقالتي، مش هقعد هنا دقيقة واحدة. أدم: هتعملي القهوة ومش هتخرجي من هنا غير بمزاجي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...