كانت الهرة ميمي منبطحة على السرير تلفظ أنفاسها الأخيرة، ترفع ساقها الأيمن بوجع، وكان فمها ساكن مخدر ولسانها خارج من فمها، عيونها مظلمة كفتحة مغارة فرعونية. توقع آدم أن لديها دقائق على أكثر تقدير قبل أن تفارق الحياة. عندما عاد آدم الفهرجي من شروده، استدار جهة ميمي ورأى الشيء الذي جعله يفتح فمه بصدمة.
كان هناك طيف لازوردي وأرجواني ينبعث من فم القطة ميمي. تصاعد الطيف الذي كان يشبه البخار واهتز، وشكل وجه حبيبته الراحلة تلا، ثم صدرها وبقية جسدها. كان الطيف مثل ألوان لوحة خطتها فرشاة، وكان على الجسد ما يشبه خطوط الكتابة، كلمات مكتوبة بخط أحمر رفيع باهت لا يمكنك قراءتها.
ثبت آدم في مكانه، بعيون مفتوحة تتجمع خلالها الدموع. كانت القطة ميمي الآن تتألم بصوت مرتفع وكأنها تقاوم شيئًا ما يحاول قتلها. ضغط آدم على زر التصوير في الهاتف النقال دون أن يشعر، وانطلق وميض الفلاش ليغرق الغرفة. كان آدم عاد للتو من صدمته. ركض واحتضن ما تبقى من الطيف الذي راح ينسلخ من بين يديه كقطرة ماء. هكذا الحياة لا تعرفنا قيمة بعض البشر إلا بعد أن نفقدهم. انهار آدم على السرير وكان لازال يحتضن الفراغ، ينتحب بتشنج.
"لا ترحلي يا عزيزتي" "ظلي هنا قربي" "حبيبتي أين اختفى وجهك المتلألئ كالمرجان؟ وتأججت كل المشاعر التي كان دفنها بداخله، راحت تتولد من مكان بعيد وسحيق وترتطم بفؤاده محدثة هزات أرعشت جسده الضعيف الضامر. "آه لو يمكنني زيارة قبرك؟ لكنت زرعت كل يوم زهرة وبكيت حتى ابتل الجدار."
يعتقد المرء أنه نسي وأن كل شيء أصبح عادي، وحياته ستسير بصورة طبيعية. ثم فجأة، ذكرى واحدة أو صورة أو محادثة أو حتى كلمة تعيد الماضي راكضًا بسرعة الريح. الماضي لا يموت إلا في قلوب أولئك الذين لا يمتلكون الشرف. كانت الهرة ميمي تسعل كطفل رضيع، تنشق غاز الأمونيا، وتبصق قيح أسود على سرير آدم، قيح متعفن لزج وكثيف وله رائحة جثة متعفنة. كمية ضخمة من السواد.
كافحت الهرة ميمي من أجل الوقوف على ساقيها، ثم نظرت كأنها خرجت من رحم والدتها للتو. كناشط سياسي خدره البوليس السري في بلد وفتح عينيه ليجد نفسه في بلد آخر، كأنها ترى القصر لأول مرة. فزعت الهرة راحت تموء. كانت خائفة من وجود آدم، من الغرفة، من العالم الذي وجدت نفسها فيه. تسلقت الشرفة بصعوبة ثم قفزت واختفت بين العشب. لم يمنعها آدم كان محطم تمامًا، جسده مخدر وعقله في حالة من اللاوعي، عيونه مفتوحة وبؤبؤ عينيه ثابت لا يتحرك.
كان يحاول أن يقنع نفسه أن ما حدث للتو ليس حقيقي. الموتى لا يعودون من مقابرهم أبدًا ولا يلقون التحية. وإذا عادوا، فكر آدم، لن يكونوا بمثل هذا الجمال الرباني. صفع آدم خده وقرص صدره واقتلع شعرات من ساعد يده، كان عليه أن يتأكد أنه حي، وأنه لم يذهب لبلاد الموتى. صرخ آدم بالوجع في يده وبدأت روحه تعود إليه.
قال آدم: "كانت هنا هرة جميلة ثم رحلت، أجمل هرة رأتها عيني. الهرة لن تعود مرة أخرى. لقد رحلت مثل حبيبتي. إنه مجرد طيف تخيله عقله المتعب." هكذا أقنع آدم نفسه، وشعر بحرقة ساحقة في صدره كحمض بقايا طعام آخر الليل تجمع منذ سنين. فتح باب غرفته، كان يحتاج سيجارة وكوب شاي. هبط الرواق وكان مشيته بطيئة. لمح واحدة من الخدم، طلب منها فنجان قهوة لكن بهدوء دون أن تحدث ضجة. "مش عايزين نزعج الناس اللي نايمة فاهم؟ "فاهمة يا آدم بيه."
*** "انتهى كل شيء." هكذا سمع آدم صوت نرجس تخبر شخصًا ما داخل القبو. "قضيت عليها. هذه الروح اللئيمة لن تزعجنا مرة أخرى. التهمتها سمكة." وقهقهت نرجس. "لا محسن هندواي ولا غيره، إحنا كده في أمان! ثم أردفت نرجس: "على فكرة أنا عرفت مكان ديلا ماجي." "بجد، انطقي بسرعة فين؟ "حيلك، حيلك، مفيش حاجة من غير مقابل." "الراجل خلاص اتجنن وهتاخدي كل الفلوس اللي انتي عايزاها، انطقي يا نرجس شوفتيها فين؟
"حاضر هديكي كل اللي انتي عايزاه، عارفاكي مش بتشبعي، قوليلي بقا فين البنت دي، عشان نخلص منها." "وأنا أراقب القطة كانت خارجة من بيت ست عجوزة." "فين البيت ده!؟ "البيت!!! ثم انغلقت عيونها فجأة كمصاب صرع. وسمعت همس الخدم: "لا تقولي، هناك من يسمع." فتحت نرجس عينيها وتوقفت عن الكلام. وكان آدم الفهرجي يحاول سماع مكان البيت لكن الصوت خبى واختفى. جالس على مقعده بعيون مغمضة وآذان مترصدة.
فتحت نرجس باب القبو ورأت آدم جالس على المقعد بلا حراك. "يا نهار أسود يكنش سمع؟ "معتقدش، دي مش حالة إنسان في وعيه خالص. لو كان سمع حاجة كان زمانه اتحرك أو حتى اختفى لما حس بالحركة." "طيب إزاي نزل هنا من غير ما يحس؟ "مين اللي سمع؟ " سألت الخدمة. همس في الأذن: "لا نعرف، كان هناك من يسمع." وسط الكلام خرجت الخادمة من المطبخ شايلة فنجان قهوة وضعته قدام آدم. ابتسمت نرجس بخبث: "كل شيء واضح." "انت لسه صاحي يا آدم؟
"مكنش جايلى نوم، قعدت مع ميمي شوية ولما هربت قلت أنزل أشرب كوباية شاي." غمزت نرجس بعينها لماجي وقالت: "الصباح رباح يا ماجي هانم. أنا هدخل أنام." وتركت ماجي التي فهمت ما تقصده نرجس مع آدم، والذي لم يتأخر هو الآخر، ربع ساعة وصعد غرفته. *** عاد القصر لسكونه مرة أخرى. آدم داخل غرفته بيحرق لفافات التبغ وبيفكر: نرجس شافت ديلا فين؟ مفيش أي فرصة للغلط لازم يلاقي ماجي قبليهم. لو تمكنوا من الوصول ليها قبله هيقتلوها زي تلا.
وراح يعصر عقله بتركيز: الناحية البحرية؟ دا أقوى افتراض. ميمي كانت بتركض ناحية القرية دي. وكمان مرة تانية لقيها قاعدة هناك وسط الشجرة. المشكلة ديلا مختفية في أي منزل؟ داخل القرية منازل كتيرة ولو آدم اختار بيوت غلط هيوصلوا لديلا قبله. ومر جزء لا بائس به من الليل وادم بيلف ويدور في غرفته، ثم سمع أذان الفجر. توضأ وصلى، والهم لازال رابط فوق قلبه. "الساعة كام؟ " سأل آدم نفسه، وهو يمسك هاتفه النقال.
كانت هناك صورة ملتقطة بالخطأ، ليست صورة واحدة بل عدة صور. وضع آدم الهاتف أمام عينه وحدق به، إنه الطيف الذي رآه وتبخر. لم يكن حلم؟ ولا تخيل ولا هذيان. كانت صورة حبيبته تلا أمام عينيه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!