جلست ديلا تحت شجرة صفصاف نبتت جوار مجرى مياه عذبة، كانت شارده محدقة بالحقول الخضراء الممتدة أمامها على مدى البصر. كانت تشاهد الزرازير التي تحلق جماعات فوق رؤوس سنابل القمح الحملي، وكان هناك بقايا ظل فلاحين في غيطان بعيدة يعملون بجد قبل انتهاء النهار، وطفلة صغيرة متعلقة بيد والدتها التي تحمل قفة مليئة بالخضار. كانت تسأل نفسها إلى متى ستظل بعيدة عن القصر؟
وإذا كان هناك خطر على آدم، لماذا يطلبون منها أن تظل هنا بينما آدم هناك واقع بين براثن الخطر؟ شعرت أنها خائنة، فالبعد خيانة أيضاً. لم تنس أبداً أن آدم وقف أمام الجميع من أجلها، وها هي ترد له جميله بالهرب والاختفاء في بيت قديم مع امرأة تدعي أن وجودها في القصر سيشكل خطر على آدم.
لم تتمكن ديلا أبداً من فهم كيف أن وجودها بجوار آدم قد يسبب خطر عليه. نزلت دموعها رغم عنها، لو طلب آدم روحها لما تأخرت عنه، لكنهم يقولون أن بعدها لصالحه. وإذا كان ذلك حقيقي، فإنها لا تمانع بالبقاء مشردة طيلة حياتها طالما آدم بخير. لكن البعد نار تكوي الحشى وتقطع الصدر، نار تتأجج مع كل ذكرى تمر. وغمرها حزن تعيس، في كل مرة تعتقد ديلا أن التعاسة كتبت عليها وأنها لن ترى ولا يوم سعيد في حياتها.
حلق طائر أو قردان إلى جوارها وحط في حقل مروي يلتقط بمنقاره دود الأرض. خرجت المرأة العجوز من بيتها، افترشت الأرض وصّلت، هكذا رأتها ديلا تصلي. هذه المرأة، قالت ديلا في سرها، لا تفعل شيئاً سوى الصلاة. منذ يومين وأنا أقيم معها لم أر أي شخص يعيش معها ولا أعرف من أين يأتيها رزقها، فهي لا تعمل ولا تغادر المنزل. ثم إن طريقتها غريبة، ليست متطفلة ولم تتدخل في شؤوني. ثم هناك أمر آخر، ليس لها ظل.
طرقت الآنسة ماجي باب غرفة آدم. سمح لها آدم بالدخول، كان قد استيقظ من نومه للتو، عيونه حمراء مثل الدم والصداع لم يترك دماغه. "أنتي مين؟ تنهدت ماجي، "للدرجة دي مش فاكرني؟ أنا ماجي يا آدم. سلامة عقلك." آدم بضعف: "آسف، حاسس إني نسيت كل حاجة." ماجي في سرها: "هو ده المطلوب." جلست ماجي على طرف السرير. "أنا عايزة أطلب منك طلب يا آدم." آدم: "اتفضلي." ماجي: "عايزة أطرد الخادمة هايدي." آدم: "هايدي مين؟
ماجي: "الخدامة اللي أنت كنت جايبها من القرية. الصراحة أصلها بنت كسولة ومش بتعمل حاجة. ومن وقت ما أصابك المرض وهي مش بتعمل حاجة وعمالة تتأمر في القصر كأنه ملكها. هي البنت دي أخت شهد اللي اتقتلت؟ آدم بلا مبالاة: "مش فاكر، اطرديها." خرجت ماجي من غرفة آدم على وجهها ابتسامة كبيرة. أول ما نزلت في الرواق صرخت: "هايدي؟ هايدي؟ البنت جاءت تجري ووقفت قدام ماجي.
ماجي بكبرياء: "أنتي مطرودة. آدم بيه طلب مني أطردك. هديكي باقي حسابك وامشي من هنا." هايدي: "والنبي يا هانم بلاش تطرديني، أنا محتاجة الشغل." ماجي بسخرية: "يلا لمي هدومك وامشي، أحسن ما أطلب من الحراس يرموكي بره." هايدي: "لأ خلاص همشي يا هانم، همشي." جمعت هايدي ملابسها وغادرت القصر. نرجس: "ها عملتي إيه؟ ماجي: "طردتها خلاص." نرجس: "آدم قال إيه؟ ماجي: "آدم مش فاكر حاجة، ده كان ناسي اسمه."
نرجس: "غريبة، اللي وصلني غير كده. الظاهر لازم أعذبهم. كنت فاكرة إنها عين آدم في القصر، لكن طالما معترضش ولا حاجة يبقى المعلومة اللي وصلتني غلط." داخل غرفتها، أشعل آدم الفهرجي لفافة تبغ. فقد عينه في القصر، أضطر يتخلى عنها. ما كانش ممكن يتمسك بيها بعد ما انكشفت. وجودها في القصر كان فيه خطر كبير عليها. كان وعدها يلاقي اللي قتل أختها، وآدم يحترم عهوده، لكن حياتها أهم من انتصاره.
وفكر آدم، ماجي مش بالذكاء ده. الخطر كله جاي من نرجس. الست دي مشعوذة أو ساحرة، كان متأكد جداً إنها الشر نفسه. سعل آدم وبصق من الشرفة وراقب هايدي وهي تغادر القصر. وقبل رحيلها لوح لها. قبل يومين آدم شرح لهايدي إنها ممكن تنكشف، ولو ده حصل ممكن تنطرد من القصر، وعليها أن تنفذ ما يطلب منها دون اعتراض حتى لا يتسرب الشك لقلب ماجي أو نرجس. ***
كانت هناك ديدان سوداء تتلوى داخل اللهب، ديدان متقيحة لكنها حية. ونرجس مغمضة عينيها بتمتم بكلام مقلوب، ثم صرخت. "وبعدين بقى؟ على صرختها دخلت ماجي. ماجي: "فيه إيه يا نرجس؟ مالك بتصرخي؟ نرجس: "كل ما أعمل عمل يتفك." ماجي: "غريبة، أنتِ عمرك ما عملتي حاجة وفشلت؟ نرجس: "مش قلتلك القطة موجودة جوه القصر وحواليه." ماجي: "صبرني يا رب. مالها القطة بقى؟ نرجس: "القطة جواها روح تالا." ماجي: "فتحت بقها بخوف. نرجس، أنتِ بتقولي إيه؟
إحنا مش خلصنا الموضوع ده من زمان؟ نرجس: "أحياناً الأرواح المظلومة مش بترحل، بتظل في بعد تالت بين الحياة والموت." ماجي: "أنا معرفش الكلام ده، أنا مليش دعوة. أنتِ عارفة الكلام ده معناه إيه؟ عارفة محسن الهندواي لو شم أي خبر أو حتى شك فينا هيعمل إيه؟ نرجس: "عارفة، وهو ده اللي مخوفني. محسن الهندواي هيفرمُنا."
ماجي بغضب: "أنا مش مستعدة أفقد حياتي عشان فشلك. دي شيلتك أنتِ ولازم تتصرفي فيها. موضوع تالا لازم يموت زي ما هي ماتت." نرجس: "لازم نتخلص من القطة، لازم نموتها. لو روح تالا بقت طليقة أنا ممكن أحبسها وأقضي عليها." ماجي: "والقطة دي فين بقى؟ نرجس: "أنا بعت الخدم بتوعي لكن بيقولوا إنها محجوبة عنهم. الظاهر إنها في بيت إنسان مؤمن." ماجي: "وهنعمل إيه دلوقتي؟
نرجس: "أنا اللي هعمل. في منطقة معينة الخدم بيقولوا إنها ضلمة ومش بيشوفوا فيها حاجة. أنا هخرج من القصر وهروح المكان ده. أنا شاكة إن القطة هناك." ماجي: "ابعتي معاكي غفير؟ نرجس: "الحاجات دي مش بينفع فيها حراسة ولا سلاح. أنا هروح لوحدي." خرجت نرجس من القصر ومشيت تجاه القرية المجاورة. فضلت ماشية أكتر من ساعتين لحد ما وصلت البيت اللي جواه ديلا والقطة ميمي. وقفت دقيقة مغمضة عينيها
وفي أذنها همس مستمر: "إحنا مش هنقدر ندخل معاكي، لو دخلنا هنتحرق." نرجس: "مش لازم ندخل. خرجولي القطة." الهمس: "مش هنقدر نعمل حاجة طالما القطة جوه البيت." نرجس: "قعدت على جنب الطريق، خلاص نستنى هنا. القطط مش بتقعد في مكان واحد لازم تتحرك." بعد العصر لمحت نرجس ديلا تملأ دلوا ماء من قناية الري. ابتسمت نرجس، "أنتي كمان هنا؟ " لكنها محاولتش تعمل حاجة.
ظلت منتظرة بصبر حتى نزل الليل، وقبل أن ينتصف الليل، خرجت ميمي من البيت. تركت نرجس على الأرض الطعام الذي أعدته بالطلاسم وسابت مكانها ومشيت. وطول ما هي ماشية فضلت تسيب جزء من الطعام ده على الطريق لحد ما وصلت القصر. وجدت القطة ميمي نفسها مسلوبة الإرادة تركض خلف تلك الرائحة حتى أصبحت داخل القصر. نرجس كانت قاعدة جوه القبو المظلم بترسم تمائم على الجدار. عندما دخلت ميمي القصر، نهضت نرجس واختفت بين الأشجار.
شعر آدم بصداع داخل رأسه، وحس إنه مش قادر يقعد جوه الأوضة. خرج إلى الشرفة وقعد فيها يدخن سيجارة. وكان على وشك دخول غرفته، لكنه شاف ميمي بتركض على العشب. ابتسم آدم، وهمس في سره: "أنتي رجعتي يا ميمي؟ وشعر برغبة كبيرة في احتضان ميمي والنظر في وجهها مرة أخرى. نزل من غرفته بسرعة ومشى ناحية الحديقة. ميمي كانت واقفة من غير حركة فوق العشب، ولما آدم قرب منها متحركتش. غريبة، فكر آدم، ميمي مش بتبطل جري.
انحنى عشان ياخد القطة في حضنه وسمع حركة بين الأشجار لكنها اختفت بسرعة. أخد آدم ميمي في حضنه وكان جسمها بارد جداً، مثلج. رزعت نرجس رجليها في الأرض بغضب. "أنت لازم تظهر دلوقتي؟ من خلف الأشجار راحت تبص على آدم بغضب. "ورحمة أمي يا آدم لتكون آخر مرة تشوف فيها روح حبيبتك. ومهما تحاول مش هتعرف تكتشف الحقيقة." قبضت نرجس على حفنة من التراب وبصقت فيه. بصقة كلها دم أحمر ريحته معفنة، ثم بعثرت التراب على الأرض.
صرخت ماجي في حضن آدم، وحس آدم إنها بتتألم. خدها على غرفته بسرعة وسابها على السرير يفكر ممكن يعمل إيه يساعدها بيه. كان واضح إن القطة مريضة وإنها على وشك الموت ومش قادرة تحرك أطرافها. مسك التليفون وبحث خلال النت عن طرق مساعدة القطط المحتضرة. شرد دقيقة ولما رجع بص على ميمي شاف أغرب حاجة في حياته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!