فتحت ديلا عينيها بصعوبة، تتلفت حواليها، خائفة تكون نامت على رجل آدم الفهرجي. لتفاجيء أنها راقدة فوق سريرها متغطية بالبطانية. "نهار أسود! " زعقت ديلا المخضوضة. "حصل إيه؟ مين جابني هنا؟ وإزاي أنا نمت أصلاً؟ معقول يكون آدم بيه هو اللي شالني ودخلني غرفتي؟ أصل أنا بنام زي الميتة! طيب دخلني إزاي؟ جرني مثلاً؟ معقول آدم بيه يكون شالني؟ ولمسني؟
وبدأ عقلها يسرح في تصورات غير منتهية، وابتسامة كبيرة تغطي وجهها المتورد بلون الكاكا. وسرحت رعشة في جسدها، ليست رعشة رعب ولا خوف، بل رعشة قرب وإلتصاق. شعرت ديلا بلذة تغمرها، وأن الكون بحاله لا يمكنه أن يسع فرحتها. ثم سمعت سعال آدم الفهرجي في الرواق، وتذكرت ميعاد الإفطار. قامت بسرعة مهرولة ناحية المطبخ. أعدت الأكل ورصته على الطاولة من غير ما تتكلم، ووقفت بثبات من غير حركة. تضع عينها اللئيمة ذات الجمال على آدم الفهرجي.
"أتمنى تكوني نمتي كويس امبارح،" قال آدم بنبرة مرحة. همست ديلا: "والله يا بيه أنا غاطسة وسط هدومي من الكسوف ومش عارفة أوريك وشي إزاي. سامحني يا بيه، أوعدك طول عمري مش هفتح بقي ولا أقول اقعد معاك ولا مقعدش معاك. أنا مكاني المطبخ أصلاً." ابتسم آدم الفهرجي. لأنها تعرف قدرها. فليست كل الفتيات يتمتعن بالجرأة ليعترفن بالحقيقة. الفتيات يحببن سماع الكلمات العذبة ويعشقن المواربة والطرق الملتوية في الحب.
وكان آدم يتذكر ما حدث بالأمس. يديها التي التفت حول عنقه ببراءة. الجسد المائع الذي حمله، وغاص بداخله. حتى وهي نائمة بدت مبتسمة كشعلة يونانية. لقد تشعلقت بعنقه ورفضت أن تتركه، مما اضطره أن يجلس جوارها. كان خجل من تلك التفاصيل التي حدثت، ولا يرغب في تذكرها. "سامحني يا آدم بيه، لكن فيه سؤال محيرني ومكسوفة أقوله." رفع آدم يده: "قولي يا ديلا." "هو أنا وأنا نايمة عملت حاجة ضايقتك؟ أصل أنا بخاف أزعلك حتى لو كنت نايمة."
انبهر آدم من سلاسة وصفها وحسن تعبيرها، وكيف استطاعت بمجرد كلمتين التعبير عن نفسها. "بعد كده لما تنامي تدخلي غرفتك. الفوضى والتسيب اللي حصل امبارح ده مش ممكن يحصل تاني." "ديلا، حاضر يا بيه، حاضر. أصل الحقيقة أنا مش بحب أشوفك قاعد لوحدك من غير ما حد يونسك. بتصعب عليا. قصر كبير ملوش آخر وحضرتك وحيد فيه."
وشعر آدم بالوجع. شعور مؤذي أن تكون وحدتك نابعة من داخلك، ولا علاقة لها بالأماكن أو الأزمنة ولا البشر. ماذا تحاول أن تفعل تلك الفتاة البربرية؟ لما؟
تنبش في أعماقي وتؤجج المشاعر التي تخلصت منها منذ زمن طويل. لقد انتهيت. أن تورطك في علاقة بشرية قد يعني هلاكك. البشر مؤذون، خاصة النساء، وأنا قلبي موصد. أغلقتُه بالقفل والمفتاح، ولا رغبة لدي في معايشة تلك الأوقات المأساوية مرة أخرى. فلا يوجد شخص يستحق أن تقضي الليل تكافح دموعك من أجله. وكلما شعر آدم الفهرجي براحة في الكلام مع ديلا، شعر بالقلق. هذه الأحاسيس والمشاعر ماتت، ولابد أن تظل ميتة. ثم لماذا أسمح لها بالكلام؟
وكان عقله يصرخ: خائنة، خائنة. لكن خائنة لمن؟ ما الذي يربطه بها ويشعر من خلاله بالخيانة؟ إنها مجرد خادمة وهو رب عملها. "أنا بحب أقضي أوقاتي لوحدي يا ديلا. أجد سعادتي في العزلة والبعد عن الناس." ديلا: "ده كلامك برضك يا بيه؟ واحد زيك متعلم وقارئ كتب كتيرة يقول الكلام ده؟ مفيش أحسن من الرفقة."
نظرت ديلا ناحية آدم الفهرجي. كان قلبها يدق بسرعة، خائفة الصبية أن يقفز قلبها خارج صدرها ويفضحها. حزينة لبعد المسافات. وكانت كلما شعرت بعاطفة نحو آدم بكت. إنها مجرد خادمة وهو صاحب القصر. تأملت هذا الوجه الوسيم وأشاحت برأسها لبعيد. بعيد جداً حيث البيت الطيني وقلل المياه، الطشت والغسيل والأواني القديمة. "إعلان بفكر أطلع للتخييم فوق التلة، محتاج أشم هواء نقي. من فضلك حضري شنطتي والخيمة المتنقلة."
ابتسمت ديلا: "طبعاً أنا هخرج معاك يا بيه؟ صمت آدم، ثم قال بحزم: "لا، انتي هتفضلي هنا في القصر. أنا هاخد محمود." شعرت ديلا بحزن وفقد، لكن ما باليد حيلة. أحنت رأسها وقالت: "حاضر." أعدت ديلا كل الأشياء التي أمر بها آدم الفهرجي. وكانت مستيقظة صباح اليوم التالي عندما تحرك الباشا رفقة محمود البستاني نحو التل. محمود البستاني: "فين الحاجات اللي طلبها الباشا يا بت انتي؟ ديلا: "كل حاجة جاهزة في الشنط."
البستاني: "طيب يلا غوري من هنا! نظر محمود البستاني تجاه آدم الفهرجي الذي كان مشغولاً بحصانه، ثم أخفى حقيبة تحت كومة قش وانطلق مع الباشا ناحية التلة. بعد ساعة وصلا التلة. أمر آدم البستاني أن ينصب الخيمة على بال ما يغير هدومه. صرخ البستاني: "البنت دي غبية قوي يا باشا! " وفتح الحقيبة أمام عيون آدم. "البنت نسيت تحط الخيمة. أنا هروح أجيب الخيمة وأرجع بسرعة يا باشا. قبل ما الشمس تبقى سخنة هكون هنا."
نزل محمود البستاني التلة وترك آدم الفهرجي يتجول بين الأشجار والأزهار. وركض ناحية القصر. "والله احلوت يا واد يا محمود. القصر فاضي هتاخد راحتك المرة دي. محدش هينقذها من بين إيديك." دخل البستاني القصر وصرخ بغضب: "انت يا بت يا غبية! فين الخيمة بتاعة الباشا؟ ديلا: "والله حطيتها جوه الشنطة." البستاني: "امشي انجري على المخزن، انتي نسيتي الخيمة يا حلوة."
تابع البستاني ديلا وهي تركض ناحية المخزن، نادبة حظها السيء. أكيد آدم بيه زعلان منها. انطلق البستاني خلف ديلا ناحية المخزن الذي يقع في آخر القصر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!