اليوم غادرت فراشي، ارتديت ملابسي، خرجت من باب القصر. قد تبدو أفعالاً بسيطة، لكن عندما تكون محبطاً، أو مكتئباً، أو تكاد تهزم في صراعك مع عقلك، تصبح تلك الأشياء البسيطة إنجازات ضخمة.
داخل الحديقة، لسع آدم نسيم بارد. جلس على الأريكة، يأبى الاستسلام. أشعل لفافة تبغ. كان القمر الوليد يضيء العالم، لكن قمره منطفئ ولا يعرف طريقه. الجو ساكن، يكاد يسمع أصوات الحشرات. عقله يعانده، يريد أن يدخل في حالة سبات، لكن آدم يرغب به صاحياً مستيقظاً. ظهرت الهرة ميمي من بين الأشجار، وفتحت نرجس عينيها بقلق داخل غرفتها المنعزلة.
ابتسم آدم لرؤية الهرة اللطيفة ومد يده لها، لكن القطة كانت مذعورة. عيناها مثبتتان على باب القصر. "متخافيش تعالي، محدش يقدر يأذيكي، انتي من ريحة الحبايب." همس آدم. لفت القطة حول الأريكة ثم قفزت في حضن آدم. راح آدم يداعب شعر الهرة الناعم.
رفعت الهرة وجهها تجاه آدم ولعقت خده. وللحظة لمح آدم العيون الواسعة التي ذكرته بالماضي. تدافعت الذكريات على عقل آدم وحدق بالهرة، عيونها تشبه عيون تالا. همس آدم في سره وخيل له أنه للحظة رأى وجه حبيبته الميتة. حاول أن يقرب الهرة أكثر، لكن ميمي قفزت بفزع وهربت من حضن آدم عندما انفتح باب القصر وخرجت منه نرجس. تأمل آدم الهرة الهاربة والتي كانت هادئة منذ لحظة، ولم يسعفه عقله بتخيل الخطر الذي دفعها للهرب بتلك الطريقة.
"من أول لحظة شفت فيها نرجس وهو مش مطمنلها، وشها مريب وقاتم." نرجس واقفة على باب القصر، يكاد آدم يجزم أن هناك طيف يقف خلفها. "نفس آدم دخان السيجارة وزعق: فيه إيه يا نرجس؟ "مستحيل." همست نرجس لنفسها. "إلى عملته في آدم المفروض يخليه زي العجين." "نرجس مفيش يا بيه، أنا سمعت حركة فقلت أقوم أطمئن." "متخافيش، فيه حراس هنا، تقدري ترجعي غرفتك." بوجه شاحب عادت نرجس لغرفتها. "والله لأربيك، هعذبك، إنت ليه مش قايم بشغلك؟
همس في أذن نرجس: "الراجل محمي؟ "بلا محمي بلا نيلة، اتصرف." "فيه حراسة عليه." "أمال أنا عملت إيه؟ دور على قرينه، شوفه مختفي فين وتواصل معاه، أنا قربت أزهق وإنت عارف نرجس لما بتزهق بتعمل إيه؟ لمس الصوت الهامس أذنه المقطوعة: "عارف، عارف، أوامر السيدة ستنفذ." دخلت نرجس غرفتها المظلمة الباردة المنبعث منها رائحة متعفنة. "إنت بتعمل إيه هنا؟
" سألت طيفاً مهتزاً في ركن الغرفة بعيون غاضبة. ثم أخرجت ورقة ورسمت دائرة داخلها ثم لطختها بالدم وأحرقتها. قطعت ديلا مسافة لا بأس بها. منذ أكثر من ساعة وهي ماشية في الطريق. القصر كان بدأ يظهر قدامها. روحها مبتسمة ووشها محمر. هتشوف آدم. هناك أشخاص مجرد مرورهم في الذاكرة كفيل بتصدير الفرحة. ثم لمحت ميمي تجري ناحيتها قادمة من عند القصر. "إنتي رايحة فين؟ "رايحة القصر." "ارجعي، مش لازم تروحي القصر دلوقتي خالص. القصر خطر."
ميمي تعرف أن القصر خطر على ديلا. "هو فيه إيه النهاردة يا ربي، كل ما أكلم حد يقولي القصر خطر، القصر خطر؟ "أيوه القصر خطر، ميمي تقول الحقيقة، القصر خطر على ديلا." "داخل القصر يسكن شر مقيم وأرواح شريرة." "أرواح شريرة؟ يعني آدم في خطر؟ "آدم يعرف طريقه، اتبعيني قبل ما ننكشف، أنا حاسة إني متراقبة." تعرف ديلا أن الهرة ميمي لا تكذب وأنها أنقذتها أكثر من مرة، لذلك تثق بها. استدارت ديلا ورجعت من حيث أتت.
"خطر إيه اللي جوه القصر يا ميمي؟ "خطر على آدم، خطر على ميمي، ميمي تشعر بالألم، تشعر أن معدتها تتقطع." وصلت ديلا القرية ولم يكن أمامها غير بيت الست العجوزة التي رفقت بها وسمحت لها بالأكل داخل بيتها. طُرقت ديلا باب البيت. "ادخلي! دخلت ديلا ودخلت وراها القطة ميمي. "إنتي جايبة ضيفة معاكي؟ "ضيفة إيه؟ دي القطة بتاعتي." "القطط ضيوف أيضاً."
نظرت المرأة تجاه ميمي ونظرت ميمي تجاه المرأة. كان مشهداً غريباً تلاحظه ديلا، العيون تنظر لبعضها. نهضت المرأة بتعب، ملأت جركن ماء وتوضأت وتركت الماء فيه. ومدت يدها لميمي: "تعالي اشربي، شكلك عطشانة." شربت ميمي من الجركن. "اغسلي جسمك فيه." قفزت ميمي داخل جركن الماء وغسلت نفسها. "إنتي رجعتي ليه؟ "فكرت في كلامك، عندك حق، واضح إن القصر خطر دلوقتي."
"القصر خطر." قالت المرأة بابتسامة بعد ما ميمي قربت منها وقعدت تملس على جسمها. "كل مكان لا يذكر فيه اسم الله خطر." شعر آدم بألم حاد في دماغه. لا يعرف إلى متى يمكنه تحمل ذلك الوجع. أقراص أدوية تغيب العقل، وآلام لا يعرف سببها. ثم لم يقدر على نصب طوله. صرخ صرخة كبيرة ووقع على الأرض. سمعته ماجي، نزلت تجري على الحديقة. بمساعدة الخدم، وصلت آدم داخل القصر. كان فاقد الوعي. خرجت نرجس من غرفتها وابتسمت بسخرية.
"شكله بيموت، أنا مش حاسة بنبضه؟ "متخافيش، إلى عايزاه حصل." "فتحت عينيها بغضب وهمست: اسكتي هتفضحينا؟ "متقلقيش، هو مش حاسس بحاجة." "الحرص واجب، اسكتي يا نرجس." نيمو آدم على السرير، وطفوا النور زي ما نرجس أمرتهم. غادروا كلهم الغرفة. بعد نص ساعة، فضي القصر وكل واحد راح على غرفته. انفتح باب غرفة آدم ودخلت أقدام خائفة ماشية على أطراف صوابعها. قربت من السرير. فتح آدم عينه بضعف وبص على البنت. "سمعتي حاجة؟ "أيوه سمعت."
"سمعتي إيه؟ "روت لآدم الحوار اللي دار بين نرجس وماجي." "مجبوش سيرة ديلا؟ "لا." "محمود الجنانى قرب منك؟ "أيوه محمود الجنانى على طول قريب من القصر وأحيان بشوفه جواه، بس بيجي في وقت متأخر أوي." "خلي بالك، أوعي تقعي في ألاعيب محمود الجنانى أو تبعدي عن القصر." ثم صوب آدم نظره لوجه الفتاة التي تشبه أخته حقاً. "خليكي صاحية وفتحي عينيكي، أي حاجة تسمعيها احفظيها وقوليلي عليها." "حاضر." "ارجعي مكانك دلوقتي و خليكي حذرة."
"حاضر." انغلق باب غرفة آدم مرة تانية. آدم ولع سيجارة. زي ما توقع من أول ما شاف نرجس وتذكر الماضي. تذكر أنه شافها قبل اختفاء تالا خطيبته. كانت دايماً ماشية معاها في كل مكان. وجودها داخل القصر مش صدفة زي ما توقع. شرد آدم دقيقة. تمنى ألا تعود ديلا القصر الآن. لازال لا يعرف ما تخطط له ماجي ونرجس، لكنه متأكد أنه شر، شر كبير. آدم غير مستعد لفقد ديلا زي ما فقد تالا. ***
في مكان آخر. جلس ضابط شرطة يقلب الأوراق أمامه. طرد وصله من شخص غريب في صور لقضية كان ماسكها زمان، قضية فشل في حل ألغازها وكانت سبب في نقله من مكانه وتخفيض رتبته. داخل الطرد كان فيه صور لماجي ونرجس. الضابط مسك الصور: "مفيش جديد، ليه الصور دي اتبعتتله دلوقتي؟ الضابط متذكر أنه حقق مع الناس دي زي كتير غيرهم، وما طلعش بأي نتيجة. تكأ الضابط على مقعده. ليه صور الشخصين دول اتبعتتله دون عن صور كل المشتبه فيهم.
على ضهر صورة ماجي مكتوب: "افتح القضية تاني وانتظر معلومات جديدة." ولع الضابط سيجارة. مش معقول هيقدم طلب يفتح بيه قضية عشان صورتين وصلوله؟ ترك الملف جنبه على الطاولة ونام على السرير وغمض عينيه وهو ساند دماغه بإيده بيفكر. ليه الطرد وصله على البيت مش الشغل؟ *** في غرفة ماجي. "إنتي دخلتي هنا إزاي؟ " قالت ماجي بذعر وهي بتبص على نرجس. "أنا نرجس يا ماجي، عارفة يعني إيه نرجس؟ "فيه إيه؟ " قالت ماجي بخوف.
"حطي البنت الشغالة تحت عينك ولو تعرفي تطرديها، اطرديها." "تقصدي الخدامة اللي جايبها آدم؟ "أيوه هي بعينها." "عملت حاجة البنت دي؟ "نفذي المطلوب، دي أوامرهم وإحنا علينا الطاعة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!