كان آدم الفهرجي كلما جلس على سطح القصر رأى تلك الفتاة. باهتة الملامح، جالسة على الطريق، رأسها بين ركبتيها، تحدق بشرفات القصر. وقت العصرية! باتت رؤيتها كل يوم أمراً معتاداً بالنسبة لآدم الفهرجي. حتى أنه قام برسمها خلال لوحاته، جالسة مثل قديسة ووجه غامض. ثم فكر آدم الفهرجي أنها من الممكن أن تكون فتاة مسكينة تحتاج لمساعدة. وجلوسها أمام القصر إنما لقلة حيلتها.
طلب آدم الفهرجي الخادمة شهد وأمرها أن تذهب لتلك الفتاة وتسأل عن قصتها. إن كانت في حاجة لمساعدة، عليها أن تجلبها لداخل القصر. لمح محمود البستاني شهد تسير ناحية بوابة القصر. "إنتي رايحة فين يا بت؟ قالت شهد: "آدم بيه شاف بنت قاعدة قدام سور القصر وباعني أجيبها عنده لو كانت محتاجة مساعدة." فكر محمود البستاني: "بنت مين دي إلى قاعدة جنب أسوار القصر؟
أنا بخدم هنا من زمن طويل وعمري ما شفت فتاة من بنات القرية بيتجرأوا ويقعدوا قدام القصر." صرخ محمود البستاني في شهد: "ارجعي إنتي القصر وأنا هروح أشوف حكاية البنت دي إيه." خرج البستاني من القصر وسار تجاه الناحية الشمالية حتى اقترب من ديلا. عنيها لمعت لما شافها قاعدة جنب السور. "إنتي يا بنت بتعملي إيه هنا؟ يلا امشي انجري ولا عايزاني أجر*ج*رك من شعرك لحد بيتكم؟
الباشا أمرني آخدك من إيدك وأوصلك لأبوكي عشان يربيكي، لكن أنا هعمل بأصلي وأسيبك تمشي لوحدك." نهضت ديلا بحزن، تركت مكانها ومشيت ناحية بيتها. "الهذه الدرجة يكرهني آدم الفهرجي ولا يرغب برؤيتي؟ وكان حزنها مضاعفاً. لقد فقدت آخر أمل لها، الحلم الذي كانت تتغذى عليه. رجوعها للقصر مرفوعة الرأس بعد أن يعرف آدم بيه الحقيقة. وتذكر محمود البستاني كل ما حدث بينه وبين ديلا وكيف هربت من إيده أكتر من مرة.
تذكر جس*دها الذي لمسه بالكاد ثم تبخر. وقصد دكان القرية لشراء علبة سجائر. خلال الطريق خاطبته سعدية، امرأة أربعينية تبيع الخضروات. "هو إنت مش ناوي تتجوز يا من*يل إنت؟ ابتسم محمود البستاني بلؤم: "إيه؟ عندك عروسة ليه؟ "غالٍ والطلب رخيص بس متنساش الحلاوة بتاعتي." فتح البستاني فمه: "مين يا سعدية؟ صرخت سعدية: "ديلا بنت محمود النزاوى." تصلب جسد محمود البستاني وقرب من سعدية: "بتقولي إيه يا ولية إنتي؟
"زي ما بقلك كده، أبوها حالف يجوزها لأول واحد يطلبها، البنت حلوة وخسارة والله." لم يكذب محمود البستاني خبر. أخذ بعضه على منزل محمود عبد النزاوى والد ديلا وطرق الباب. كان الرجل غاطساً في سروال أبيض طويل يغطي سيقانه النحيلة، وفلنة نص كم ممزقة. جلس البستاني واحتسى الشاي الذي صنعته والدة ديلا. "أنا طالب بنتك للجواز يا محمود وهدفع مهر كويس." تململ
محمود في جلسته ورد بغضب: "حتى من غير مهر أنا موافق، أنا عايز أخلص من البنت دي بعد ما جابت راسي في الطين." "طيب نقرأ الفاتحة يا عم محمود؟ "نقرأ الفاتحة والكتاب والفرح الأسبوع اللي جاي، ولا أقولك مش لازم فرح هاخدها على كده خليها تغ*ور من وشي." غادر البستاني منزل والد ديلا يتنطط من الفرح. "ديلا ستصبح ملكي، سأريها العذاب ألوان. تلك اللعينة التي شقت دماغي." ثم ابتسم بشراهة وتلوى طيف ديلا داخل عقله.
"هذا الجسد وتلك القسمات سوف تصبح ملكي وحده، سينغلق عليهم باب واحد وأتمتع بأنوثتها ودلالها." دخل والد ديلا على ابنته التي كانت مضجعة على سرير مكسر من الخشب. "فزي قومي يا بت، فيه عريس اتقدملك وأنا وافقت عليه." كانت ديلا تعلم أن هذا اليوم قريب وأنه آت لا محالة. كانت مدركة لتعاستها وأن الحياة لن تمنحها السعادة. زعق والد ديلا: "مش عايزة تعرفي عريسك مين؟ مكنش فارق مع ديلا اسم العريس.
لقد حكم عليها بالحزن والتعاسة فظلت صامتة دون كلام. قال والد ديلا: "عريسك محمود البستاني." سمعت ديلا الكلمة التي اخترقت أذنها وانهار جسدها على الأرض. سقطت من طولها كأنها م*يتة. صر*خ والد ديلا: "لو كنتي فاكرة دلع البنات ده هياخد معايا تبقي غلطانة، كتب الكتاب والفرح الأسبوع اللي جاي." ثم ترك ديلا فاقدة للوعي وصرخ في زوجته: "ادخلي رشي عليها شوية ميه خليها تفوق."
شقت والدة ديلا بصلة قربتها من أنف ابنتها ورشت عليها نقط ماء حتى استعادت وعيها. وكان وجه ديلا قاتم أصفر مثل زهرة ذابلة وعيونها دامعة نازلة مثل شلال. "بلاش ده والنبي يا أمي، جوزوني لأي واحد غيره أنا راضية والله ومش هفتح بوقي لكن بلاش ده يا أمي." وراحت تبكي وتنوح. قالت أم ديلا: "والدك أمر يا بتي وأنا مليش كلام بعد كلامه." صر*خت ديلا ببكاء: "ه*قتل نفسي لو جوزتوني للراجل ده يا أمي، والله حرام اللي بيحصل معايا ده."
وكان والدها يسمع كلامها، كاتم لغضبه. وسمع صر*اخ ديلا: "مش هجوزه، مش هجوزه." سحب والد ديلا عصا غليظة يحشر بها باب المنزل كل ليلة قبل نومه. اقت*حم باب غرفة ديلا، دفع والدتها خارج الغرفة وأغلق الباب. ثم صر*خ: "هو إنتي محدش مالي عينك يا بت إنتي؟ عايزة تفضحينا تاني؟ ارتمت ديلا على قدمي والدها وراحت تقبلهم. "بلاش ده والنبي يا أبوي، جوزني أي واحد غيره، عشان خاطري يا أبوي بلاش محمود البستاني."
صرخ والد ديلا: "إنتي هتتجوزي اللي أنا اخترته، أنا اديت الراجل كلمة عايزة تطلعيني عيل يا بت وسط الرجالة؟ عايزة الناس تقول معرفش يربي بنته!؟ "أبوس إيدك يا أبوي بلاش محمود، هعيش خ*دامة هنا جوه البيت وطول عمري مش هطلب حاجة؟ رفص محمود النزاوى جسد ديلا بعيداً عنه، وبرقت عينيه من الغضب ولوح بالعصا في الهواء. "الظاهر أنا معرفتش أربيكي يا بت." وض*رب ديلا بالعصا. عدت ضربات سريعة متتالية في كل نواحي جسمها.
"أنا هم*وتك من الض*رب يابت، هخليكي تروحي بيت جوزك مكسحة، عايزة الناس تاكل وشي؟ مش كفاية اللي عملتيه قبل كده؟ وانهال بالضرب على الجسد الأبيض وجعلت ديلا تص*رخ وتركض داخل الغرفة من الألم ووالدها يلاحقها بالضرب حتى حشرها جوار الباب ولم تستطع ديلا الفكاك منها. استسلمت ديلا للض*رب، كانت حامية دماغها بإيديها والنزاوى نازل ضرب فيها. صر*خت والدة ديلا: "مش كفاية يا حج البنت هتم*وت في إيدك." فتح النزاوى باب الغرفة وص*رخ
في وجه زوجته: "كله منك إنتي يا وش الفقر، لو كنتي عرفتي تربي بنتك مكنش حصل كل ده." ترك النزاوى جسد بنته متكوماً على الأرض وغادر الغرفة نحو مقهى القرية. كان يحتاج أن يدخن، أن يظبط مزاجه، أن ينسى كل ما حدث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!