الفصل 38 | من 68 فصل

رواية خادمة القصر الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
19
كلمة
2,585
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

هثقبت الأعيرة النارية سيارة الترحيلات، وقتلت سائق الشاحنة والعسكري المرافق له. اخترقت صندوق الشاحنة ومزقت جسد ماجي ونرجس. امتلأت السيارة بالدماء التي أغرقت الأرض المترتبة. اشتبكت قوات الحراسة مع المهاجمين وأجبرتهم على الانسحاب. كان آدم أيضاً يطلق الرصاص من مسدسه المرخص. عندما انفتح صندوق السيارة، كانت نرجس وماجي ممددتين على أرضية السيارة جثة هامدة. وصلت قوة الدعم وتحول المكان إلى خلية من الجند والقيادات.

اتكأ آدم على سيارته وأشعل لفافة تبغ وأطلق عدة أنفاس غاضبة. الدليل الوحيد قُتل. داخل مركز القرية، اعترفت نرجس وماجي بتلقيهما أوامر القتل من محسن الهنداوى، لكن تلك الأقوال لم تسجل في محضر رسمي. الضابط الكبير أمر مدحت معاون الشرطة بإرسال المجرمتين للقاهرة. تنهد آدم. دائماً هناك موظف كبير، قيادي كبير، ضابط كبير، شخص كبير.

بصق آدم على الأرض، ركب سيارته وانطلق نحو القاهرة. كان البدراوي في انتظاره، لاستلام جثة تالا ابنته بعد سنين من وفاتها. كانت أول مرة يلتقيان فيها بعد طول غياب. اندفع البدراوي في حضن آدم وهو يجهش بالبكاء. "تالا يا آدم، إنها هنا حاضرة أمامي. أكاد أشم رائحتها." "وحد الله يا عمي. ادعُ لها بالمغفرة." "البنتين المجرمتين لازم ياخدوا إعدام." "للأسف مش هيحصل." "إزاي بتقول كده؟ "لأنهم ماتوا، اتقتلوا في حادث مدبر."

"قلبي ارتاح لما سمعت الخبر." "لكن أنا ما ارتحتش. المجرم الرئيسي قدر يهرب." "مجرم مين يا آدم؟ "محسن الهنداوى. ماجي اعترفت إنه اتفق معاها تتخلص من تالا." "مش معقول! انت إزاي بتقول كده؟ أنا بعتبره محسن زي ابني، وريثي الوحيد بعد ما فقدت تالا." "أنا بقولك الحقيقة يا عمي." "الكلام ده مثبت في محضر رسمي؟ "للأسف لا. الموضوع كبير، ومفيش أدلة على محسن الهنداوى." "آدم، ابني؟!

أنا عارف العداء اللي كان بينك وبين الهنداوى لأن تالا اختارتك أنت. لكن ما تنساش إن محسن الهنداوى كان شريك في تجهيزات العرس وكان فرحان عشانك. متخلينيش أندم إني وافقت على خطوبتك من بنتي. أنا بسببك اخترت عداوة الدنيا كلها، أنت عارف كده كويس. لكن توصل لرمي الناس بالتهم من غير أدلة أنا مش هسمحلك بكده!

بدرت من آدم نظرة حانقة ولم يكن قادرًا على كتم غضبه. كان آدم يعتبر أن البدراوي شريك في موت ابنته ويتحمل المسؤولية أيضاً، بعدما اختار الزواج من امرأة أخرى، والتي بالصدفة كانت والدة محسن الهنداوى، عدو أعدائه. "بسخرية، لازم تعتبره ابنك طبعاً، مش والدته مراتك؟ وكان لازم تكتب له جزء كبير من تركتك، رغم إن بنتك تالا كانت لسه عايشة. ما خطرش في بالك إن ده ممكن يؤثر على نفسيتها؟

"آه قول كده بقى، قول إنك كنت طمعان في فلوسي، مصانعي وشركاتي، عزبي وأراضي وسلسلة المحلات الشهيرة اللي بملكها." "كل اللي همك الفلوس،، الفلوس اللي هتخليك تتستر على قاتل بنتك الحقيقي؟ "ابعد من هنا. أنا مش عايز أشوفك ولا أسمع صوتك مرة تانية. مش كفاية بنتي ماتت بسببك؟ لو كانت اتجوزت محسن الهنداوى كان زمانها لسه عايشة." "أنا بقولك الحقيقة، ورحمة أمي ما هسيب محسن حتى آخر يوم في عمري."

"امشي من هنا. ارجع للبهايم والحمير اللي أنت اخترت تعيش وسطهم. لو شفتك هنا تاني حتى صدفه هسلمك للشرطة." "أنت تعرف إن محسن الهنداوى بعت البنتين دول عشان يخلصوا مني؟ ما كفاهوش كل حاجة أخدها، عايز يستولي على القصر وأرضي كمان، عايز يقتلني زي ما قتل تالا." "امشي يا آدم، امشي وبلاش تلعب مع الكبار. واحمد ربنا إني حزين على بنتي. أنا لحد دلوقتي مقدر إنك كنت خطيبها." أدار ظهره لآدم معلنًا انتهاء الكلام.

تم نقل تالا لمقابر عائلة البدراوي ودُفن ما تبقى منها. زرع آدم وردة فوق قبرها وانتحب مثلما لم ينتحب من قبل. لتوه، هاجمته كل الذكريات الجميلة رفقة تالا. تذكر كل ضحكة، كل مزحة، كل مقلب وكل نزاع دار بينهما. حضرت الكلمات كأنها قيلت للتو وظل جوار قبرها حتى غابت الشمس.

ودع تالا وانطلق بسيارته نحو القصر. لا شيء يدفعه للبقاء بعد تالا، لا شيء على الإطلاق. لكن شيء بداخله كان لم يهدأ بعد. قطرة ماء في وعاء على نار تغلي. محسن الهنداوى. قاد آدم سيارته نحو القصر، كان نبضه يخفق بشدة، يقول إن الأمور دخلت في الجد. ومضى مسرعًا في الطريق.

كانت الأشعة الباهتة الهزيلة تختفي في ظلال المساء. كل شيء في الحقول وتحت البيوت الداكنة، وعلى الطريق المليء بالتراب والوحل والذباب يهتز وينبض بإرادة حياة جديدة وهو يشيع آخر شعاع للنهار. سكن آدم قليلًا ونظرته ممتدة إلى الحقول الشاسعة الخضراء، وسرت الرياح الفاترة بوشوشتها بين أعواد الذرة، وحمرة الأصيل تسكب ألوانها الشاحبة. عرج على منزل محمود النزاوى، أوقف سيارته ودخل المنزل الطيني المدخن. طلب من النزاوى يد ابنته ديلا.

"انت عايز تتجوز بنتي يا بيه؟ "أيوه يا عمي، أنا يشرفني أطلب إيد بنتك للجواز، ويا ريت كتب الكتاب يكون دلوقتي لو معندكش مانع." "برهبه وفرحه، الشرف ليا أنا يا باشا والله. البت ديلا طيبة وتستحق كل خير." "أنا هدفع كل طلباتك." "طلبات إيه يا آدم باشا؟ احنا كل هنا داخل القرية نتمنى نخدمك مش نناسبك." زغرتي يا مرة وصرخ في زوجته المبهمة التي تقف على ضلفة الباب. أطلقت المرأة زغروته طويلة تشبه نغمة ناي عتيق.

"يا ألف مرحبى، يا دي الهنا يا ولاد. آدم بيه هيتجوز بنتي؟ نهض آدم وقبّل يد المرأة المقشفة المتشققة من أعمال العزاقة والحفر في الحقل. "أنا عايزة أعترف بحاجة يا بيه، قدام الراجل المخرف ده، وكأنها أمام قاضي محكمة." رحل كل خوفها وقالت الحقيقة التي كانت تكتمها. قالت المرأة بفخر: "أنا اللي هربت ديلا وكذبت على الحاج. كان عايز يجوزها للمجرم محمود الجنانى."

صرخ النزاوى: "أول مرة تعملي حاجة عدلة في حياتك. أنا مسامحك عشان خاطر الباشا." حضرت ديلا لمنزل والدها. كان على المأذون أن يسمع موافقتها على الزواج بنفسها. مضى كل شيء بسرعة. ورافق آدم زوجته داخل السيارة نحو القصر وسط تصفيق أهل القرية على الطريق الذين التفوا حول السيارة. ترجل آدم من السيارة وسبق ديلا ناحية باب القصر. "استنى رايح فين؟ مش تاخد بإيدي زي اللي بشوفه في الأفلام والمسلسلات." "بلاش تفاهة!

إيه المعنى إن اتنين هيقضوا حياتهم كلها مع بعض، يمسكوا إيديهم من أول لحظة؟ هذه اللمحات المملة اخترعها شخص مغيب يفتقد للأمان." "لكن أنا عايزك تمسك إيدي وتحضني واحنا داخلين القصر قدام كل الخدم. مليش دعوة، هزعل!! رمقها آدم بعصبية. "تعالى هنا بسرعة." ركضت ديلا ووقفت أمام آدم بعيون متسربلة وخد ناضج، شبعه مغمضة. "عايز فنجان قهوة بسرعة." "أنا مش خدامتك! قبض آدم على شحمة أذن ديلا وفركها. "خلي أيامك تعدي معايا."

ولم يكن من ديلا إلا أن ركضت نحو المطبخ بوجه عابس وقلب يتنطط من الفرحة. وضعت ديلا القهوة أمام آدم. التقط آدم القهوة ورشفها بلذة وهو يشعل لفافة تبغ. "وهي جالسة على المقعد جوار آدم تقضم أظافرها." "ها نعمل إيه دلوقتي؟! "بلا ملاعبة ولا حاجة." "نعم؟ بتقول إيه، مش إحنا فرحنا الليلة؟ "يعني إيه فرحنا الليلة؟ إيه الألفاظ السوقية دي؟ أنا غير مهتم على الإطلاق بهذه المنطقيات الرسمية." حدق آدم بوجه ديلا وفكر. غريبة؟

كانت تلك العينان الجميلتان تغوصان في داخله منذ زمن طويل. نهضت ديلا مأخوذة بشوق ولهفة، جذبت آدم وأنهضته، نزعت لفافة التبغ من فمه، ولامست بخدها خده. كان إيماءه مذهلة، دافئة، أوقفت نبض قلبه للحظات، ثم ركضت نحو غرفتها. امتص آدم ما تبقى من لفافة التبغ بهدوء وسلام، ثم نادى على ديلا. "أنا عايز آخد حمام، حضريلي الهدوم." "لوحدك؟ جذبها نحوه وصفعها على خدها بحنان. "إذا اقتربتي مني هعمل جريمة."

في تلك اللحظة، ظهرت القطة ميمي في الرواق، كانت تنظر إليهم بدهشة. انتبهت ديلا. "تركت يد آدم وركضت نحو ميمي. ازيك يا ميمي؟ أنا كنت خايفة عليكي، انتي كنتي مختفية فين!؟ آخر مرة شفتك كنا عن الست اللي في البيت القديم." لم ترد الهرة، أرتعشت شاربها بسخرية. "أنتي زعلانه مني ليه؟ أنا نفذت كل أوامرك؟ هزت الهرة ذيلها بلا مبالاة. "ردي علي من فضلك." "أنتي اتجننتي!؟ عايزة قطة ترد عليكي؟

"بأعين دامعة، أرجوكي ردي علي يا ميمي، عايزة أسمع صوتك مرة تانية." قفزت الهرة من حضن ديلا ودخلت المطبخ. أمر آدم الخدم أن يضعوا اللبن للهرة ميمي. وكانت ديلا منكمشة على نفسها جالسة على المقعد تبكي. "هي مش عايزة ترد عليه ليه يا آدم؟ "القطط مش بتتكلم يا ديلا." "والمصحف كانت بتتكلم معايا زيك بالظبط، وساعدتني كتير أوي، هي اللي أنقذتني من الموت."

شعر آدم أن ديلا تقول الحقيقة وتذكر عندما كان في غرفته وصورة تالا حبيبته عندما خرجت من فمها. وفكر: لابد أن روح تالا كانت تسكن الهرة. وشعر بحزن عميق لأن روح تالا لم تتحدث إليه واختارت ديلا. "امسحي هدومك وخذي شاور، ميمي هتفضل عايشة معانا لكن مش هتتكلم تاني. اللي حصل كان شيء خارق للعاده ولن يعود مرة أخرى."

تجملت ديلا، كانت حسناء وأنيقة داخل فستانها الجديد. وكان آدم لا يزال جالسًا على مقعده يطالع رواية جديدة اسمها "أميرة القصر المجهولة" لكاتب مغمور لم يسمع عنه من قبل اسمه إسماعيل موسى. وكان في حالة من الشرود يقلب الصفحات باهتمام عندما خرجت ديلا. "تصوري؟ " قال آدم. "الرواية دي بتتحدث عن المستذئبين والنمورين وداخلها قصة حب مستحيلة." "نحّي الرواية على جنب." قبضت على يد آدم وجذبته نحو السلم بالعافية. "انتي بتعملي إيه!؟

اللي بتفكري فيه ده لا يمكن يحصل. أنا ضد اللمس، ضد الحب، ضد العواطف." واصلت ديلا جذبه ودفعته داخل الغرفة. "سيبك من الكلام اللي متفلسف ده، أنا زهقت منك ومن الروايات ومن كلامك المعقد اللي مش بعرف أفهمه." ثم دفعته نحو السرير. همس آدم: "بتعملي إيه؟ أنا آدم الفهرجي! "بلا فهرجي بلا نيلة، أنت جوزي، مش عايزآك تفكر في حاجة تاني." أخرج آدم لفافة تبغ وهم بإشعالها. سحبت ديلا السيجارة من فم آدم وأطفأت نور الغرفة.

"على ما أتذكر انتي بتخافي من الضلمة؟ "إزاي أخاف وانت جنبي؟ كقمر فضي يلمع وسط الظلام، ترتسم ابتسامة على شفتيها. جلست ديلا جوار آدم. "عندما كان هايدن يؤلف الموسيقى كان يحرص دوماً على أن يكون في زيه الرسمي. نحن مجرد أمواج صغيرة نادرًا ما تبلغ رمل الشاطئ." قبّلته ديلا بعمق وروية وحنان. برقت عينا آدم كطفل يستمتع بمذاق كعكة ساخنة خرجت لتوها من الفرن.

همست ديلا: "بمرور الوقت ننسى الأشياء. تذكرني أنا فقط. أنسي فلسفتك، كتبك وعالمك اللعين. أنه في تلك اللحظة أنت من حقي." حل السكون داخل القصر، اختفت كل أصوات العالم. تألقت النجوم وتجمع عبير كل ورود حدائق الكون داخل الغرفة واختلجت الأجساد المنهكة من طول الرحلة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...