تحميل رواية «خادمة القصر» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الخدامه الجديده وصلت يا باشا، أنا مثبتها قدام باب الخدم مستني إشارة من حضرتك؟ هى عارفه إني عايش وحيد داخل القصر؟ أيوه عارفه يا باشا، هو فيه حد في المنطقة كلها يستجرى يرفضلك طلب يا باشا؟ أنا مطلبتش من حد يشتغل عندي يا محمود، اللي يشتغل هنا لازم يكون جاي من نفسه من غير إجبار. طبعًا يا باشا مفهوم. نهض آدم ووقف أمام الشرفة المطلة على الحقول، في إيده سيجارته، مرتدٍ قميص موف يبرز صدره القوي وشعره الناعم يغرق وجهه العاجي، ووضع البستاني خلف ظهره. بص ناحية البنت البسيطة اللي واقفة قدام باب الخدم، فتاة صغ...
رواية خادمة القصر الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم اسماعيل موسى
اليوم غادرت فراشي، ارتديت ملابسي، خرجت من باب القصر. قد تبدو أفعالاً بسيطة، لكن عندما تكون محبطاً، أو مكتئباً، أو تكاد تهزم في صراعك مع عقلك، تصبح تلك الأشياء البسيطة إنجازات ضخمة.
داخل الحديقة، لسع آدم نسيم بارد. جلس على الأريكة، يأبى الاستسلام. أشعل لفافة تبغ. كان القمر الوليد يضيء العالم، لكن قمره منطفئ ولا يعرف طريقه. الجو ساكن، يكاد يسمع أصوات الحشرات. عقله يعانده، يريد أن يدخل في حالة سبات، لكن آدم يرغب به صاحياً مستيقظاً. ظهرت الهرة ميمي من بين الأشجار، وفتحت نرجس عينيها بقلق داخل غرفتها المنعزلة.
ابتسم آدم لرؤية الهرة اللطيفة ومد يده لها، لكن القطة كانت مذعورة. عيناها مثبتتان على باب القصر.
"متخافيش تعالي، محدش يقدر يأذيكي، انتي من ريحة الحبايب." همس آدم.
لفت القطة حول الأريكة ثم قفزت في حضن آدم. راح آدم يداعب شعر الهرة الناعم.
رفعت الهرة وجهها تجاه آدم ولعقت خده. وللحظة لمح آدم العيون الواسعة التي ذكرته بالماضي. تدافعت الذكريات على عقل آدم وحدق بالهرة، عيونها تشبه عيون تالا. همس آدم في سره وخيل له أنه للحظة رأى وجه حبيبته الميتة. حاول أن يقرب الهرة أكثر، لكن ميمي قفزت بفزع وهربت من حضن آدم عندما انفتح باب القصر وخرجت منه نرجس.
تأمل آدم الهرة الهاربة والتي كانت هادئة منذ لحظة، ولم يسعفه عقله بتخيل الخطر الذي دفعها للهرب بتلك الطريقة.
"من أول لحظة شفت فيها نرجس وهو مش مطمنلها، وشها مريب وقاتم."
نرجس واقفة على باب القصر، يكاد آدم يجزم أن هناك طيف يقف خلفها.
"نفس آدم دخان السيجارة وزعق: فيه إيه يا نرجس؟"
"مستحيل." همست نرجس لنفسها. "إلى عملته في آدم المفروض يخليه زي العجين."
"نرجس مفيش يا بيه، أنا سمعت حركة فقلت أقوم أطمئن."
"متخافيش، فيه حراس هنا، تقدري ترجعي غرفتك."
بوجه شاحب عادت نرجس لغرفتها.
"والله لأربيك، هعذبك، إنت ليه مش قايم بشغلك؟"
همس في أذن نرجس: "الراجل محمي؟"
"بلا محمي بلا نيلة، اتصرف."
"فيه حراسة عليه."
"أمال أنا عملت إيه؟ دور على قرينه، شوفه مختفي فين وتواصل معاه، أنا قربت أزهق وإنت عارف نرجس لما بتزهق بتعمل إيه؟"
لمس الصوت الهامس أذنه المقطوعة: "عارف، عارف، أوامر السيدة ستنفذ."
دخلت نرجس غرفتها المظلمة الباردة المنبعث منها رائحة متعفنة.
"إنت بتعمل إيه هنا؟" سألت طيفاً مهتزاً في ركن الغرفة بعيون غاضبة. ثم أخرجت ورقة ورسمت دائرة داخلها ثم لطختها بالدم وأحرقتها.
قطعت ديلا مسافة لا بأس بها. منذ أكثر من ساعة وهي ماشية في الطريق. القصر كان بدأ يظهر قدامها. روحها مبتسمة ووشها محمر. هتشوف آدم. هناك أشخاص مجرد مرورهم في الذاكرة كفيل بتصدير الفرحة.
ثم لمحت ميمي تجري ناحيتها قادمة من عند القصر.
"إنتي رايحة فين؟"
"رايحة القصر."
"ارجعي، مش لازم تروحي القصر دلوقتي خالص. القصر خطر."
ميمي تعرف أن القصر خطر على ديلا.
"هو فيه إيه النهاردة يا ربي، كل ما أكلم حد يقولي القصر خطر، القصر خطر؟"
"أيوه القصر خطر، ميمي تقول الحقيقة، القصر خطر على ديلا."
"داخل القصر يسكن شر مقيم وأرواح شريرة."
"أرواح شريرة؟ يعني آدم في خطر؟"
"آدم يعرف طريقه، اتبعيني قبل ما ننكشف، أنا حاسة إني متراقبة."
تعرف ديلا أن الهرة ميمي لا تكذب وأنها أنقذتها أكثر من مرة، لذلك تثق بها. استدارت ديلا ورجعت من حيث أتت.
"خطر إيه اللي جوه القصر يا ميمي؟"
"خطر على آدم، خطر على ميمي، ميمي تشعر بالألم، تشعر أن معدتها تتقطع."
وصلت ديلا القرية ولم يكن أمامها غير بيت الست العجوزة التي رفقت بها وسمحت لها بالأكل داخل بيتها.
طُرقت ديلا باب البيت.
"ادخلي!"
دخلت ديلا ودخلت وراها القطة ميمي.
"إنتي جايبة ضيفة معاكي؟"
"ضيفة إيه؟ دي القطة بتاعتي."
"القطط ضيوف أيضاً."
نظرت المرأة تجاه ميمي ونظرت ميمي تجاه المرأة. كان مشهداً غريباً تلاحظه ديلا، العيون تنظر لبعضها.
نهضت المرأة بتعب، ملأت جركن ماء وتوضأت وتركت الماء فيه. ومدت يدها لميمي: "تعالي اشربي، شكلك عطشانة."
شربت ميمي من الجركن.
"اغسلي جسمك فيه."
قفزت ميمي داخل جركن الماء وغسلت نفسها.
"إنتي رجعتي ليه؟"
"فكرت في كلامك، عندك حق، واضح إن القصر خطر دلوقتي."
"القصر خطر." قالت المرأة بابتسامة بعد ما ميمي قربت منها وقعدت تملس على جسمها. "كل مكان لا يذكر فيه اسم الله خطر."
شعر آدم بألم حاد في دماغه. لا يعرف إلى متى يمكنه تحمل ذلك الوجع. أقراص أدوية تغيب العقل، وآلام لا يعرف سببها. ثم لم يقدر على نصب طوله. صرخ صرخة كبيرة ووقع على الأرض.
سمعته ماجي، نزلت تجري على الحديقة. بمساعدة الخدم، وصلت آدم داخل القصر. كان فاقد الوعي. خرجت نرجس من غرفتها وابتسمت بسخرية.
"شكله بيموت، أنا مش حاسة بنبضه؟"
"متخافيش، إلى عايزاه حصل."
"فتحت عينيها بغضب وهمست: اسكتي هتفضحينا؟"
"متقلقيش، هو مش حاسس بحاجة."
"الحرص واجب، اسكتي يا نرجس."
نيمو آدم على السرير، وطفوا النور زي ما نرجس أمرتهم. غادروا كلهم الغرفة.
بعد نص ساعة، فضي القصر وكل واحد راح على غرفته. انفتح باب غرفة آدم ودخلت أقدام خائفة ماشية على أطراف صوابعها. قربت من السرير.
فتح آدم عينه بضعف وبص على البنت.
"سمعتي حاجة؟"
"أيوه سمعت."
"سمعتي إيه؟"
"روت لآدم الحوار اللي دار بين نرجس وماجي."
"مجبوش سيرة ديلا؟"
"لا."
"محمود الجنانى قرب منك؟"
"أيوه محمود الجنانى على طول قريب من القصر وأحيان بشوفه جواه، بس بيجي في وقت متأخر أوي."
"خلي بالك، أوعي تقعي في ألاعيب محمود الجنانى أو تبعدي عن القصر."
ثم صوب آدم نظره لوجه الفتاة التي تشبه أخته حقاً.
"خليكي صاحية وفتحي عينيكي، أي حاجة تسمعيها احفظيها وقوليلي عليها."
"حاضر."
"ارجعي مكانك دلوقتي و خليكي حذرة."
"حاضر."
انغلق باب غرفة آدم مرة تانية. آدم ولع سيجارة. زي ما توقع من أول ما شاف نرجس وتذكر الماضي. تذكر أنه شافها قبل اختفاء تالا خطيبته. كانت دايماً ماشية معاها في كل مكان. وجودها داخل القصر مش صدفة زي ما توقع. شرد آدم دقيقة. تمنى ألا تعود ديلا القصر الآن. لازال لا يعرف ما تخطط له ماجي ونرجس، لكنه متأكد أنه شر، شر كبير. آدم غير مستعد لفقد ديلا زي ما فقد تالا.
***
في مكان آخر. جلس ضابط شرطة يقلب الأوراق أمامه. طرد وصله من شخص غريب في صور لقضية كان ماسكها زمان، قضية فشل في حل ألغازها وكانت سبب في نقله من مكانه وتخفيض رتبته. داخل الطرد كان فيه صور لماجي ونرجس. الضابط مسك الصور: "مفيش جديد، ليه الصور دي اتبعتتله دلوقتي؟"
الضابط متذكر أنه حقق مع الناس دي زي كتير غيرهم، وما طلعش بأي نتيجة. تكأ الضابط على مقعده. ليه صور الشخصين دول اتبعتتله دون عن صور كل المشتبه فيهم. على ضهر صورة ماجي مكتوب: "افتح القضية تاني وانتظر معلومات جديدة."
ولع الضابط سيجارة. مش معقول هيقدم طلب يفتح بيه قضية عشان صورتين وصلوله؟ ترك الملف جنبه على الطاولة ونام على السرير وغمض عينيه وهو ساند دماغه بإيده بيفكر. ليه الطرد وصله على البيت مش الشغل؟
***
في غرفة ماجي.
"إنتي دخلتي هنا إزاي؟" قالت ماجي بذعر وهي بتبص على نرجس.
"أنا نرجس يا ماجي، عارفة يعني إيه نرجس؟"
"فيه إيه؟" قالت ماجي بخوف.
"حطي البنت الشغالة تحت عينك ولو تعرفي تطرديها، اطرديها."
"تقصدي الخدامة اللي جايبها آدم؟"
"أيوه هي بعينها."
"عملت حاجة البنت دي؟"
"نفذي المطلوب، دي أوامرهم وإحنا علينا الطاعة."
رواية خادمة القصر الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم اسماعيل موسى
جلست ديلا تحت شجرة صفصاف نبتت جوار مجرى مياه عذبة، كانت شارده محدقة بالحقول الخضراء الممتدة أمامها على مدى البصر.
كانت تشاهد الزرازير التي تحلق جماعات فوق رؤوس سنابل القمح الحملي، وكان هناك بقايا ظل فلاحين في غيطان بعيدة يعملون بجد قبل انتهاء النهار، وطفلة صغيرة متعلقة بيد والدتها التي تحمل قفة مليئة بالخضار.
كانت تسأل نفسها إلى متى ستظل بعيدة عن القصر؟ وإذا كان هناك خطر على آدم، لماذا يطلبون منها أن تظل هنا بينما آدم هناك واقع بين براثن الخطر؟
شعرت أنها خائنة، فالبعد خيانة أيضاً. لم تنس أبداً أن آدم وقف أمام الجميع من أجلها، وها هي ترد له جميله بالهرب والاختفاء في بيت قديم مع امرأة تدعي أن وجودها في القصر سيشكل خطر على آدم.
لم تتمكن ديلا أبداً من فهم كيف أن وجودها بجوار آدم قد يسبب خطر عليه. نزلت دموعها رغم عنها، لو طلب آدم روحها لما تأخرت عنه، لكنهم يقولون أن بعدها لصالحه. وإذا كان ذلك حقيقي، فإنها لا تمانع بالبقاء مشردة طيلة حياتها طالما آدم بخير.
لكن البعد نار تكوي الحشى وتقطع الصدر، نار تتأجج مع كل ذكرى تمر. وغمرها حزن تعيس، في كل مرة تعتقد ديلا أن التعاسة كتبت عليها وأنها لن ترى ولا يوم سعيد في حياتها.
حلق طائر أو قردان إلى جوارها وحط في حقل مروي يلتقط بمنقاره دود الأرض.
خرجت المرأة العجوز من بيتها، افترشت الأرض وصّلت، هكذا رأتها ديلا تصلي. هذه المرأة، قالت ديلا في سرها، لا تفعل شيئاً سوى الصلاة. منذ يومين وأنا أقيم معها لم أر أي شخص يعيش معها ولا أعرف من أين يأتيها رزقها، فهي لا تعمل ولا تغادر المنزل. ثم إن طريقتها غريبة، ليست متطفلة ولم تتدخل في شؤوني. ثم هناك أمر آخر، ليس لها ظل.
طرقت الآنسة ماجي باب غرفة آدم. سمح لها آدم بالدخول، كان قد استيقظ من نومه للتو، عيونه حمراء مثل الدم والصداع لم يترك دماغه.
"أنتي مين؟"
تنهدت ماجي، "للدرجة دي مش فاكرني؟ أنا ماجي يا آدم. سلامة عقلك."
آدم بضعف: "آسف، حاسس إني نسيت كل حاجة."
ماجي في سرها: "هو ده المطلوب."
جلست ماجي على طرف السرير. "أنا عايزة أطلب منك طلب يا آدم."
آدم: "اتفضلي."
ماجي: "عايزة أطرد الخادمة هايدي."
آدم: "هايدي مين؟"
ماجي: "الخدامة اللي أنت كنت جايبها من القرية. الصراحة أصلها بنت كسولة ومش بتعمل حاجة. ومن وقت ما أصابك المرض وهي مش بتعمل حاجة وعمالة تتأمر في القصر كأنه ملكها. هي البنت دي أخت شهد اللي اتقتلت؟"
آدم بلا مبالاة: "مش فاكر، اطرديها."
خرجت ماجي من غرفة آدم على وجهها ابتسامة كبيرة. أول ما نزلت في الرواق صرخت: "هايدي؟ هايدي؟"
البنت جاءت تجري ووقفت قدام ماجي.
ماجي بكبرياء: "أنتي مطرودة. آدم بيه طلب مني أطردك. هديكي باقي حسابك وامشي من هنا."
هايدي: "والنبي يا هانم بلاش تطرديني، أنا محتاجة الشغل."
ماجي بسخرية: "يلا لمي هدومك وامشي، أحسن ما أطلب من الحراس يرموكي بره."
هايدي: "لأ خلاص همشي يا هانم، همشي."
جمعت هايدي ملابسها وغادرت القصر.
نرجس: "ها عملتي إيه؟"
ماجي: "طردتها خلاص."
نرجس: "آدم قال إيه؟"
ماجي: "آدم مش فاكر حاجة، ده كان ناسي اسمه."
نرجس: "غريبة، اللي وصلني غير كده. الظاهر لازم أعذبهم. كنت فاكرة إنها عين آدم في القصر، لكن طالما معترضش ولا حاجة يبقى المعلومة اللي وصلتني غلط."
داخل غرفتها، أشعل آدم الفهرجي لفافة تبغ. فقد عينه في القصر، أضطر يتخلى عنها. ما كانش ممكن يتمسك بيها بعد ما انكشفت. وجودها في القصر كان فيه خطر كبير عليها. كان وعدها يلاقي اللي قتل أختها، وآدم يحترم عهوده، لكن حياتها أهم من انتصاره.
وفكر آدم، ماجي مش بالذكاء ده. الخطر كله جاي من نرجس. الست دي مشعوذة أو ساحرة، كان متأكد جداً إنها الشر نفسه.
سعل آدم وبصق من الشرفة وراقب هايدي وهي تغادر القصر. وقبل رحيلها لوح لها.
قبل يومين آدم شرح لهايدي إنها ممكن تنكشف، ولو ده حصل ممكن تنطرد من القصر، وعليها أن تنفذ ما يطلب منها دون اعتراض حتى لا يتسرب الشك لقلب ماجي أو نرجس.
***
كانت هناك ديدان سوداء تتلوى داخل اللهب، ديدان متقيحة لكنها حية. ونرجس مغمضة عينيها بتمتم بكلام مقلوب، ثم صرخت.
"وبعدين بقى؟"
على صرختها دخلت ماجي.
ماجي: "فيه إيه يا نرجس؟ مالك بتصرخي؟"
نرجس: "كل ما أعمل عمل يتفك."
ماجي: "غريبة، أنتِ عمرك ما عملتي حاجة وفشلت؟"
نرجس: "مش قلتلك القطة موجودة جوه القصر وحواليه."
ماجي: "صبرني يا رب. مالها القطة بقى؟"
نرجس: "القطة جواها روح تالا."
ماجي: "فتحت بقها بخوف. نرجس، أنتِ بتقولي إيه؟ إحنا مش خلصنا الموضوع ده من زمان؟"
نرجس: "أحياناً الأرواح المظلومة مش بترحل، بتظل في بعد تالت بين الحياة والموت."
ماجي: "أنا معرفش الكلام ده، أنا مليش دعوة. أنتِ عارفة الكلام ده معناه إيه؟ عارفة محسن الهندواي لو شم أي خبر أو حتى شك فينا هيعمل إيه؟"
نرجس: "عارفة، وهو ده اللي مخوفني. محسن الهندواي هيفرمُنا."
ماجي بغضب: "أنا مش مستعدة أفقد حياتي عشان فشلك. دي شيلتك أنتِ ولازم تتصرفي فيها. موضوع تالا لازم يموت زي ما هي ماتت."
نرجس: "لازم نتخلص من القطة، لازم نموتها. لو روح تالا بقت طليقة أنا ممكن أحبسها وأقضي عليها."
ماجي: "والقطة دي فين بقى؟"
نرجس: "أنا بعت الخدم بتوعي لكن بيقولوا إنها محجوبة عنهم. الظاهر إنها في بيت إنسان مؤمن."
ماجي: "وهنعمل إيه دلوقتي؟"
نرجس: "أنا اللي هعمل. في منطقة معينة الخدم بيقولوا إنها ضلمة ومش بيشوفوا فيها حاجة. أنا هخرج من القصر وهروح المكان ده. أنا شاكة إن القطة هناك."
ماجي: "ابعتي معاكي غفير؟"
نرجس: "الحاجات دي مش بينفع فيها حراسة ولا سلاح. أنا هروح لوحدي."
خرجت نرجس من القصر ومشيت تجاه القرية المجاورة. فضلت ماشية أكتر من ساعتين لحد ما وصلت البيت اللي جواه ديلا والقطة ميمي. وقفت دقيقة مغمضة عينيها وفي أذنها همس مستمر: "إحنا مش هنقدر ندخل معاكي، لو دخلنا هنتحرق."
نرجس: "مش لازم ندخل. خرجولي القطة."
الهمس: "مش هنقدر نعمل حاجة طالما القطة جوه البيت."
نرجس: "قعدت على جنب الطريق، خلاص نستنى هنا. القطط مش بتقعد في مكان واحد لازم تتحرك."
بعد العصر لمحت نرجس ديلا تملأ دلوا ماء من قناية الري. ابتسمت نرجس، "أنتي كمان هنا؟" لكنها محاولتش تعمل حاجة.
ظلت منتظرة بصبر حتى نزل الليل، وقبل أن ينتصف الليل، خرجت ميمي من البيت. تركت نرجس على الأرض الطعام الذي أعدته بالطلاسم وسابت مكانها ومشيت. وطول ما هي ماشية فضلت تسيب جزء من الطعام ده على الطريق لحد ما وصلت القصر. وجدت القطة ميمي نفسها مسلوبة الإرادة تركض خلف تلك الرائحة حتى أصبحت داخل القصر.
نرجس كانت قاعدة جوه القبو المظلم بترسم تمائم على الجدار. عندما دخلت ميمي القصر، نهضت نرجس واختفت بين الأشجار.
شعر آدم بصداع داخل رأسه، وحس إنه مش قادر يقعد جوه الأوضة. خرج إلى الشرفة وقعد فيها يدخن سيجارة.
وكان على وشك دخول غرفته، لكنه شاف ميمي بتركض على العشب. ابتسم آدم، وهمس في سره: "أنتي رجعتي يا ميمي؟"
وشعر برغبة كبيرة في احتضان ميمي والنظر في وجهها مرة أخرى. نزل من غرفته بسرعة ومشى ناحية الحديقة. ميمي كانت واقفة من غير حركة فوق العشب، ولما آدم قرب منها متحركتش. غريبة، فكر آدم، ميمي مش بتبطل جري.
انحنى عشان ياخد القطة في حضنه وسمع حركة بين الأشجار لكنها اختفت بسرعة. أخد آدم ميمي في حضنه وكان جسمها بارد جداً، مثلج.
رزعت نرجس رجليها في الأرض بغضب. "أنت لازم تظهر دلوقتي؟"
من خلف الأشجار راحت تبص على آدم بغضب. "ورحمة أمي يا آدم لتكون آخر مرة تشوف فيها روح حبيبتك. ومهما تحاول مش هتعرف تكتشف الحقيقة."
قبضت نرجس على حفنة من التراب وبصقت فيه. بصقة كلها دم أحمر ريحته معفنة، ثم بعثرت التراب على الأرض.
صرخت ماجي في حضن آدم، وحس آدم إنها بتتألم. خدها على غرفته بسرعة وسابها على السرير يفكر ممكن يعمل إيه يساعدها بيه.
كان واضح إن القطة مريضة وإنها على وشك الموت ومش قادرة تحرك أطرافها.
مسك التليفون وبحث خلال النت عن طرق مساعدة القطط المحتضرة. شرد دقيقة ولما رجع بص على ميمي شاف أغرب حاجة في حياته.
رواية خادمة القصر الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم اسماعيل موسى
كانت الهرة ميمي منبطحة على السرير تلفظ أنفاسها الأخيرة، ترفع ساقها الأيمن بوجع، وكان فمها ساكن مخدر ولسانها خارج من فمها، عيونها مظلمة كفتحة مغارة فرعونية. توقع آدم أن لديها دقائق على أكثر تقدير قبل أن تفارق الحياة.
عندما عاد آدم الفهرجي من شروده، استدار جهة ميمي ورأى الشيء الذي جعله يفتح فمه بصدمة.
كان هناك طيف لازوردي وأرجواني ينبعث من فم القطة ميمي. تصاعد الطيف الذي كان يشبه البخار واهتز، وشكل وجه حبيبته الراحلة تلا، ثم صدرها وبقية جسدها.
كان الطيف مثل ألوان لوحة خطتها فرشاة، وكان على الجسد ما يشبه خطوط الكتابة، كلمات مكتوبة بخط أحمر رفيع باهت لا يمكنك قراءتها.
ثبت آدم في مكانه، بعيون مفتوحة تتجمع خلالها الدموع. كانت القطة ميمي الآن تتألم بصوت مرتفع وكأنها تقاوم شيئًا ما يحاول قتلها. ضغط آدم على زر التصوير في الهاتف النقال دون أن يشعر، وانطلق وميض الفلاش ليغرق الغرفة.
كان آدم عاد للتو من صدمته. ركض واحتضن ما تبقى من الطيف الذي راح ينسلخ من بين يديه كقطرة ماء.
هكذا الحياة لا تعرفنا قيمة بعض البشر إلا بعد أن نفقدهم.
انهار آدم على السرير وكان لازال يحتضن الفراغ، ينتحب بتشنج.
"لا ترحلي يا عزيزتي"
"ظلي هنا قربي"
"حبيبتي أين اختفى وجهك المتلألئ كالمرجان؟"
وتأججت كل المشاعر التي كان دفنها بداخله، راحت تتولد من مكان بعيد وسحيق وترتطم بفؤاده محدثة هزات أرعشت جسده الضعيف الضامر.
"آه لو يمكنني زيارة قبرك؟ لكنت زرعت كل يوم زهرة وبكيت حتى ابتل الجدار."
يعتقد المرء أنه نسي وأن كل شيء أصبح عادي، وحياته ستسير بصورة طبيعية. ثم فجأة، ذكرى واحدة أو صورة أو محادثة أو حتى كلمة تعيد الماضي راكضًا بسرعة الريح.
الماضي لا يموت إلا في قلوب أولئك الذين لا يمتلكون الشرف.
كانت الهرة ميمي تسعل كطفل رضيع، تنشق غاز الأمونيا، وتبصق قيح أسود على سرير آدم، قيح متعفن لزج وكثيف وله رائحة جثة متعفنة. كمية ضخمة من السواد.
كافحت الهرة ميمي من أجل الوقوف على ساقيها، ثم نظرت كأنها خرجت من رحم والدتها للتو. كناشط سياسي خدره البوليس السري في بلد وفتح عينيه ليجد نفسه في بلد آخر، كأنها ترى القصر لأول مرة.
فزعت الهرة راحت تموء. كانت خائفة من وجود آدم، من الغرفة، من العالم الذي وجدت نفسها فيه. تسلقت الشرفة بصعوبة ثم قفزت واختفت بين العشب.
لم يمنعها آدم كان محطم تمامًا، جسده مخدر وعقله في حالة من اللاوعي، عيونه مفتوحة وبؤبؤ عينيه ثابت لا يتحرك.
كان يحاول أن يقنع نفسه أن ما حدث للتو ليس حقيقي. الموتى لا يعودون من مقابرهم أبدًا ولا يلقون التحية. وإذا عادوا، فكر آدم، لن يكونوا بمثل هذا الجمال الرباني.
صفع آدم خده وقرص صدره واقتلع شعرات من ساعد يده، كان عليه أن يتأكد أنه حي، وأنه لم يذهب لبلاد الموتى.
صرخ آدم بالوجع في يده وبدأت روحه تعود إليه.
قال آدم: "كانت هنا هرة جميلة ثم رحلت، أجمل هرة رأتها عيني. الهرة لن تعود مرة أخرى. لقد رحلت مثل حبيبتي. إنه مجرد طيف تخيله عقله المتعب."
هكذا أقنع آدم نفسه، وشعر بحرقة ساحقة في صدره كحمض بقايا طعام آخر الليل تجمع منذ سنين. فتح باب غرفته، كان يحتاج سيجارة وكوب شاي. هبط الرواق وكان مشيته بطيئة. لمح واحدة من الخدم، طلب منها فنجان قهوة لكن بهدوء دون أن تحدث ضجة.
"مش عايزين نزعج الناس اللي نايمة فاهم؟"
"فاهمة يا آدم بيه."
***
"انتهى كل شيء." هكذا سمع آدم صوت نرجس تخبر شخصًا ما داخل القبو.
"قضيت عليها. هذه الروح اللئيمة لن تزعجنا مرة أخرى. التهمتها سمكة." وقهقهت نرجس. "لا محسن هندواي ولا غيره، إحنا كده في أمان!"
ثم أردفت نرجس: "على فكرة أنا عرفت مكان ديلا ماجي."
"بجد، انطقي بسرعة فين؟"
"حيلك، حيلك، مفيش حاجة من غير مقابل."
"الراجل خلاص اتجنن وهتاخدي كل الفلوس اللي انتي عايزاها، انطقي يا نرجس شوفتيها فين؟"
"حاضر هديكي كل اللي انتي عايزاه، عارفاكي مش بتشبعي، قوليلي بقا فين البنت دي، عشان نخلص منها."
"وأنا أراقب القطة كانت خارجة من بيت ست عجوزة."
"فين البيت ده!؟"
"البيت!!!"
ثم انغلقت عيونها فجأة كمصاب صرع. وسمعت همس الخدم: "لا تقولي، هناك من يسمع."
فتحت نرجس عينيها وتوقفت عن الكلام.
وكان آدم الفهرجي يحاول سماع مكان البيت لكن الصوت خبى واختفى. جالس على مقعده بعيون مغمضة وآذان مترصدة.
فتحت نرجس باب القبو ورأت آدم جالس على المقعد بلا حراك.
"يا نهار أسود يكنش سمع؟"
"معتقدش، دي مش حالة إنسان في وعيه خالص. لو كان سمع حاجة كان زمانه اتحرك أو حتى اختفى لما حس بالحركة."
"طيب إزاي نزل هنا من غير ما يحس؟"
"مين اللي سمع؟" سألت الخدمة.
همس في الأذن: "لا نعرف، كان هناك من يسمع."
وسط الكلام خرجت الخادمة من المطبخ شايلة فنجان قهوة وضعته قدام آدم.
ابتسمت نرجس بخبث: "كل شيء واضح."
"انت لسه صاحي يا آدم؟"
"مكنش جايلى نوم، قعدت مع ميمي شوية ولما هربت قلت أنزل أشرب كوباية شاي."
غمزت نرجس بعينها لماجي وقالت: "الصباح رباح يا ماجي هانم. أنا هدخل أنام." وتركت ماجي التي فهمت ما تقصده نرجس مع آدم، والذي لم يتأخر هو الآخر، ربع ساعة وصعد غرفته.
***
عاد القصر لسكونه مرة أخرى. آدم داخل غرفته بيحرق لفافات التبغ وبيفكر: نرجس شافت ديلا فين؟
مفيش أي فرصة للغلط لازم يلاقي ماجي قبليهم. لو تمكنوا من الوصول ليها قبله هيقتلوها زي تلا.
وراح يعصر عقله بتركيز: الناحية البحرية؟ دا أقوى افتراض. ميمي كانت بتركض ناحية القرية دي.
وكمان مرة تانية لقيها قاعدة هناك وسط الشجرة.
المشكلة ديلا مختفية في أي منزل؟
داخل القرية منازل كتيرة ولو آدم اختار بيوت غلط هيوصلوا لديلا قبله.
ومر جزء لا بائس به من الليل وادم بيلف ويدور في غرفته، ثم سمع أذان الفجر. توضأ وصلى، والهم لازال رابط فوق قلبه.
"الساعة كام؟" سأل آدم نفسه، وهو يمسك هاتفه النقال.
كانت هناك صورة ملتقطة بالخطأ، ليست صورة واحدة بل عدة صور.
وضع آدم الهاتف أمام عينه وحدق به، إنه الطيف الذي رآه وتبخر.
لم يكن حلم؟ ولا تخيل ولا هذيان. كانت صورة حبيبته تلا أمام عينيه.
رواية خادمة القصر الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم اسماعيل موسى
تلألأ طيف لازوردي أمام العيون الحزينة التي تسكن وجهًا أبيض متغضن القسمات. كان الطيف كلوحة فنية بريشة بول جوجان وألوان كلود مونيه في بركة زنابق الماء.
لم يلحظ أدم إلا لاحقًا خطوط الكتابة الحمراء الرفيعة التي تتقاطع لتشكل كلمات. ظل أدم محدقًا في الصورة بعيون دامية تتساقط الدموع منها كورقة شجر تجمع فوقها ماء المطر. بزخ أمامه كلمة "منزل"، "مقبرة"، "أول"، "شجرة السنط"، "قناية الماء".
اتسعت عينا أدم بدهشة. لم يكن مجرد طيف، كانت رسالة وداع من حبيبته الميتة. تذكر أدم قناية الماء التي رآها أمام المنزل الطيني. بدل ملابسه، وقبل شروق الشمس كان يقطع الطريق نحو القرية المجاورة فوق مهرته "باكي" التي كانت تركض كالسهم، بعد أن نسيها أدم مدة طويلة.
وصل أدم البيت الطيني الهادئ. قيد المهرة في شجرة الصفصاف وركض تجاه باب المنزل. قبل أن يطرق باب المنزل، انفتح أمامه وظهر أمامه الوجه الوقور الطيب، كأنها كانت في انتظاره. حملق أدم بالوجه قبل أن يلقي التحية.
المرأة: هنا؟
أدم: أنا أدم.
المرأة: لا تفقد ديلا، لا تجعل الماضي يعيد نفسه يا ولدي.
نحتت المرأة عن باب المنزل. تابعها أدم وهي تفترش الأرض خارج البيت من أجل الصلاة.
كانت ديلا منبطحة على الأرض، كل طرف في جسمها ملقى بعيدًا عن الآخر، فمها مفتوح. تنعم بنوم هانئ، هكذا فكر أدم. راح يتأملها لأكثر من دقيقة وهو يستمع لدقات قلبه. ثم جلس على الأرض ورفع شعرها الذي يغطي وجهها. وضع إصبعه في خدها وضغط عليه وأداره كترس آلة.
تململت ديلا، ظنتها حشرة أو ناموسة، فقبضت على الإصبع المشاكس بعيون ناعسة.
ثم سرعان ما انتفض جسدها وفتحت عيونها بفزع. رأت أدم جالسًا جوارها.
أغمضت ديلا عينيها مرة أخرى. منذ أيام وأدم لا يبارح أحلامها. لا تعرف كيف تطرده أو تتخلص منه، ظنت نفسها في حلم.
أدم: افتحي عينيكِ، كفاية نوم.
ديلا: أدم يتكلم في الحلم؟
أدم بنبرة أكثر جدية: قومي فزي يا بتاه.
فكرت ديلا، أدم وقح فعلًا، حتى في أحلامها يأتيها شخص نرجسي متحكم.
أدم بصفعة خفيفة: فوقي.
فزعت ديلا ونهضت متكرمشة كورقة رسم وزحفت للخلف بضع خطوات حتى التصقت بالجدار.
ديلا: أدم؟
أدم: ومين غيري ممكن يفكر فيكي؟
ديلا بفرحة: أنا مبسوطة أوي إني شفتك. وكادت تقفز في حضنه. أنا زعلانة منك، أيوه زعلانة. وراحت تنتحب: أنت سبتني، أنا كنت هموت.
أدم: آسف، أنا بذلت كل ما في وسعي عشان أوصل ليكي.
ديلا: واضح جدًا، بأمارة ما كنت في حضن ماجي. ميمي قالت لي وفضحتك يا خاين.
ابتسم أدم. إنها لا تعرف ما قاساه من أجلها، تجرع أقراص هلوسة كفيلة بتغيب عقل ثورة. تحمل وجود حيتين داخل القصر من أجلها، لكن مفيش وقت.
كان أدم عارف أنه لازم يتحرك بسرعة.
أدم: إحنا لازم نمشي دلوقتي، مفيش وقت للكلام الفارغ. إنتي مالك أكون في حضن ماجي ولا غيرها. يلا اوقفي، مفيش وقت، لحظة والاقيكي بره البيت.
ارتقى أدم "باكي" وصعدت ديلا خلفه. وقبل أن يلكز المهرة لتركض، مشت ناحيتهم المرأة الغامضة. وضعت عقد لبنى درويشي في يد ديلا وطلبت منها أن لا تنزعه أبدًا مهما حدث. ثم عادت لصلاتها مرة أخرى.
ركض أدم بـ"باكي" تاركًا خلفه المرأة تصلي.
وضعت ديلا العقد في عنقها، ثم قبضت على خصر أدم وتشبثت به خوفًا من السقوط على الأرض. ثم بعد معاندة، استجابت لغربتها وأسندت خدها على ظهره.
ديلا: أدم بيه، دا مش طريق القصر؟
أدم وهو يلكز "باكي" في معدتها: مش وقت استفسارات دلوقتي، أنا لازم أكون موجود في القصر بسرعة.
ديلا: أنت هتجنني؟ إزاي بتقول أكون موجود في القصر ودا مش طريق القصر؟
أدم بعصبية: اعتذري بسرعة قبل ما أرميكي من فوق "باكي".
ديلا: لا خلاص، أنا آسفة، آسفة.
أدم: القصر له أكتر من طريق، لكن محدش يعرف دا غيري. إحنا هندخل من باب سري، فيه قبو تحت الأرض كان مخزن قديم محدش يعرفه غيري.
ثم أردف بمزاح: إنتي هتقعدي هناك وسط الفيران والحيات لحد ما أخلص من ماجي ونرجس.
ديلا برعب: أقعد فين يا عم؟ أنا عايزة أفضل معاك.
أدم: متقلقيش، أنا عرفت الحقيقة، مش فاضل غير حاجة بسيطة وأوصل لانتقامي.
توقف أدم أمام شجرة ضخمة خلف القصر ونزل من على "باكي". كان فيه حشائش طويلة. أدم حركها بيده وظهر قدامه باب. فتحه وضغط قابس النور.
أدم: إنتي هتفضلي هنا ومتحاوليش تخترعي ولا تستخدمي دماغك، أنا مخطط لكل حاجة. هتلاقي أكل وشرب ولو تأخرت فيه شخص هيجي يعتني بيكي.
ديلا: أنت هتسبني هنا بجد؟
أدم بخفوت: إنتي واثقة فيا؟
ديلا: طبعًا، أنا عمري ما وثقت في حد غيرك.
أدم: يلا مفيش وقت، ومسك إيد ديلا: أرجوكي متحاوليش تفتحي الباب التاني، خليكي جوه النفق.
ديلا بخجل: حاضر.
انغلق الباب على ديلا وتحرك أدم بمهرته نحو باب القصر. تمكن من الدخول قبل خروج نرجس وماجي. دار داخل الحديقة حتى لا يلفت الأنظار وقابلهم خارجين من باب القصر الداخلي.
ماجي: هو إيه ده يا نرجس؟ مش هو دا أدم اللي بتقولي فقد عقله؟ شوفي راكب الحصان زي زمان.
نرجس: أدم مش مشكلة دلوقتي، لازم نلاقي ديلا وبعد كده نتصرف.
عندما وصلت نرجس وديلا ومحمود الجنانى البيت الطيني، ملقيوش أي شخص فيه، عشان كده نرجس قدرت تدخل البيت بسهولة مع خدمتها.
ماجي بغضب: فين ديلا؟ وفين الست العجوزة اللي بتقولي عليها؟
نرجس بغضب: مش عارفة، أنا أول مرة أواجه واحدة بالشكل ده، حتى خدامي فشلوا في معرفة اختفت فين.
ماجي: يعني البنت هربت؟
نرجس: معرفش.
وسط حالة من الارتباك، رجعت ماجي على القصر رفقة نرجس. دخلت القصر بغضب ووجدت أدم جالسًا في الرواق يدخن سيجارة.
كعادتها، صرخت ماجي في الخدم وطلبت قهوة.
أدم: إنتي بتصرخي ليه في الخدم؟
ماجي: بلا مبالاة. وانت مالك.
ابتسم أدم بسخرية. نهض من مكانه، مشى خطوات تجاه ماجي. أمسكها من شعرها القصير وصفعها على وجهها أكثر من مرة بكل قوته.
أدم: لما تكلمي أدم الفهرجي تحترمي نفسك. متنسيش إنك ضيفة هنا ومين اللي بيديكي مرتبك، فاهمة؟
صرخ أدم بعصبية وعلى وجهه ابتسامة ساخرة.
ماجي بصراخ: أنت اتجننت يا أدم؟ إيه اللي بتعمله ده؟
رمقها أدم بغضب وتمنى لو تمكن من قضم رقبتها بأسنانه.
أدم: أدم مين يا حلوة؟ اسمي أدم بيه الفهرجي، عارفة ولا أعرفك.
شعرت ماجي أن عنادها غير مفيد وأن عليها الطاعة. أومأت رأسها حاضر.
صفعها أدم صفعة أخرى جعلت رأسها ترتج.
أدم: مسمعتش قولتي إيه؟
تحاملت ماجي حتى لا تبكي، فقد قاسَت من الحياة ما يجعلها تفهم ما هي مقبلة عليه. لن تبكي أمامه حتى لو بكت أمام العالم كله، لن يرى ضعفها. لقد اكتسبت قوتها من أجل تلك اللحظة.
وكان أدم يسأل نفسه إلى متى ستقاوم؟ صرخ في الخدم أن تغلق كل واحدة بابها على نفسها. حتى نرجس نفسها لم تخرج من القبو. سمعت صراخ ماجي مثل غيرها وأدركت أن هناك خطأ قد حدث وأن عملها قد حل وعليها أن تعيده بسرعة.
أدم: اسم إيه؟
ماجي: اسمك أدم بيه الفهرجي.
أدم: جميل. وحررها من يده: اعمليلي فنجان قهوة.
ماجي: أنا مدرسة مش شغالة، وبقدم استقالتي، مش هقعد هنا دقيقة واحدة.
أدم: هتعملي القهوة ومش هتخرجي من هنا غير بمزاجي.
رواية خادمة القصر الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم اسماعيل موسى
جلس ضابط الشرطة على مكتبه وأشعل سيجاره ملبور أحمر، ومدد قدميه على الطاولة. منذ لحظات وصلته رسالة ولم يفتحها حتى الآن.
أخرج الضابط هاتفه وحدق في الرسالة. كانت صورة لفتاة باهتة الملامح، لا يتذكر الضابط أنه رآها من قبل. صورة أشبه بخربشات ألوان طفل.
كبر الضابط الصورة يتأمل ملامحها، ثم وصلته رسالة أخرى: "افتح قضية ديلا، لدي أدلة جديدة، أولها بين يديك."
حك الضابط ذقنه بأصبع. وفتح الملف الذي أحضره بالأمس ولم تمسه يده بعد. قضية مقتل تالا البدراوي. كانت هناك صورة كبيرة لتالا وهي مبتسمة.
قرب الضابط هاتفه وقارن بين الصورتين. كان وجه تالا دون أدنى شك.
"مستحيل"، تمتم الضابط. "هذه الفتاة ميتة منذ أعوام." ثم تحقق من تاريخ الصورة، وكان منذ يوم واحد.
اتكأ الضابط على مقعده. فتاة ميتة تلتقط لها صورة بعد اختفائها أعوام؟ وفكر أنها شغل فوتوشوب. أرسل الصورة لمتخصص، أكد له أن الصورة طبيعية دون أي إضافات.
اتصل الضابط بالرقم الذي أرسل الصورة، وكان الهاتف مغلقاً.
صفع الضابط الطاولة. "انتظر أدلة جديدة، هكذا كانت التعليمات في الرسالة." تنهد الضابط. في الماضي، أغلقت القضية لعدم العثور على الجثة، وبالتالي لم توجد بصمات. كل ما يحتاجه أن يجد الجثة وسيكمل الباقي بكل سهولة.
***
أحضرت ماجي القهوة ووضعتها بخضوع أمام آدم. وسألت: "إلى متى سأظل محتجزة هنا؟"
آدم: "أنتي مش محتجزة ولا حاجة، وجودك هنا من مصلحتك."
ماجي: "مصلحتي إزاي؟ مصلحتي إنك تذلني بعد ما وقفت جنبك وساعدتك."
"بتضربيني يا آدم، بتضرب ماجي ضرغام؟"
"وأضربك تاني وتالت يا ماجي، أصل أنا اتجننت."
ماجي: "واضح جداً إنك اتجننت. لو مديت إيدك على بنت ضعيفة تبقى اتجننت."
آدم: "أنتي ضعيفة فعلاً، وهتفضلي طول عمرك ضعيفة وخب*يثة، حثالة بشرية، أنتي وباء، ضغينة متحركة. اللي زيك مكانه السجن لأنك مج*رمة."
ماجي بص*راخ: "إنت بتخرف، بتقول إيه؟"
آدم بقلم محترم على وش ماجي: "مت*صرخيش. لو صرختي هكتفك زي الحيوا*نات وأجلدك بالس*وط، زي الك*لب اللي مربوط في الحديقة."
ماجي: "بتتحدى؟ متقدرش تعمل كده. الدنيا مش سايبة فيه بوليس ممكن يخرب بيتك."
آدم بسخرية: "متقلقيش، البوليس هيجي عشانك وعشان الحيوان اللي مربوط في الحديقة."
فتحت ماجي فمها بصدمة وبلعت ريقها. "أنا معرفش الشخص ده، ومش بتهدد يا آدم."
آدم بيه ورن القلم على وش ماجي. لم تتمالك ماجي نفسها وسقطت دموع من عينيها.
رواية خادمة القصر الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم اسماعيل موسى
حاولت نرجس أن تحرك خدمها، لكن آدم كان قد حصن نفسه ولم يتركه. دعاء المرأة الطيبة، كان آدم قد أمر بتقييد ماجي.
وكانت نرجس في محاولة أخيرة تحاول أن تتلبس ديلا بمس مارد شيطاني، وكان المارد على باب القبو يحاول الدخول، لكن ديلا لم تكن ظاهرة له.
جمعت نرجس أغراضها وهربت من باب القبو الخلفي، لكن الحراس قبضوا عليها. جردها آدم من أدواتها وطلاسمها وأجبرها أن تتوضأ وشاهد بعينه دخانًا يخرج من جسدها، دخان أسود في خيوط متعرجة.
أحضر آدم مسدسه وأحضر محمود الجنايني، كان آدم فصل بينهم وحرص على تقرير كل شخص بمفرده.
"طبعًا عارف إن القصر منعزل، وإني ممكن أقتل أي واحد زي ما أنت قتلت شهد وأخفيت الأدلة ولا حد هيعرف حاجة."
محمود: "مقتلتش حد والله يا آدم بيه، أنا مش عارف أنت بتجيب الكلام ده من فين؟"
آدم: "اسمع يا كلب، آدم الطيب اللي كان بيعطف عليك وعضيت إيده اللي امتدتلك راح خلاص. أنا آدم بتاع زمان اللي ممكن يقتل أي شخص من غير أي ذرة تأنيب ضمير."
"قدامك فرصة واحدة عشان أعفى عنك وأسلمك للبوليس ولو إني عايز أقتلك هنا وأدفنك هنا رغم إنك هتنجس أرض القصر."
رفع آدم إيده وكانت له نظرة مرعبة رغم اتساع عينيه وجمالها: "اسمع يا جناني قبل ما تتكلم، عايزك تعرف إن قتلك أحب لي من تسليمك للبوليس وتاخد عقوبة عادلة، وآدم الفهرجي مش بيهزر ولا بيكرر كلامه."
تنحنح محمود، كيف يعلن هزيمته بعد أن كان قريبًا جدًا من الانتصار، وحملق في آدم بتحدي: "أنا اللي كنت بدير القصر ده في أوقات كنت أنت فيها مغيب منعزل غير راغب في الحياة، ما كنتش استحق فرصة تانية؟ رميتني زي الكلب بره القصر بعد ما ضهري انقطع وأنا شغال فيه، هي دي المثالية اللي بتبحث عنها؟ أنت وسخ زينا يا آدم يا فهرجي ولو كانت ظروفك سيئة زينا كنت هتعمل حاجات تخجل منها، لكنك ابن الباشا اللي اتولد وفي بقه معلقة دهب."
تركه آدم يكمل كلامه دون أي اعتراض، علمته الحياة الصبر في الأوقات التي من المتوقع أن يغضب فيها.
آدم: "أنت اللي اخترت يا محمود يا جناني، كان نفسي أرحمك من العذاب اللي أعديته ليك، لكن أنت مدتنيش فرصة."
لوح آدم بيده للحراس: "حضروا راكضين وقبضوا على محمود الجنايني، هاتوه ورايا."
جر الحراس محمود الجنايني بين الأشجار التي كانت شاهدة على نزواته وتحرشاته بفتيات فقيرات، وسط الحديقة تمامًا.
كانت هناك حفرة مليئة بالماء، أمرهم آدم يلقوا الجنايني فيها ويغلقوا عليه الحفرة.
سقط محمود الجنايني داخل الحفرة العميقة، غمره الماء حتى عنقه وانغلق الباب الخشبي فوق رأسه.
جلس آدم وأشعل سيجارة وبيده خرطوم مياه، أمر الحارس أن يفتح الحنفية وبدأ الماء ينساب داخل الحفرة.
سمع صراخ الجنايني داخل الحفرة، بدأ الماء يرتفع وألم فمه. كافح الجنايني ليرفع نفسه دون فائدة.
آدم بصوت مسموع: "هسيبك تغرق هنا وجسمك يتعفن، قضاء الله وقدره، واحد حرامي كان داخل يسرق القصر وسقط داخل حفرة. جريمة نضيفة زي ما قتلت شهد."
أدرك محمود الجنايني أنه ميت. بقبقب فمه كضفدع وصرخ: "أنا اللي قتلتها، قتلتها المجرمة عشان وقفت معاك ضدي، قتلتها لأنها تستحق الموت."
تنهد آدم، كان وعد هايدي اخت شهد أن يحضر لها قاتل أختها وأن يعاقب على جريمتها.
غرق الماء محمود الجنايني، امتلأت الحفرة بالماء، أمر آدم الحراس بسحبه قبل أن يلفظ أنفاسه.
كانت الشرطة قد وصلت، استمع ضابط الشرطة لاعتراف الجنايني المسجل على الهاتف، لكن محمود الجنايني أنكر كل التهم: "أنا اعترفت تحت التهديد يا بيه، الراجل ده كان عايز يقتلني، أنا بريء يا بيه."
آدم: "بعد إذنك يا حامد بيه." وغمز بعينه لصديقه الضابط: "أنا مضطر أعمل اللي اتفقنا عليه."
وأمر الحراس أن يقبضوا على محمود الجنايني ويعيدوه الحفرة مرة أخرى. صرخ الجنايني: "يا بوليس، يا شرطة انتو هتسيبوه يقتلني؟"
رفع ضابط الشرطة يده وأمر القوة بالانصراف من القصر. عندما أدار ضابط الشرطة ظهره لمحمود الجنايني، رفع صوته صارخًا: "أنا اللي قتلتها بإيدي وقطعت رقبتها."
انهار محمود الجنايني وأقر بجريمته وتم اقتياده لمركز الشرطة.
كانت ماجي مقيدة في غرفتها عندما دخل آدم الفهرجي، يده كانت ملطخة بالدم وملابسه، العرق متصبب منه، ممسك بالمسدس بيده اليمنى.
"أجبرني أقتل الكلب، مكنش قدامي حل تاني." أشعل آدم سيجارة وجلس على المقعد دون أن يتحدث لماجي.
ومسح الدم من على يده في ملابسه: "أنا مش عارف مالي، شكلي اتجننت بجد، الأقراص اللي كنت باخدها جننتني." وظل يحدق بعينيه في الغرفة وعلى الجدار دون أن ينظر إلى ماجي.
انكمشت ماجي على نفسها برعب، كان آدم في حالة مخيفة وكأنه فقد عقله.
ثم فجأة برقت عيني آدم في وجه ماجي وقرب منها.
ماجي سحبت نفسها بعيدًا عنه لحد ما لزقت في الحيطة وهي بتصرخ: "ازيك يا حلوة؟"
ولطخ آدم خد ماجي بالدم: "دا دم تالا فاكراها يا كلبة؟ النهاردة هنتقم ليها من كل اللي اتآمروا عليها وقتلوها. الشرطة عايزة تقبض عليكي لأنهم لقوا الجثة ورفعوا البصمات، لكن أنا أقنعت الضابط مدحت صديقي يسبني أقتلك زي ما قتلت محمود الجنايني. متقلقيش هياخدوا جثتك ويدفنوها."
ماجي: "والله ما قتلتها ولا قربت منها."
آدم: "عارف، عارف عشان كده هقتلك، أصلها قتلت نفسها."
صوب آدم المسدس على دماغ ماجي: "اتشهدي. ولا اللي زيك انتي ميعرفش ربنا." وضغط على الزناد.
صرخت ماجي لكن الطلقة لم تخرج.
ضرب آدم المسدس في الأرض: "مش وقت بوظان دلوقتي."
ثم أعاد تصويب المسدس على دماغ ماجي.
صرخت ماجي بانهيار: "هعترف هقول على كل حاجة بس متقتلنيش، كان غصب عني والله محسن هندواي كان هيقتلني."
جر آدم وحراسه نرجس وماجي تجاه مركز الشرطة، وهناك تم إخضاعهم للتعذيب والترهيب حتى اعترفوا باشتراكهم في الجريمة.
في القاهرة كان ضابط الشرطة أعاد فتح القضية، بعد أن وصلته معلومة على هاتفه بمكان جثة تالا. حصل من النيابة على التصاريح الرسمية وقام بالحفر وإخراج الجثة.
داخل مركز شرطة القرية وصل تليفون من ضابط كبير، أمر الضابط مدحت بترحيل المجرمين للقاهرة حتى يخضعوا للتحقيقات ويغلقوا القضية.
قبل رحيله أخرج آدم ديلا من القبو، حررها من سجنها المؤقت، لكنه أصر أن يرافق ماجي ونرجس للقاهرة.
ركب سيارته وقادها خلف سيارة الترحيلات التي خرجت من مركز القرية تجاه القاهرة.
سارت السيارة تحت حراسة مشددة في طريق زراعي وادم خلفها. قبل مائة متر من الطريق الصحراوي انطلق رصاص كثيف.
رواية خادمة القصر الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم اسماعيل موسى
هثقبت الأعيرة النارية سيارة الترحيلات، وقتلت سائق الشاحنة والعسكري المرافق له. اخترقت صندوق الشاحنة ومزقت جسد ماجي ونرجس. امتلأت السيارة بالدماء التي أغرقت الأرض المترتبة. اشتبكت قوات الحراسة مع المهاجمين وأجبرتهم على الانسحاب. كان آدم أيضاً يطلق الرصاص من مسدسه المرخص. عندما انفتح صندوق السيارة، كانت نرجس وماجي ممددتين على أرضية السيارة جثة هامدة.
وصلت قوة الدعم وتحول المكان إلى خلية من الجند والقيادات.
اتكأ آدم على سيارته وأشعل لفافة تبغ وأطلق عدة أنفاس غاضبة. الدليل الوحيد قُتل.
داخل مركز القرية، اعترفت نرجس وماجي بتلقيهما أوامر القتل من محسن الهنداوى، لكن تلك الأقوال لم تسجل في محضر رسمي. الضابط الكبير أمر مدحت معاون الشرطة بإرسال المجرمتين للقاهرة.
تنهد آدم. دائماً هناك موظف كبير، قيادي كبير، ضابط كبير، شخص كبير.
بصق آدم على الأرض، ركب سيارته وانطلق نحو القاهرة. كان البدراوي في انتظاره، لاستلام جثة تالا ابنته بعد سنين من وفاتها. كانت أول مرة يلتقيان فيها بعد طول غياب. اندفع البدراوي في حضن آدم وهو يجهش بالبكاء.
"تالا يا آدم، إنها هنا حاضرة أمامي. أكاد أشم رائحتها."
"وحد الله يا عمي. ادعُ لها بالمغفرة."
"البنتين المجرمتين لازم ياخدوا إعدام."
"للأسف مش هيحصل."
"إزاي بتقول كده؟"
"لأنهم ماتوا، اتقتلوا في حادث مدبر."
"قلبي ارتاح لما سمعت الخبر."
"لكن أنا ما ارتحتش. المجرم الرئيسي قدر يهرب."
"مجرم مين يا آدم؟"
"محسن الهنداوى. ماجي اعترفت إنه اتفق معاها تتخلص من تالا."
"مش معقول! انت إزاي بتقول كده؟ أنا بعتبره محسن زي ابني، وريثي الوحيد بعد ما فقدت تالا."
"أنا بقولك الحقيقة يا عمي."
"الكلام ده مثبت في محضر رسمي؟"
"للأسف لا. الموضوع كبير، ومفيش أدلة على محسن الهنداوى."
"آدم، ابني؟! أنا عارف العداء اللي كان بينك وبين الهنداوى لأن تالا اختارتك أنت. لكن ما تنساش إن محسن الهنداوى كان شريك في تجهيزات العرس وكان فرحان عشانك. متخلينيش أندم إني وافقت على خطوبتك من بنتي. أنا بسببك اخترت عداوة الدنيا كلها، أنت عارف كده كويس. لكن توصل لرمي الناس بالتهم من غير أدلة أنا مش هسمحلك بكده!"
بدرت من آدم نظرة حانقة ولم يكن قادرًا على كتم غضبه. كان آدم يعتبر أن البدراوي شريك في موت ابنته ويتحمل المسؤولية أيضاً، بعدما اختار الزواج من امرأة أخرى، والتي بالصدفة كانت والدة محسن الهنداوى، عدو أعدائه.
"بسخرية، لازم تعتبره ابنك طبعاً، مش والدته مراتك؟ وكان لازم تكتب له جزء كبير من تركتك، رغم إن بنتك تالا كانت لسه عايشة. ما خطرش في بالك إن ده ممكن يؤثر على نفسيتها؟"
"آه قول كده بقى، قول إنك كنت طمعان في فلوسي، مصانعي وشركاتي، عزبي وأراضي وسلسلة المحلات الشهيرة اللي بملكها."
"كل اللي همك الفلوس،، الفلوس اللي هتخليك تتستر على قاتل بنتك الحقيقي؟"
"ابعد من هنا. أنا مش عايز أشوفك ولا أسمع صوتك مرة تانية. مش كفاية بنتي ماتت بسببك؟ لو كانت اتجوزت محسن الهنداوى كان زمانها لسه عايشة."
"أنا بقولك الحقيقة، ورحمة أمي ما هسيب محسن حتى آخر يوم في عمري."
"امشي من هنا. ارجع للبهايم والحمير اللي أنت اخترت تعيش وسطهم. لو شفتك هنا تاني حتى صدفه هسلمك للشرطة."
"أنت تعرف إن محسن الهنداوى بعت البنتين دول عشان يخلصوا مني؟ ما كفاهوش كل حاجة أخدها، عايز يستولي على القصر وأرضي كمان، عايز يقتلني زي ما قتل تالا."
"امشي يا آدم، امشي وبلاش تلعب مع الكبار. واحمد ربنا إني حزين على بنتي. أنا لحد دلوقتي مقدر إنك كنت خطيبها."
أدار ظهره لآدم معلنًا انتهاء الكلام.
تم نقل تالا لمقابر عائلة البدراوي ودُفن ما تبقى منها. زرع آدم وردة فوق قبرها وانتحب مثلما لم ينتحب من قبل.
لتوه، هاجمته كل الذكريات الجميلة رفقة تالا. تذكر كل ضحكة، كل مزحة، كل مقلب وكل نزاع دار بينهما. حضرت الكلمات كأنها قيلت للتو وظل جوار قبرها حتى غابت الشمس.
ودع تالا وانطلق بسيارته نحو القصر. لا شيء يدفعه للبقاء بعد تالا، لا شيء على الإطلاق. لكن شيء بداخله كان لم يهدأ بعد. قطرة ماء في وعاء على نار تغلي. محسن الهنداوى.
قاد آدم سيارته نحو القصر، كان نبضه يخفق بشدة، يقول إن الأمور دخلت في الجد. ومضى مسرعًا في الطريق.
كانت الأشعة الباهتة الهزيلة تختفي في ظلال المساء. كل شيء في الحقول وتحت البيوت الداكنة، وعلى الطريق المليء بالتراب والوحل والذباب يهتز وينبض بإرادة حياة جديدة وهو يشيع آخر شعاع للنهار.
سكن آدم قليلًا ونظرته ممتدة إلى الحقول الشاسعة الخضراء، وسرت الرياح الفاترة بوشوشتها بين أعواد الذرة، وحمرة الأصيل تسكب ألوانها الشاحبة.
عرج على منزل محمود النزاوى، أوقف سيارته ودخل المنزل الطيني المدخن. طلب من النزاوى يد ابنته ديلا.
"انت عايز تتجوز بنتي يا بيه؟"
"أيوه يا عمي، أنا يشرفني أطلب إيد بنتك للجواز، ويا ريت كتب الكتاب يكون دلوقتي لو معندكش مانع."
"برهبه وفرحه، الشرف ليا أنا يا باشا والله. البت ديلا طيبة وتستحق كل خير."
"أنا هدفع كل طلباتك."
"طلبات إيه يا آدم باشا؟ احنا كل هنا داخل القرية نتمنى نخدمك مش نناسبك."
زغرتي يا مرة وصرخ في زوجته المبهمة التي تقف على ضلفة الباب.
أطلقت المرأة زغروته طويلة تشبه نغمة ناي عتيق.
"يا ألف مرحبى، يا دي الهنا يا ولاد. آدم بيه هيتجوز بنتي؟"
نهض آدم وقبّل يد المرأة المقشفة المتشققة من أعمال العزاقة والحفر في الحقل.
"أنا عايزة أعترف بحاجة يا بيه، قدام الراجل المخرف ده، وكأنها أمام قاضي محكمة." رحل كل خوفها وقالت الحقيقة التي كانت تكتمها.
قالت المرأة بفخر: "أنا اللي هربت ديلا وكذبت على الحاج. كان عايز يجوزها للمجرم محمود الجنانى."
صرخ النزاوى: "أول مرة تعملي حاجة عدلة في حياتك. أنا مسامحك عشان خاطر الباشا."
حضرت ديلا لمنزل والدها. كان على المأذون أن يسمع موافقتها على الزواج بنفسها. مضى كل شيء بسرعة. ورافق آدم زوجته داخل السيارة نحو القصر وسط تصفيق أهل القرية على الطريق الذين التفوا حول السيارة.
ترجل آدم من السيارة وسبق ديلا ناحية باب القصر.
"استنى رايح فين؟ مش تاخد بإيدي زي اللي بشوفه في الأفلام والمسلسلات."
"بلاش تفاهة! إيه المعنى إن اتنين هيقضوا حياتهم كلها مع بعض، يمسكوا إيديهم من أول لحظة؟ هذه اللمحات المملة اخترعها شخص مغيب يفتقد للأمان."
"لكن أنا عايزك تمسك إيدي وتحضني واحنا داخلين القصر قدام كل الخدم. مليش دعوة، هزعل!!"
رمقها آدم بعصبية. "تعالى هنا بسرعة."
ركضت ديلا ووقفت أمام آدم بعيون متسربلة وخد ناضج، شبعه مغمضة.
"عايز فنجان قهوة بسرعة."
"أنا مش خدامتك!"
قبض آدم على شحمة أذن ديلا وفركها. "خلي أيامك تعدي معايا."
ولم يكن من ديلا إلا أن ركضت نحو المطبخ بوجه عابس وقلب يتنطط من الفرحة.
وضعت ديلا القهوة أمام آدم. التقط آدم القهوة ورشفها بلذة وهو يشعل لفافة تبغ.
"وهي جالسة على المقعد جوار آدم تقضم أظافرها."
"ها نعمل إيه دلوقتي؟!"
"بلا ملاعبة ولا حاجة."
"نعم؟ بتقول إيه، مش إحنا فرحنا الليلة؟"
"يعني إيه فرحنا الليلة؟ إيه الألفاظ السوقية دي؟ أنا غير مهتم على الإطلاق بهذه المنطقيات الرسمية."
حدق آدم بوجه ديلا وفكر. غريبة؟ كانت تلك العينان الجميلتان تغوصان في داخله منذ زمن طويل.
نهضت ديلا مأخوذة بشوق ولهفة، جذبت آدم وأنهضته، نزعت لفافة التبغ من فمه، ولامست بخدها خده. كان إيماءه مذهلة، دافئة، أوقفت نبض قلبه للحظات، ثم ركضت نحو غرفتها.
امتص آدم ما تبقى من لفافة التبغ بهدوء وسلام، ثم نادى على ديلا.
"أنا عايز آخد حمام، حضريلي الهدوم."
"لوحدك؟"
جذبها نحوه وصفعها على خدها بحنان. "إذا اقتربتي مني هعمل جريمة."
في تلك اللحظة، ظهرت القطة ميمي في الرواق، كانت تنظر إليهم بدهشة.
انتبهت ديلا. "تركت يد آدم وركضت نحو ميمي. ازيك يا ميمي؟ أنا كنت خايفة عليكي، انتي كنتي مختفية فين!؟ آخر مرة شفتك كنا عن الست اللي في البيت القديم."
لم ترد الهرة، أرتعشت شاربها بسخرية.
"أنتي زعلانه مني ليه؟ أنا نفذت كل أوامرك؟"
هزت الهرة ذيلها بلا مبالاة.
"ردي علي من فضلك."
"أنتي اتجننتي!؟ عايزة قطة ترد عليكي؟"
"بأعين دامعة، أرجوكي ردي علي يا ميمي، عايزة أسمع صوتك مرة تانية."
قفزت الهرة من حضن ديلا ودخلت المطبخ. أمر آدم الخدم أن يضعوا اللبن للهرة ميمي.
وكانت ديلا منكمشة على نفسها جالسة على المقعد تبكي.
"هي مش عايزة ترد عليه ليه يا آدم؟"
"القطط مش بتتكلم يا ديلا."
"والمصحف كانت بتتكلم معايا زيك بالظبط، وساعدتني كتير أوي، هي اللي أنقذتني من الموت."
شعر آدم أن ديلا تقول الحقيقة وتذكر عندما كان في غرفته وصورة تالا حبيبته عندما خرجت من فمها. وفكر: لابد أن روح تالا كانت تسكن الهرة. وشعر بحزن عميق لأن روح تالا لم تتحدث إليه واختارت ديلا.
"امسحي هدومك وخذي شاور، ميمي هتفضل عايشة معانا لكن مش هتتكلم تاني. اللي حصل كان شيء خارق للعاده ولن يعود مرة أخرى."
تجملت ديلا، كانت حسناء وأنيقة داخل فستانها الجديد. وكان آدم لا يزال جالسًا على مقعده يطالع رواية جديدة اسمها "أميرة القصر المجهولة" لكاتب مغمور لم يسمع عنه من قبل اسمه إسماعيل موسى. وكان في حالة من الشرود يقلب الصفحات باهتمام عندما خرجت ديلا.
"تصوري؟" قال آدم. "الرواية دي بتتحدث عن المستذئبين والنمورين وداخلها قصة حب مستحيلة."
"نحّي الرواية على جنب." قبضت على يد آدم وجذبته نحو السلم بالعافية.
"انتي بتعملي إيه!؟ اللي بتفكري فيه ده لا يمكن يحصل. أنا ضد اللمس، ضد الحب، ضد العواطف."
واصلت ديلا جذبه ودفعته داخل الغرفة. "سيبك من الكلام اللي متفلسف ده، أنا زهقت منك ومن الروايات ومن كلامك المعقد اللي مش بعرف أفهمه." ثم دفعته نحو السرير.
همس آدم: "بتعملي إيه؟ أنا آدم الفهرجي!"
"بلا فهرجي بلا نيلة، أنت جوزي، مش عايزآك تفكر في حاجة تاني."
أخرج آدم لفافة تبغ وهم بإشعالها. سحبت ديلا السيجارة من فم آدم وأطفأت نور الغرفة.
"على ما أتذكر انتي بتخافي من الضلمة؟"
"إزاي أخاف وانت جنبي؟"
كقمر فضي يلمع وسط الظلام، ترتسم ابتسامة على شفتيها. جلست ديلا جوار آدم.
"عندما كان هايدن يؤلف الموسيقى كان يحرص دوماً على أن يكون في زيه الرسمي. نحن مجرد أمواج صغيرة نادرًا ما تبلغ رمل الشاطئ."
قبّلته ديلا بعمق وروية وحنان. برقت عينا آدم كطفل يستمتع بمذاق كعكة ساخنة خرجت لتوها من الفرن.
همست ديلا: "بمرور الوقت ننسى الأشياء. تذكرني أنا فقط. أنسي فلسفتك، كتبك وعالمك اللعين. أنه في تلك اللحظة أنت من حقي."
حل السكون داخل القصر، اختفت كل أصوات العالم. تألقت النجوم وتجمع عبير كل ورود حدائق الكون داخل الغرفة واختلجت الأجساد المنهكة من طول الرحلة.
رواية خادمة القصر الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم اسماعيل موسى
محسن هنداوي: أنا ما يهمنيش أنت عايز إيه، كل اللي بتحلم بيه هيحصل، ديلا أو غيرها. أنا اللي يهمني تخلص من آدم الفهرجي، أنا سطوت على سيارة الترحيلات ورجالتي عرضوا نفسهم للخطر عشانك. عارف سيارة الترحيلات كانت واخدة إيه يا محمود؟
محمود الجنايني بتلعثم ودربكة: أحني راسي، عارف يا باشا عارف.
محسن هنداوي: لحبل المشنقة يا جنايني، لكن!
ونفخ الباشا الدخان: حبل مشنقتي مش بعيد عنك، إذا لم تنفذ تعليماتي، مخيلتك الحيوانية مش هتصور لك أنا هأعمل فيك إيه. مش هأقتلك ولا حتى أصلبك وأعلقك في شجرة بحبل. أنا هأكتفك وأخلي كلابي الجعانة تنهش جسمك وأنا بأدخن سيجارة وبأتفرج عليك.
ارتعش جسد محمود الجنايني وسرت قشعريرة في عموده الفقري، هذا الباشا غير آدم الفهرجي، هذا الباشا لا يرحم.
اطمن يا باشا، قال محمود الجنايني ما أن استطاع أن يبلع ريقه: هأقتله يا باشا وأرمي جثته للكلاب. طردني من القصر بعد ما قضيت عمري خدام عنده. اتجوز خطيبتي ورماني في السجن، ثم تنهد محمود الجنايني: اللي قولي يا باشا هو اللي يجوز خطيبة واحد تاني مش يبقى حرام؟ أنا سمعت شيخ الجامع بيقول لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه.
طيب، قال محسن هنداوي: يعني عندك عذر شرعي وأنا هأحميك، عايزك تنزل البلد، تترمي في أي حتة ومحدش يدري بيك إن شالله تنام وسط البهايم، لحد ما يوصلك مني خبر. الشرطة هتبحث عنك، اختفي يا محمود زي حشرات الحقل. كأنك صرصور بلاعة معفن.
الجنايني بطاعة كلبية: أوامرك يا باشا.
وتحرك للخلف وهو منحني يهز دماغه ولم يجرؤ على رفع رأسه إلا عندما وصل الشارع.
سحق محسن هنداوي عقب لفافة التبغ بحذائه، دعسها حتى تفتت كحشرة، كأن صورة آدم الفهرجي تحت قدمه. لا ليست صورة آدم بل دماغه اللعينة، آدم الذي فرق بينه وبين تلا وأظهره في مظهر الشخص الغير مرغوب فيه. أطلق سبة طويلة: سأجعلك تتوسلني، تقبل قدمي، هأفرق بينك وبين مراتك زي ما فرقت بيني وبين تلا. هأحرمك من السعادة زي ما حرمتني.
شاهندة والدة محسن: فيه إيه مالك يا محسن مش طايق نفسك؟ ومين الراجل اللي كان عندك ده؟
محسن بغضب: دا اللي هيخلصني من آدم الفهرجي.
شاهندة بغضب: محسن مش قولنا كفاية اللي عملته؟ أنت أخدت كل حاجة، مش عايزين مشاكل.
محسن هنداوي: لسه قلبه، أنا هأكل قلبه بأسناني.
شاهندة: مش عايزين البدراوي يحس بحاجة، إحنا مصدقنا سيطرنا عليه.
محسن بسخرية: البدراوي زي اللقمة في إيدك، مش حاسس بحاجة، عايش في النعيم البركة فيكي!
شاهندة بغضب: أنت بتتهمني بإيه يا ولد؟ أنا عملت كل حاجة عشانك، كل حاجة بقت ملكك، أنت فاكر كان سهل عليّ أتجوز بعد المرحوم أبوك؟
رمقها محسن بسخرية وكان في عينيه غضب مستعر: خليكي مع البدراوي وسيبيني في حالي.
ثم نزل قبو الفيلا وسمع نباح كلابه. كلاب جائعة مقيدة لم تأكل منذ يومين، كشرت الكلاب عن أنيابها ونبحت بشراهة. نزع محسن هنداوي جاكت البدلة وأمسك بالكرباج وراح يضرب الكلاب بكل قوته والكلاب تنبح، راحت الكلاب تصرخ من الوجع ثم سكن صوتها وانكمشت على نفسها. وأصبحت خائفة من كل تلويحة من يد هنداوي، ابتسم هنداوي ووضع يده داخل ماعون ورمى قطع اللحم للكلاب.
***
ديلا: آدم؟ لو كانت روح تلا ساكنة جوه القطة ممكن نرجعها تاني؟
آدم: نرجعها إزاي يا ديلا؟
ديلا: زي ما الست المجنونة دي كانت بتعمل اللي اسمها نرجس!
آدم بغضب: سحر وشعوذة يا ديلا؟ أنت القطة دي هتجننك.
ديلا بحزن: آسفة والله لكن مش قادرة أبطل تفكير فيها.
ثم وضعت يدها على العقد الذي أهدته إليها المرأة الغامضة وطلبت منها أن لا تنزعه من رقبتها، عقد لبني من أحجار كريمة لم تقلعه ديلا أبداً.
آدم: أنا شفت روح تلا بتتبخر من فم الهرة ميمي وأعتقد مش هترجع تاني، مهمتها انتهت، الروح ارتاحت بعد ما كانت معذبة.
ديلا: ومين قالك إنها ارتاحت مش يمكن لسه بتلف داخل القصر أنا حاسة بكده.
وتذكر آدم محسن هنداوي الذي كان الطرف الرئيسي في قتل تلا، وكيف أنه لا يزال حر طليق يرتع في أموال والدها وشرد حيث قبر تلا وكادت عينيه أن تدمع. وتساءل هل ارتاحت روح تلا فعلاً؟ أم أنها لا تزال طليقة تطوف من حوله تطالبه بالقصاص.
داخل القبو المظلم كان هناك ثعبان صغير أصفر اللون يصفر وهو يزحف نحو الحديقة.
رواية خادمة القصر الفصل الأربعون 40 - بقلم اسماعيل موسى
كان الثعبان يعيش في الحديقة وداخل القبو منذ وفاة نرجس. زحف الثعبان تجاه الحديقة، اختفى بين الأشجار تحت شجرة ذات جذع ضخم، اختفى داخلها.
***
تسلل محمود الجنايني كلص تحت جنح الظلام السرمدي، وصل القرية، وكان يختفي كلما لاحظ حركة ثم يواصل سيره. وقد وصل به الأمر أن يزحف وسط حقل ذرة عندما صادفته هنية بنت عبد الدايم. كادت الفتاة أن تلمحه عندما ظهرت في وقت متأخر عائدة من الحقل. كان محمود الجنايني يعرف أنها على علاقة بعلي فوزي، طالب الجامعة اليتيم الذي يرفض والدها زواجها منه.
تنهد محمود الجنايني بغيظ على ضياع الفرصة. في وقت آخر، في زمن آخر، ما كان ليتركها ترحل دون مضايقات. كان سيثبتها وسط الظلام، يبتزها، يهددها بالفضيحة. لطالما عشق محمود الجنايني نظرة الرعب التي يراها في عيون الخلق عندما يرعبهم، تلك النظرة التي تشعره بالقوة والسيطرة، يغوص في اللذة وتعتدل مزاجيته.
بعد أن عبرته هنية، أمسك بحجر وقذفه خلفها وسط أعواد الذرة. صرخت الفتاة من الرعب، ركضت وهي تصرخ:
"عفريت، عفريت!"
ولم تتوقف عن الركض حتى وصلت بيوت القرية الكئيبة. سرعان ما انتشر الخبر بوجود جان يسكن الحقول في الناحية البحرية، يظهر بالليل ويختطف الفتيات والأطفال.
سكن محمود الجنايني المخزن المهجور أثناء الليل، وفي النهار كان يجلس في بقعة خالية منعزلة محاطة بالنخيل وأشجار الصفصاف.
عندما وصل الخبر لمحمود الجنايني أن جان يسكن الحقول، شعر بالاستياء. لكن عندما بدأت الناس تتجنب الناحية البحرية من الحقول أثناء الليل، شعر بالراحة، لم يكن مضطرًا للتخفي وكان يشعل النار في الليل بارياحية. وكان الفلاحون يقولون إن الجان أشعل نارًا بالأمس، وأصبح بسرعة أسطورة فزاعة الجان.
***
أعادت ديلا ترتيب القصر من جديد. كمهندسة ديكور، غيرت مكان الأثاث، صنعت قعدة بلدي جوار المدفأة وأحضرت والدتها للقصر وسط ترحيب آدم الذي كان يحاول أن يفعل كل شيء من أجل إسعادها. كان آدم يرى أن هذه الوردة المتفتحة تستحق السعادة، وكان يضحك على براءتها وطيبة قلبها ولا يتوقف عن الضحك كلما رآها تركض كطفلة خلف الهرة ميمي وسط الحديقة. كانت ديلا تتبع القطة مثل ظلها. قال آدم لها مرة:
"يوم ما، هذه القطة المسكينة ستهرب من القصر بسببك."
وكانت ميمي من أجل الحقيقة تقوم بحركات غريبة في هذه الأثناء، وكانت سريعة الغضب، عصبية ولم تعرف ديلا ماذا أصابها، لكن آدم أخبرها أن الهرة تحتاج للتزاوج.
قالت ديلا:
"إيه يعني ذلك إنها ستحصل على أطفال؟"
"ليس مستبعد." قال آدم باهتمام.
"من أين سنأتي لها بهر يتزوجها؟" سألت ميمي كأنها والدة الهرة التي تهتم لحالها.
"علينا أن نحضر لها قط وسيم." قال آدم. "ميمي قطة سيامية جميلة."
انتبهت ديلا وزعقت:
"هذا ما كانت تقوله ميمي بالضبط!"
كانت تتباهى بقول إنها قطة سيامية جميلة. منذ تلك اللحظة أصبح العثور على وليف لميمي شغل ديلا الشاغل، وكانت تخرج منذ طلوع الشمس تتجول في الحقول من أجل اختيار زوج لميمي، وكانت مصرة أن يكون رفيق ميمي جميل مثل آدم. ميمي لن تتزوج هر متشرد كسول يسرق الطعام من بيوت الفلاحين، وبذلت مجهودًا كبيرًا من أجل العثور على هذا الهر، حتى إنها أجرت أطفال القرية بعد أن أغرتهم بالنقود ليحضروا لها القطط الجميلة التي يلاحقونها في الطرقات وفوق أسطح المنازل.
بعد مدة قليلة أصبح لدى ديلا مجموعة كبيرة من القطط. كانت تقوم بإطعامهم حتى يأخذوا عليها، وكانت تترك ميمي حرة وتراقبها من بعيد وهي تقترب من القطط لتلحظ أي إشارة تصدر عنها.
كان هناك أكثر من هر جميل اعتقدت ديلا أن ميمي ستختار واحدًا منهم، وكانت القطط تحاول الاقتراب من ميمي وإثارة انتباهها، وميمي تسير بينهم كأميرة غير مبالية بنظرات الإعجاب والشوارب الفخمة التي ترعش عند رؤيتها.
استغرقت ديلا في تلك الفكرة حتى إنها نسيت آدم تمامًا وكانت لا تراه إلا في أوقات متباعدة، وكان آدم يلحظها مهمومة ويسألها عن أخبار ميمي وعن آخر تطورات زواجها.
والحب لا يعدو كونه الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التافهة ومشاركتها مع رفيق الروح.
لم يعجب الهرة ميمي ولا قط من القطط التي أحضرتها ديلا، كانت ترمقهم ميمي بسخرية ونظرة فوقية تشعرهم بالدونية والتذمر.
اختفت ميمي فجأة من القصر، غاصت داخل الأشجار وقفزت من فوق السور وتوغلت داخل الحقول. كانت ميمي تشعر بالغيظ من ديلا لأنها تحجر على حريتها، إنها ليست فتاة بشرية يختارون لها زوجها دون إرادتها، إنها قطة.
قطة سيامية جميلة، وركضت ميمي بين الحقول المخضرة في شرود. كان الوقت ليل ولم تشعر بنفسها إلا بعد أن وصلت المخزن المهجور، هناك رأت نارًا مشتعلة وسط الظلام. دارت ميمي حول المخزن بحذر، وسمعت صوتًا ينادي عليها، صوتًا ضعيفًا هامسًا. توقفت ميمي ورفعت أذنيها.
كان الصوت قادمًا من خلفها، مشت ميمي بحذر نحو الصوت، كان هناك هر نحيف أسود مختفٍ بين أعواد الذرة.
"خلي بالك." قال الهر بهمس. "الراجل دا شرير."
ميمي بكبرياء:
"وإنت مالك؟"
الهر بلا مبالاة:
"أنا قلت أحذرك، لكن طبعًا إنتِ حرة في نفسك."
"كيمو واكا أراد فقط أن يحذرك."
ميمي بقفزة رشيقة:
"أنا مش بخاف، أنا قطة جميلة أعيش داخل قصر."
كيمو واكا:
"إيه يعني ذلك إنك تحصلين على الكثير من الطعام؟"
ميمي:
"أوه الكثير والكثير، لبن، سردين، سمك كامل وليس بواقي أمعاء، ولدي بيتي الخاص الصغير."
كيمو واكا:
"يقولون إن السردين طعمه لذيذ!؟"
ميمي:
"لذيذ جدًا، طعمه تحفة."
"كيمو واكا لم يأكل السردين طول حياته، كيمو واكا يأكل الخبز المعفن وبقايا الأطعمة."
ميمي بفخر:
"لأنك قط لعين مشرد يا كيمو واكا ولست قطة سيامية جميلة مثلي."
كيمو واكا:
"كيمو واكا يرى أنك هرة جميلة بالفعل، أنتِ أجمل قطة رأيتها في حياتي."
ابتسمت ميمي ومرت جوار كيمو واكا ولامس جسدها جسده.
"يمكنني أن أدعوك على وجبة عشاء فخمة، لكنك مجرد قط تافه."
كيمو واكا:
"كيمو واكا يرغب فعلًا بوجبة عشاء لأنه جائع، لكن البشر لا يرحمون، يضربون بالعصي والحجارة. لقد هرب كيمو واكا من الأطفال الأشقياء الذين كانوا يمسكون القطط ويحبسونها في أكياس بلاستيكية، كيمو واكا هرب من الأطفال وتخبى هنا."
ميمي:
"وهل ستكتفي بالهرب طول حياتك؟"
كيمو واكا بحزن:
"هذا ما تفعله القطط، تهرب وتهرب حتى تموت."
ميمي:
"أنت هر جبان، هل تعرف ذلك؟"
كيمو واكا:
"كيمو واكا يعرف أنك هرة جميلة لذلك يتحمل إهاناتك وسخريتك."
وشعرت ميمي بالفرحة، هذا ما كانت تبحث عنه، هر مستعد أن يتحمل مزاجيتها المتقلبة الصعبة.
قالت ميمي بكبرياء:
"مممم، اجمّع شتاتك، ميمي ستأخذك للقصر."
كيمو واكا:
"إيه يوجد هناك سردين؟ كيمو واكا جائع جدًا."
ميمي:
"أجل، يوجد هناك سردين ولبن."
كيمو واكا:
"كيمو واكا سيذهب معك، لا تكوني قطة شريرة وتسلميني للبشر؟"
ميمي:
"قط غبي!" وقالت في سرها: "لكنك تعجبني."
ركضت ميمي وركض جوارها كيمو واكا، تسلقوا السور ونزلوا داخل الحديقة، مروا جوار الشجرة ذات الجذع الضخم. توقف كيمو واكا لحظة وهو ينظر تجاه الشجرة وهمس لميمي:
"هنا يوجد شر كبير، كيمو واكا يشعر بذلك."
ضحكت ميمي:
"لا يوجد شر هنا، بل طعام كثير، وبيت مفروش بالرمل، سأجعلك تشاهد منزلي."
ثم تابعوا ركضهم تجاه باب القصر، دون تحرج أو خوف وقفت ميمي في مدخل القصر بفخر غير عابئة بنظرات الخدم، ميمي وآدم.
رواية خادمة القصر الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم اسماعيل موسى
كانت ميمي واقفة بفخر، ترعش شاربها بزهو، كفتاة أسطورية هاربة من حلم. كيمو واكا يقف جوارها باضطراب، متوقع في أي لحظة أن يركض خلفه واحد من الخدم اللعينين، بعصا أو حجر أو حتى ساطور. علمته الحياة أن البشر لا يتورعون عن القتل لأتفه الأسباب، وكان يبحث بعينه عن مخرج إذا تأزم الأمر واضطر للهرب.
قالت ميمي:
كيمو واكا رافقني سأفرجك على القصر!
أجاب كيمو واكا:
كيمو واكا يشعر بالجوع، يريد أن يأكل سردين، لا يمكن لكيمو واكا أن يفكر ويستشعر الجمال إذا كانت معدته فارغة!
ابتسم آدم وهو يرمق الهر النحيل الذي استطاع أن يسرق قلب ميمي، هذا إذا كان لها قلب يحب مثل البشر.
بينما كانت ديلا ترمقهم بارتباك غاضب، ليس هذا الهر الذي تمنته لميمي، هر نحيل يكسوه الخيلاء والغرور، وأرادت أن تطرد الهر، لكن آدم منعها.
قال آدم:
اسمعي يا امرأة، إياك أن تقفي بين هرة وعشيقها، ستطاردك أرواحها السبعة ولن تري راحة بال حتى في أحلامك!
شعرت ديلا بالرعب وتوترت، منذ مدة طويلة باتت تؤمن بترحال الأرواح وقدرتها على فعل أي شيء، وقعدت في مقعدها دون حركة.
نهض آدم بحذر وأمر الخدم أن يعدوا الطعام لميمي وضيفها.
طعام كثير أمرهم آدم، الهر نحيل، جائع.
قالت ميمي بفخر:
هذا صاحب القصر، صديقي، إنه شخص مثقف، محب للعزلة، قارئ، يدخن بشراهة ويحتسي فناجين القهوة بلا توقف، يستمع للموسيقى، موسيقى شوبر وباخ وشومان، تشايكوفسكي ومقطوعة بيتهوفن التاسعة تحديدًا، هل تعرفها؟
قال كيمو واكا:
كيمو واكا يعرف كل شيء، لست كائن تافه سطحي كما يبدو لك.
ميمي:
وهذه زوجته، فتاة طيبة، لكنها غبية، لا تتوقف عن الركض خلفي في كل مكان ولا يمكنني الهرب منها، تصور؟
ونظرت ميمي تجاه كيمو واكا:
كانت تبحث لي عن رفيق لأنني...
وأردفت ميمي بخجل:
بلغت سن التزاوج.
فتح كيمو واكا فمه على آخره عندما تناهت لأنفه رائحة السردين الطازج وشعر أن معدته تتقلص وأنه على ما يبدو إذا لم يتناول أي شيء ستصدر أصوات غريبة وعندها كيمو واكا سيشعر بالحرج!
عبرت ميمي الرواق وأمرت كيمو واكا أن يتبعها، سار الهر خلفها ولا زال الخوف يتملكه.
فردة حذاء ترفرف من بعيد تسحق عنقه ليست فكرة مستبعدة. كان الطعام موضوعًا في آنية أنيقة، كيمو واكا ليس معتادًا على ذلك الأمر، كان يخطف الطعام ويركض، لكنه الآن مضطر أن يتبع آداب الطعام الخاصة بالهرة الأرستقراطية التي تسكن قصرًا فاخرًا.
مد كيمو واكا لسانه وابتلع قطعة سردين بلهفة واستمتاع.
طعام فاخر فعلًا، أشكرك على دعوتي على العشاء، كيمو واكا يقدر لك ذلك.
وراح كيمو واكا يلتهم الطعام لكن بهدوء وعينه تتبع آدم الفهرجي، ثم قال بتأنٍ:
أكاد أشعر أن هذا الإنساني مختلف ولديه جاذبية خاصة، وأنه من الممكن أن يجمعنا حوار عميق وهادف، لأن كيمو واكا لا يحب موسيقى باخ.
قالت ميمي باستنكار:
كيمو واكا؟ لست محتاجًا للكذب لنيل إعجابي، أتريد أن تقنعني أن هر متشرد مثلك استمع لباخ وهادنج؟
كيمو واكا:
كيمو واكا لم يكن متشردًا طول عمره. في الماضي كان كيمو واكا يعيش جوار مشفى للأمراض النفسية، في أحد العنابر شديدة الحراسة كان يعيش شخص وحيد، لا يسمحون لأحد برؤيته، لأنه كان يستخدم عقله أكثر من اللازم، لكن كيمو واكا تسلل لغرفته من خلال شرفة صغيرة تشبه حجم القمر وجلس هناك يراقبه، لم يبدو الرجل خطيرًا لكيمو واكا، بل إنسان مهزوم سحقته الحياة، ينتحب ويهذي بكلام سخيف، عندما يفكر كائن بشري أكثر من اللازم ولا يتقبل كل ما يطلب منه دون إقناع يتخلى عنه أحبته.
في آخر الليل كان الرجل يخرج جهازًا صغيرًا ما إن يضغط عليه حتى تنطلق الموسيقى بصوت خافت، وكان كيمو واكا يستمع للموسيقى معه كل ليلة حتى أنني حفظت أكثر من كونشيرتو، ويستطيع كيمو واكا أن يتذكر بوضوح تلاعبات البيانو في المصنف 97 من ثلاثية الأرشيدوق وتجديدات الاسكرتسو.
همست ميمي بخجل:
أعتذر، أنا آسفة كيمو واكا، كنت أعتقد أنك هر سوقي، صحيح، آها كيف يقولونها البشر، أجل تذكرت، المظاهر خداعة.
والتصقت ميمي بجسد كيمو واكا وهي تتناول الطعام وكانت تنظر لديلا بتحدٍ، وتقرب بفمها الطعام لكيمو واكا الذي لم يخفِ إعجابه بتلك اللمحة الأنثوية الرقيقة وكانت معدته بدأت تمتلئ وشعر برغبة في الكلام.
قال كيمو واكا لميمي:
تعرفي، قبل أن أحضر لتلك القرية المتعفنة كنت أعيش في مكان آخر، ومررت في زقاق في آخره كان ينهض بيت صغير ورأيت امرأة تخينة، ضخمة جدًا، تشبه جذع شجرة توت، وكانت روائح الطعام خرجت من منزلها وعبرت الزقاق وتطوف خلال الأرض الخراب المجاورة للبيت، وقلت في بالي داخل هذا المنزل سأجد ما لذ وطاب وامرأة تمتلك مثل هذا الكرش لن تبالي بحفنة طعام يأكلها كيمو واكا المسكين، دلفت داخل المنزل، تركتني المرأة أدخل فشعرت بالسعادة تغمرني وسمعت صوت قرقرة معدتي، لكن المرأة الشريرة أغلقت الباب، وسحبت عصا غليظة، أترين يا ميمي؟ عصا ضخمة، ليست عصا مكنسة، بل خشبة يابسة، شعر كيمو واكا أن ضربة واحدة منها من الممكن أن تشقه جزئين، وكان وقت الاعتذار قد ولى، البشر لا يتمتعون بالصبر عندما يتعلق الأمر بقط جائع يتعدى على طعامهم، صوبت المرأة اللعينة العصا على ظهر كيمو واكا، لكن كيمو واكا تمكن من القفز والهرب وأصابت العصا ذيلي، ظللت أيام أتألم.
تعلم كيمو واكا أن لا يثق بالبشر، لكن هذا الرجل...
ورفع كيمو واكا رأسه:
رجل نبيل يمتلك شرفًا، وكيمو واكا مستعد للموت من أجل شرفه، كيمو واكا هر نبيل أيضًا.
سار كيمو واكا بخطوات حذرة تجاه آدم الجالس على مقعده وحدق في وجهه بتركيز، ارتسمت على شفتي آدم الفهرجي ابتسامة ودودة، كان آدم يعرف أن هذه الحيوانات الصغيرة، قليلة الحيلة وتقاسي من أجل جمع طعامها، رفع كيمو واكا ذيله وحك جسده بقدم آدم ثم عاد لمكانه.
قالت ميمي:
كيمو واكا لماذا لم تسلم على المرأة؟
تنهد كيمو واكا وهز رأسه:
كيمو واكا لا زال متوجسًا من تلك السيدة، داخلها شيء لا يعجبني وفي عنقها عقد غامض.
حدق كيمو واكا بوجه ديلا الصامت ثم قال بسخرية:
تعرفي يا آنسة ميمي، القطط قوية نحن أقوى من البشر، النساء منا بالذات، فامرأة بشرية حامل تحتاج ألف شخص يعتني بها حتى تلد، تكاد تشعرك أنها حامل بحفيد ماركو بولو، بينما تحمل الهرة وتلد وتطعم بمفردها.
ميمي بدهشة:
لماذا تقول هذا الكلام الآن؟ ما علاقته بالمرأة؟
ابتلع كيمو واكا قطعة سردين كبيرة:
لأن هذه المرأة حامل.
همست ميمي بصوت فرح:
بجد؟ كيف عرفت؟
قال كيمو واكا وهو يبتلع ريقه:
الأمر بسيط، وجهها مصفر غزاه بعض النمش، كما أن في ساقيها انتفاخ لاحظه كيمو واكا.
قالت ميمي:
جيد، الآن سيكون لديها أمر آخر يشغلها عني.
لعق كيمو واكا فمه بلسانه، وكان قد شعر بالتخمة ويرغب بالنوم، ميمي أيضًا كانت تشعر بالنعاس.
قال كيمو واكا:
حسنًا، كيمو واكا يرغب في الرحيل، أحتاج للنوم.
نصبت الهرة ميمي رقبتها وهزتها، وقالت بخجل:
لدي منزل هنا يمكنك النوم داخله!
كيمو واكا:
كيمو واكا لا يرغب بإزعاجك آنسة ميمي!
ميمي:
ما فيش إزعاج، إنه بيت صغير لكنه جميل، أعتقد أنه سيعجبك.
كيمو واكا:
كيمو واكا لا يمانع برؤية منزلك الصغير.
سارت ميمي وسار خلفها كيمو واكا حتى وصلت بيتها الصغير عندما دخل كيمو واكا وميمي داخل البيت الضيق التصقت أجسادهما وناما متجاورين.
***
كان محمود الجنايني يشعر بالاستمتاع، أصبحت الناحية البحرية من الحقول مهجورة خلال الليل، مما سمح له التحرك براحة وطمأنينة، وكان الفلاحون يمنعون أبناءهم ونساءهم من التأخر في الحقول بعد غروب الشمس، وكان يسرق أكواز الذرة ويبيعها لمعارفه القليلين الذين يثق بهم نظير الطعام الذي يحضرونه له، وكانت الشرطة نسيت حادثة هروبه بعد أن فتشت عنه ولم تجده!
بعد عدة أيام وصلته الأوامر بقتل آدم الفهرجي، سامحين له باستخدام كل الطرق التي يجدها مناسبة للوصول لتلك الغاية.
تنهد محمود الجنايني، بات حلمه قريب التحقيق، بعد أن يتخلص من آدم الفهرجي تصبح ديلا ملكه، سيعاقبها عن كل ما فعلته معه. ابتسم محمود الجنايني عندما فكر أن ديلا ستصبح في حضنه وأنها من الممكن أن تتلوى من المتعة مثلما يحدث مع آدم.
وكان الليل قد انتصف عندما أخفى وجهه وسار تجاه القصر.
كمن في أحد الحقول يراقب القصر حتى واتته الفرصة للتحدث مع أحد حراس القصر.
الحارس الذي رفض إغراءات الجنايني في البداية، لكن البستاني استخدم طرقه المرعبة، بالترهيب والترغيب حتى رضخ الحارس، هدده محمود الجنايني أنه سيقتل أسرته كلها.
وأنه على كل حال مجرم محكوم عليه بالإعدام ولن يضيره حكم آخر، ووعد الحارس بمبلغ ضخم من النقود، اتفق محمود الجنايني مع الحارس أن يقطع النور عن القصر بالغد بعد منتصف الليل، لكن عليه أن يتخلص من الحارس الآخر، أن يخلق سببًا لا يوجده داخل القصر.
ومضت الليلة وانتهى النهار وهبطت ليلة أخرى ومحمود الجنايني كامن في الحقول مع مجموعة من رجال محسن الهنداوي، منتصف الليل انقطع التيار الكهربائي داخل القصر.