تحميل رواية «خادمة القصر» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الخدامه الجديده وصلت يا باشا، أنا مثبتها قدام باب الخدم مستني إشارة من حضرتك؟ هى عارفه إني عايش وحيد داخل القصر؟ أيوه عارفه يا باشا، هو فيه حد في المنطقة كلها يستجرى يرفضلك طلب يا باشا؟ أنا مطلبتش من حد يشتغل عندي يا محمود، اللي يشتغل هنا لازم يكون جاي من نفسه من غير إجبار. طبعًا يا باشا مفهوم. نهض آدم ووقف أمام الشرفة المطلة على الحقول، في إيده سيجارته، مرتدٍ قميص موف يبرز صدره القوي وشعره الناعم يغرق وجهه العاجي، ووضع البستاني خلف ظهره. بص ناحية البنت البسيطة اللي واقفة قدام باب الخدم، فتاة صغ...
رواية خادمة القصر الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسماعيل موسى
كان الركض سريعًا في البداية، وكان آدم الفهرجي في المقدمة، بينما تكافح فتاتان هزيلتان متقطعتي الأنفاس. ورأه لإثبات نظرية لعينه ذات مغزى تافه. اختلجت الحماسة داخل الفتاتين، ولم تكن ولا واحدة منهن مستعدة للخسارة. كان في الظاهر تحدٍ بين مدرسة اللغة الفرنسية وتلميذتها، وكانت كل واحدة منهن تؤمن بأحقيتها في انتزاع النصر.
لكنه في العمق، في الداخل، تحدٍ بين أنثى وأنثى. كر وفر، تتقدم واحدة فتلحق بها الأخرى. اللفة الأولى كانت متعادلة.
"لا وقت للتفكير، أغمضي عينيك واركضي"، همست ديلا مشجعة نفسها. "إنها مجرد فتاة مدللة، لن تصمد جولة أخرى."
في اللفة الرابعة، اقتربت ديلا من الآنسة ماجي وركضت جنبها.
"ليس هنا ما عليك إثباته. اخرجي من السباق قبل أن تتقطع أنفاسك وترقدي على الأرض مثل فرخة مذبوحة. سيكون أمر بالغ الإحراج إذا تدحرجتي على الأرض مثل كرة بيسبول."
"حسنًا"، رفعت ماجي يدها. "سأمنحك ابتسامة لائقة عندما أصل خط النهاية. كفاكي ثرثرة واركضي إذا كنتي قادرة على إتمام السباق."
في الجولة السابعة، لم تكن ولا واحدة منهم قادرة تحرك رجلها. عضلات الساق ارتخت وصرخت من الألم.
"الحياة لا تعترف بالضعفاء ولا طيب القلب. كونك إنسان جيد لا يضمن لك السعادة."
"لو تعبتو، ممكن نوقف الركض"، صرح آدم وهو يرفع يده.
"لا لا لا لا!"
أربع علامات للرفض أطلقتها الفتاتان. لماذا ترفض الأنثى؟ عليك أن تسأل نفسك، ولن تفلح في فك شفرات هذا الكائن الغامض المتخبط الذي يملك كل ربع ساعة قرار مختلف.
حافظت الآنسة ماجي على التمارين الرياضية طول حياتها من أجل الحفاظ على رشاقتها كي تمنح هذا الجسد الرشيق الذي يجذب عيون الرجال. بينما كانت ديلا تتمتع بصلابة الفتاة القروية التي إذا أتيحت لها الفرص من الممكن أن تصنع المعجزات.
في الجولة قبل الأخيرة، زادت ماجي من وتيرة الركض. رغبت أن تصدر اليأس لديلا. ابتعدت عنها عدة خطوات ثم اتسعت الفجوة أكبر. كافحت ديلا من أجل حظوظها التي تؤمن بها.
توقف آدم المتقدم ونظر تجاه ديلا البعيدة. وتمكنت ديلا من رؤية ملامحه التي تحفظها. لقد رأت في وجهه الأمل، الحلم الذي لطالما تمنته.
وصلت ديلا البقعة الصغيرة التي تشبه بحيرة متقزمة بين الحشائش. ألقت بنفسها داخل المياه وتمرغت. أزعجت الطيور والفراشات وخرجت متسخة بالوحل كأنها فزاعة حقل مصبوغة بالرماد.
كانت ماجي قطعت ربع مسافة الجولة الأخيرة عندما ركضت ديلا بكل سرعتها، فأر هارب من قط لينجو بحياته. وسمع آدم دبيب قدميها، وكانت الحماسة مشتعلة داخل صدرها لدرجة أصبحت معها فوهة بركان. عاصفة هبت دون موعد، قادمة من الخلف.
يقول مثل هندي: من العبث أن ترمي الأفيال بكل السهام بينما وحيد القرن قادمين من الخلف.
مغمضة عينيها، متشربة لكل عناصر الطبيعة، ساقيها تخترق الأرض على المضمار المترتب. تكتب أول فصل في حلمه. لن يكون أي شيء قادر على إيقافها. إنها أقوى فتاة في العالم. أليس عليها أن تكون قوية لتعيش في هذا العالم البشع؟
قبل نهاية السباق، كانت سرعتها عاصفة، تكاد تشعر أنها أميرة خيالية في ملحمة سحرية. شعرها مستقيم خلف ظهرها مثل حرب. صرخت ديلا: "أنت لي!" ورددت الأشجار الصامتة خلفها نشيد الحب. طارت العصافير من شجرة لأخرى كسحابة قاتمة على وشك المطر.
وصلت ديلا نقطة النهاية وارتمت على العشب بفرحة منقطعة النظير. تشقلبت على النجيلة عدة مرات حتى ارتطمت بآدم الفهرجي ووجدت نفسها فوقه.
"آسفة"، قالت ديلا وهي ترفع نفسها. "تحمست أكثر من اللازم."
وقفت الآنسة ماجي بقدمين مرتخيتين، غير قادرة على صلب طولها. عينيها مهزومة، وبقايا غل تتراقص على خصرها المائع. منحنية، واضعة يديها على ركبتيها، لاهثة تتنفس بوتيرة سريعة كامرأة تم غزوها.
حاوطت ديلا وسطها بيديها. "هارد لك يا آنسة ماجي، لعبتي بشرف حتى آخر لحظة."
اخترقت الآنسة ماجي بوابة القصر، طوحت وشاح العنق الأحمر الذي جعلها تبدو كامرأة من الهنود الحمر على الأرض. ركلت مقعدًا وصرخت من الوجع.
ابتسم آدم. "أنتي سريعة جدًا يا ديلا، خاصة في آخر اللحظات، كنتي أشبه بزوبعة!!"
"قلت لك سيد آدم، العالم يتغير. ديلا تغيرت، ولم تصبح مثل الأمس."
"آدم: أنا شايف أنك بتدرسي كويس ما شاء الله، يعني وقت قليل ومش هتحتاجي مدرسين. لو فيه حاجة وقفت معاكي، أنا هساعدك ومن فضلك متتوقفيش عن القراءة. وعايز أقولك حاجة تانية، انتي كنتي جميلة جدًا في اللبس الجديد."
قفزت حفنة من المشاعر على وجه ديلا، تدفقت كنهر أحمر في شرايينها وصبغت ملامحها بالوردي.
"بجد كنت جميلة؟"
"أجل، هكذا الأنثى، حتى لو كانت معتزة بنفسها تتلهف لكلمات المدح."
"كنتي قمر"، تخلى آدم عن حذره. "أنا مكنتش مصدق نفسي. قولت كيت ونسلت زارت القصر ولا إيه."
وبرقت عيناه بلمعة محببة، كذكر حمام يلوف على حبيبته. "لكن إيه السر وراء اختيار الملابس الجميلة دي؟ مكنتش أعرف إنك ضليعة في الموضة؟"
"عادي سيد آدم، عادي. الشيء يعني لا شيء، والشيء لم يكن شيء قبل أن يحدث. لازم تعرف إن جوايا حاجات كتير لسه مطلعاها."
انبسط آدم على العشب وسند رأسه بيده. "أكتر من كده؟ دا أنا ممكن أفقد وعيي."
"ديلا: أنا لازم أمشي دلوقتي عشان ميعاد الدرس مع الآنسة ماجي."
"آدم بضحك: فكرك هتعرف تشرح حاجة بعد إلى حصل ده؟ انتي مشفتيش وشها عامل إزاي؟"
"ديلا: خذ من كل شخص ما تحتاجه واترك الباقي له."
الآنسة ماجي كانت بتغلي في غرفتها. "بقى بنت مفعوصة تتغلب علي وتحرجني قدام آدم الفهرجي! أنا هوريها شغلها."
رواية خادمة القصر الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اسماعيل موسى
رواية خادمة القصر الفصل الثالث والعشرون 23
خادمة_القصر
٢٣
فى حجرة الدراسه كانت ديلا جالسه عندما دخلت الانسه ماجى، وقفت ديلا تحي مدرستها بأدب، قعدت الانسه ماجى مخفيه غضبها، وجلست ديلا بالتالى
خلقت الانسه ماجى ابتسامه صفراء، انتى بقى بتسخرى منى؟
ديلا /ايه إلى دفعك تقولى كده استاذه ماجى، انا عملت حاجه غلط؟
الانسه ماجى /اصلك وقفتى لما دخلت وسلمتى عليا ودا مكنش بيحصل قبل كده، ليه النهرده؟
ديلا / اها حضرتك بتقصدى السباق، دا كان مجرد تنافس شريف وعدا، مش معنى انك خسرتى انى اشمت فيكى، انتى مدرستى ولازم احترمك
وضعت الانسه ماجى كفها على دفتر التحضير، لو كنتى فاكره انك ممكن تضحكى عليا تبقى عبيطه يا ديلا، انا اكتر واحده فاهمه دماغك اللئيمه والخبث إلى معشعش فيها، لازم تعرفى انى وصلت هنا عشان ادرسك مش عشان اى حاجه تانيه
ديلا / بقلب محلق، اخفت ابتسامه، وانا بحترمك عشان كده انسه ماجى
ماجى / نبداء الدرس ممكن؟
ديلا / اتفضلى
ومضى كل شيء بسلام، لم تسمح الانسه ماجى لحقدها ان يؤثر على مهنيتها، بل كانت اكثر لطف من السابق
عندما انتهى الدرس وخرجت ديلا، كان ادم الفهرجى جالس فى الرواق على وشه إمارات الحزن، وكان شرد لدرجه عميقه تكاد تشعر ان روحه ليست معه
شعرت ديلا بكل ذلك، كانت وصلت للحد الذى تستطيع من خلاله ان تفهم ادم من مجرد نظره
كان ادم يحرق لفافات التبغ ورا بعضها وينفث غضب
ديلا / فيه حاجه حصلت يا ادم بيه؟ شايفاك قاعد معصب
ادم / اطلق ابتسامه ميته، وصلتنى اخبار مش كويسه
ديلا / خير ادم بيه؟
ادم /الخادمه شهد اتقتلت، اختفت قبل يومين وبعد البحث عنها لقيوها مدبوحه قدام باب القصر
ديلا / طيب وايه علاقت دا بحضرتك؟ انت مش بتخرج من القصر، اكيد الشرطه عارفه كده
ادم / الموضوع اكبر من كده يا ديلا، الشرطه بتحبث عن القاتل، لكن فى القرى هنا الوصول للقتلى صعب، مفيش ولا شخص شاف شهد وهى خارجه من بيت والدها ولا حتى فى اى شخص مشتبه بيه، لكن مش دا إلى شاغل بالى
قعدت ديلا إلى الكرسى جنب ادم، وقالت بلطف، ايه إلى شاغل بالك طيب؟
ادم / عملية القتل تمت قدام باب القصر، شهد كانت جايه على القصر هنا، القاتل كان متربص بيها ومنتظرها قدام باب القصر، شهد كانت جايه هنا بارادتها، يعنى كانت عايزه تقول حاجه معينه، من الصبح بحاول استنتج ليه شهد كانت بتجرى ناحيت القصر؟
ايه إلى كانت تعرفه وخلى قاتل يتربص بيها ويمنعها تدخل القصر؟
ديلا بخوف / اكيد محمود الجنانى، اكيد بينتقم منها عشان شهدت معاك
ادم / انا فكرت فى كده برضه، لكن الشهود أكدو ان محمود الجنانى كان سهران معاهم فى القهوه وقت حدوث جريمة القتل إلى حددها الطب الشرعي، الشرطه مش غبيه، أصابع الاتهام كانت بتشير لمحمود لكن مفيش بصمات على الجثه، جريمه نضيفه زى ما بيقولو
شهد كانت بطريقه بشعه يا ديلا، القاتل دبحها بغل لحد ما فصل دماغها عن جسمها، دى مش جريمة قتل عاديه، مفيش تحرش ولا حتى محاولة اغتصاب ودا إلى قلقنى
ديلا /هتقلق ليه يا ادم بيه؟ الكل هنا عارف انك انسان شريف وبعيد عن المشاكل
ادم / بحزن، انتى ليه مش قادره تفهمى، بقلك البنت كانت بتجرى ناحيت القصر
يعنى كانت عايزه تطلب المساعده او بتهرب من خطر
انا قررت اشدد الحراسه حوالين القصر، هطلب غفر من القريه واحد ولا اتنين
انا حاسس انى انا الى مقصود بجريمة القتل دى، بس مش قادر اكشف العلاقه
انا مضطر انزل القريه ادور عن حراس للقصر بالمره اعدى على والدك اطمنه عليكى
ديلا بخجل، انت بتدفع لابويا فلوس عشان يسبنى قاعده هنا صح؟ انا عارف ابويا يموت فى القرش ومقدره كل إلى بتعمله عشانى
لم يعقب ادم على ملاحظة ديلا، هذا الكائن البريء اللطيف لا يمكن أن يعرف إلى اى مدى ادم مستعد ان يذهب فى الدفاع عنها، من أجل أن تظل قريبه منه، انها الوحيده التى اعادت ادم القديم بعد أن كان نسيه من زمان طويل، الوحيده التى اعادت الحياه للجسد الميت وزرعت السعاده داخل القصر
لقد كان قلبه ميت منتهى ولم يعتقد انه من الممكن أن ينبض مره اخرى.
تمكن ادم من استعمال حارسين للقصر، ورغم ان مساحة القصر كبيره ويحتاج حراس اكتر لكن الظروف اجبرته على عدم لفت الانظار، ان كان هناك من يتربص به فلا يريد أن يعرف ان ادم يشعر بالخوف، مر على منزل محمود النزاوى وشرب الشاى معه ودفع له نقدا الاعانه الشهريه التى تبقى فمه ساكت، ثم ذهب لمركز الشرطه لانهاء ترخيص بنادق الغفر، استغرق منه ذلك اليوم بطوله ولم يعود القصر الا بعد غروب الشمس
اول ما ادم دخل القصر لقى الانسه ماجى وديلا قاعدين جنب المدفأه بيتكلمو مع بعض، بيشربو قهوه وعلى وجه كل واحده منهم ابتسامه مصطنعه، مرتديات تنانير قصيره ضيقه وقمصان نص كم، واضعات قدم على قدم، لو تأملتهم من بعيد لشعرت انهم صديقتين مقربتين، هكذا الحال، العين تخدع، وبدتا انيقتين لدرجه بعيده وشعر ادم ان رواق القصر تحول لمقهى فاخر ترتاده الطبقه البرجوازيه.
القى ادم التحيه وصعد غرفته ياخد حمام وطلب من الخادمه تعد العشا، لو كان يفهم فى النساء ما كان انخدع من قبل، لازال داخله حاجز بينه وبين القرب يمنعه ان يفتح قلبه لأى شخص مهما كان، فجراح القلب لا تبراء بسهوله، ان الشخص الذى يفتح قلبه لكل عابر انسان بائس تعيس والأخر الذى يمنح كل قلبه لشخص واحد غبى يستحق العقاب، عليك أن تبقى من كل شيء جزء تحسبآ للخذلان، اذا أحببت اترك جزء من قلبك حتى لا تموت دفعه واحده، واذا وثقت توقع الخيانه، دائما توقع الأسوء يجعل الأمور تمضى أسهل، يعلم انها بريئه، يدرك انها مثل فراشه، يفهم ان ثوبها الطويل لم يتوسخ بعد.
تناول ادم العشاء وكان هناك حديث جميل دار مع وقت شرب الشاى وكان ادم يشعر بالتعب، قضى يومه كله فى مشاوير ودخل فى حورات جعلت عقله متعب، استأذن للنوم وترك ديلا مع الانسه ماجى التى سرعان ما تحججت بالتعب وقالت انها ستذهب للنوم
القصه بقلم اسماعيل موسى
فى غرفتها استسلمت ديلا لنوم هاديء، لا شيء يؤرقها واغمضت عينيها بسرعة قطار مجرى، فى منتصف الليل انفتح باب غرفة الانسه ماجى، كانت مرتديه لباس النوم، نزلت الطابق الأرضي واعدت شاى شربته بمفردها، الكل نائم حتى الخادمه، انهت الانسه ماجى كوب الشاى وتسلقت درجات السلم، طرقت باب غرفة ادم ببطيء عدت مرات، كان باب الغرفه مفتوح فدلفت للداخل، فتح ادم عنيه
انا مش جايلى نوم ممكن اقعد معاك شويه؟
الوقت متأخر، بص ادم فى الساعه، لكن الانسه ماجى مديتوش فرصه وقعدت على طرف السرير، شكلك تعبان جدا، اعملك مساج؟
رفع ادم ايده، لا اشكرك، انا كويس
ودون تردد تسللت يد الانسه ماجى نحو جبهة ادم، ياه انت جسمك سخن جدا، ازاى مش حستش بالحراره دى كلها؟
وصدرك كمان سخن، انت محتاج كمادات
ادم / انا كويس، متقلقيش نفسك، وبداء جسده يخرج عن سيطرته، فلا سلطان على الجسد عندما يتمرد
كانت يد الانسه ماجى لازالت على صدر ادم عندما فتحت كفتها وضغطت ببطيء
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية خادمة القصر الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسماعيل موسى
الساعة العاشرة صباحًا، بقبعة خضراء وبنطال أزرق واسع وقميص أبيض، أنهت الآنسة ديلا إفطارها. أخبرت ديلا أنها ستخرج في جولة داخل القرية. تحتاج أن تسير بين الحقول وتتنشق هواءً ريفيًا نقيًا وتشاهد الفلاحين العاملين في الأرض. "محتاجة أغير جو"، هكذا أخبرت ديلا.
تفاجأت ديلا برغبة الآنسة ماجي، التي منذ حضورها وهي تؤكد على احتقارها لحياة الأرياف وأنها تعاني من عدم وجود مقهى للفتيات أو حتى كافيه.
"لن أتأخر"، قالت ماجي، "وإذا تأخرت اطلبي من آدم أن يبحث عني".
عبرت الآنسة ماجي الحديقة، ثم مرت من بوابة القصر واتخذت الطريق الرئيسي المؤدي للقرية التي لم تكن بعيدة. ظهرت أمامها المنازل القديمة والنسوة الأهثات خلف أرزاقهن. تجولت بين المنازل بحرية ومرت على مقهى القرية المكتظ بالشبان، وكانت هناك عربة شرطة رابطة على مدخل القرية. لازال التحقيق في مقتل شهد لم ينتهِ بعد.
ثم مشت في طريق طويل ضيق يتلوى بين الحقول وراحت تتلمس عيدان الذرة وأكواز القيضي وعشب البرسيم. لاحظت الآنسة ماجي أن هناك من يتتبعها من بعيد، وعندما توغلت داخل الحقول، اقتربت الخطوات منها.
الآنسة ماجي: اتأخرت ليه؟
الرجل: متأخرتش، الدنيا مش مظبوطة وكان لازم آخد حذري وملفتش الانتباه.
الآنسة ماجي: وصلتك الرسالة؟
الرجل: وصلت يا هانم، أمال أنا موجود هنا ليه.
الآنسة ماجي: عارف هتعمل إيه؟
الرجل: عارف يا هانم، متقلقيش.
الآنسة ماجي: طيب يلا اسبقني في المشي، مش عايزة أشوف وشك تاني.
الرجل: حاضر يا هانم.
ظلت الآنسة ماجي ماشية وسط الحقول حتى حاذت القصر، ثم انعطفت وسط الغيطان حتى وصلت بوابة القصر.
رغم أن الوقت كان ظهراً، آدم مكنش لسه صحي. فاتته وجبة الفطار والغداء جه وهو لسه نايم. ديلا حاولت تصحيه لكن آدم رفض، مكنش ليه مزاج يغادر غرفتها.
أكلت ديلا والآنسة ماجي، بعدها أعلنت ماجي أنها محتاجة تنظف نفسها من التراب وتاخد قيلولة ومش عايزة حد يزعجها أو يصحيها.
وظل القصر ساكنًا حتى الساعة العاشرة ليلاً، عندها اجتمع آدم والآنسة ماجي وديلا داخل الرواق. وكانت الآنسة ماجي أول من وصل وأصرت أنها تعمل الشاي بتاعها بنفسها داخل المطبخ. ودار بينهم حديث متقطع، حيث كان كل واحد منهم غارقًا في تأملاته الخاصة.
الساعة الحادية عشر ليلاً، أول ما صينية الشاي وصلت، الآنسة ماجي قالت: "أنا طالعة أنام" ورفضت تشرب الشاي.
آدم كان بيراجع مع ديلا دروس اللغة، لكن جسمه كان هامد ويشعر بالنعاس رغم أنه نام الليل بطوله. ديلا كمان كانت حاسة بالنوم، ومقدرش ولا واحد منهم يكمل كوباية الشاي.
آدم طلع ينام، وديلا وصلت غرفتها بالعافية من شدة النوم. يدوبك وصلت سريرها واترمت عليه ونامت. آدم كمان نام بسرعة رغم أنه كان نايم اليوم بطوله.
الساعة اتنين بالليل، كهرباء القصر قطعت، ومحدش شعر بيها غير الآنسة ديلا. نزلت من على السلم ووصلت الرواق، نادت على الخدامة اللي كانت نايمة وسألتها إن كانت تعرف سبب انقطاع الكهرباء. الخادمة قالت لا.
الآنسة ماجي أخذت شمعة ورجعت غرفتها. الخادمة المنهكة طول اليوم عادت للنوم مرة أخرى.
غمر ضوء الشمس رواق القصر ونفذ من ستائر غرفة آدم. فتح آدم عينيه بكسل. مضى معظم الصبح وآدم نايم. مش عارف النعاس ده جاه منين. أنهض آدم جسده وبص في الساعة، كانت الحادية عشر صباحًا.
آدم: يا نهار! أنا نمت كل ده؟ وليه ديلا مغلستش وصحتني زي كل يوم؟
غير آدم ملابسه ونزل الطابق الأرضي، طلب الفطار ودخن سيجارة وهو بيتلفت حواليه. ثم سأل الخادمة: "هو محدش صحى غيري؟ فين ديلا والآنسة ماجي؟"
الخادمة: الآنسة ماجي لسه نايمة في غرفتها، وديلا غرفتها مقفولة.
غريبة، فكر آدم وهو بيجول بعينيه داخل الرواق. ثم لاحظ أن باب القبو مفتوح. نهض آدم ومشى ناحية باب القبو، هو متذكر أنه قفله. المخرج الثاني كمان مفتوح.
داخل الرواق كان فيه أثر طين، خطوات قدم ملطخة الرخام. استعجب آدم وسأل الخادمة: "هو فيه حد دخل القبو؟"
الخادمة: معرفش يا بيه، أصل الكهربا قطعت امبارح مدة طويلة، حتى الآنسة ماجي كانت خايفة ونزلت عندي، بعدين طلعت.
أكمل آدم لفافة التبغ وهو بيبص على باب القبو. وضع آدم أصبعه تحت ذقنه.
"روحي اخبطي على غرفة ديلا، قوليلها آدم بيه عايزكم".
مشت الخادمة بطاعة وطَرقت باب غرفة ديلا، ولم تتلق أي رد.
الخادمة: مفيش حد بيرد يا بيه.
وقف آدم وطرق الباب بعنف، ثم فتحه بالقوة. الغرفة كانت فاضية وفيه بقع طين على أرضية الغرفة. لطخ حذاء ملتصق طينه بالأرضي.
رواية خادمة القصر الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اسماعيل موسى
كان آدم داخل الغرفة، نظر للسرير بهلع، ولاحظ وجود شعرات من دماغ ديلا على الوسادة، ركض آدم نحو القبو، تبع أثر الخطوات الملتصقة بالأرضية، التي قادته خارج القبو ثم توغلت داخل الحديقة متجهة ناحية الشمال، قبل أن يصل السور البحري وجد آدم خربشة ظفر في جذع شجرة، ثم اختفى كل شيء.
صرخ آدم على الحراس المراقبين للبوابة، وقام بتبليغهم عن أحداث الليلة الماضية.
"الكلام كان متطابق، الكهرباء انقطعت وقبل رجوعها سمعنا صوت صرخة خارج القصر في الناحية البحرية، وحين وصولنا ما شفناش أي حاجة."
"آدم: الكهربا انقطعت داخل القصر بس؟"
"الحراس: لا يا بيه، الكهربة قطعت في البلد كلها."
بدل آدم ملابسه بسرعة واتجه ناحية نقطة الشرطة، أبلغ عن اختفاء ديلا وربما تعرضها لجريمة قتل.
"شرح ضابط الشرطة لآدم بضرورة مضي أربعة وعشرين ساعة قبل أن يمكنه تقديم بلاغ رسمي، والبلاغ لازم يقدمه واحد من عيلة ديلا، أبوها، أمها. كون آدم صاحب عمل لا يمنحه الحق في تقديم بلاغ رسمي."
لكن آدم كان يعرف أن ديلا في خطر، قلبه أخبره أنها لن تنتظر أربعة وعشرين ساعة قبل ما يبدأوا يبحثوا عنه.
خرج آدم من نقطة الشرطة بجسد مترنح، قلبه غير مستقر لفقد آخر، أحس بضباب يمر من أمام عينيه. مر على منزل والد ديلا، محمود النزوي، وطلب منه أن يساعده في البحث عن ديلا. الرجل لم يكن مهتمًا باختطاف بنته أو حتى قتلها، كل همه كان النقود التي سيفقدها مطلع كل أول شهر.
"آدم: سنبحث في الحقول."
سرعان ما انتشر الخبر داخل القرية، تجمع الرجال في جماعات، الكل يرغب في مساعدة الباشا.
"آدم: أمرهم، سنتفقد كل حقول القرية، غيط، غيط، حقل، حقل."
انطلق المجموعة داخل الحقول المبعثرة، من منتصف النهار حتى هبوط الليل، لم يعثروا على أي شيء، وكانت تبقى مجموعة حقول أخرى. أصر آدم على إتمام البحث داخل الحقول حاملاً المشاعل. عندما انتهى كان الليل قد انتصف، عبرت خيبة عاتية رأسه.
ليس هناك جثة، ربما أمر طيب، لكن الموضوع يزداد تعقيدًا.
انصرف كل واحد من أهل القرية نحو بيته، وشعر آدم بظلمة تسكن عقله، صور متفرقة لديلا وهي مقطوعة الرأس مرمية في أي مكان. احتسى فنجان قهوة وهو يحاول التفكير، ثم سأل الحراس.
"آدم: كان بيه، بناء في آخر القرية ده بتاع مين؟"
"الحراس: مخزن أنابيب مهجور يا آدم بيه، بتاع محمود ناجح."
"آدم: طيب يلا بينا، إحنا لازم نتفقد المخزن ده!"
"الحراس: الجو ليل يا بيه وممكن يكون خطر نروح المكان المقطوع ده."
أخرج آدم مسدسه، وأمرهم.
"آدم: ما فيش وقت للخوف، لازم نتحرك دلوقتي."
كان المخزن قابعًا في منطقة نائية، تحيط به أشجار وحشائش، تحيط به الكلاب المتشرّدة. وشعر آدم والحارسين أن هناك من يراقبهم من بين أفرع الذرة، لكن دون حركة تذكر، هذا الشعور الذي ينتاب الإنسان عند وجوده في مكان مهجور. وأحس آدم بحركة قرب باب المدخل عندما اقترب منه، لكن عندما صوب مصباحه وجد كلبًا يركض، تنهد آدم.
منذ لحظة تخيل أنه سمع صرخة مكتومة.
دلف آدم من باب المخزن المخلع المفتوح، أخرج استعمل آدم مصباحه وتحرك داخل المخزن، تفقده ببطء. كان المخزن يتكون من غرفتين وكان خاليًا من أي شيء سوى طاولة مكسورة ومقعد منسي، لا أثر لأي شيء.
أشعل آدم سيجارة وسط الظلمة، مرر عينيه على الحقول المظلمة وهو متكئ على جدار المخزن.
"آدم: ما فيش فايدة."
"آدم: يلا بينا يا رجالة."
سار آدم مبتعدًا عن المخزن ثم توقف فجأة وسأل الحارسين.
"آدم: حد فيكم سمع حاجة؟"
"الحراس: لا يا بيه ما سمعناش حاجة، حضرتك بتسأل ليه؟"
"آدم: أصل تهيأ لي إني سمعت صوت أو صرخة؟"
"الحراس: إحنا في مكان مقطوع يا بيه، فيه كلاب وعفاريت، ممكن يكون صوت أي حاجة."
بعد ابتعاد آدم، دلف خطوات وجلة، وقفت دقيقة في صمت خلف المخزن.
"صوت رجل: يا بت الوسخة، كنتي هتفضحينا."
قال وهو ينحني تجاه الأرض، تحت الأرض المعزوقة التي أزاحها بيده ظهر باب خشبي صغير يغلق حفرة تحت الأرض. فتحه ونظر خلال الظلمة، داخل الحفرة كان هناك جسد ضئيل متكور على نفسه ملتصق بالطين يتنفس بصعوبة، هبط الرجل داخل الحفرة بمساعدة يديه.
ارتعش الجسد الضئيل، تراقص من الخوف، حتى بوجود شريط لاصق على فمه كان صراخه مسموعًا.
"صوت الرجل: أنا حذرتك تفتحي بقك، لكنك ما سمعتيش الكلام، واللي ما يسمعش الكلام لازم يتأدب، صح ولا إيه؟"
سحب سوطًا كان مرميًا على الأرض الرطبة.
"صوت الرجل: لازم تتعلمي تسمعي الكلام وتنفذيه."
ارتفع الصوت ونزل على الجسد الذي كان يحاول حماية رأسه بيديه، جلد قاسٍ لكل حتة في الجسم.
"صرخت ديلا، لكن صرخاتها كانت مكتومة، كأنها قادمة من عالم آخر، ناي عتيق في معبد صيني نسيه الزمن."
تعبت اليد من الضرب، تنهد الرجل وبدرت منه أنة.
"صوت الرجل: ليه بتجبريني أعمل كده وإنتي عارفة إني بحب كده؟ ليه تغريني أضربك؟"
ثم أمسك بدماغ ديلا بين يديه وقربها منه، نزع اللاصق وقضم الشفتين الرطبتين كأنه يلتهم ثمرة تفاح، ثم اتبعها بقضمة أخرى أشد قسوة قبل أن يعيد الشريط اللاصق مكانه.
أشعل سيجارة وسط الظلام.
"صوت الرجل: الدنيا دي غريبة، دايمًا مش بتدينا اللي إحنا عايزينه، كأنها بتعاندنا."
ثم ربت على ساق ديلا وأغمض عينيه يستمع لذلك الألم المكتوم الذي يشبه حشرجة عجل مذبوح. استمع له بكل كيانه سامحًا له أن يتوغل داخله، أن يحتل كل شبر في صدره.
"صوت الرجل: ممكن أنام هنا معاكي الليلة؟ أنا عارف إنك بتخافي من الضلمة؟"
لا رد. الجسد المدمى من الضرب رفض أن يرد.
"صوت الرجل: إنتي عارفة لو حد من الفلاحين قام بري الأرض هنا الحفرة هتتملي ميه وإنتي هتغرقي، هتموتي ببطء ومحدش هيحس بيكي؟"
ارتعش جسد ديلا من الرعب، وحاولت تحريك جسمها المتعب.
ثم شعرت بألم رهيب يقطع جسدها فخبت واستسلمت وتوقفت عن الحركة.
عندما وصل آدم القصر كان الفجر خلاص هيؤذن، صعد غرفته وحاول ينام لكن النوم لم يقرب منه. جلس على طرف السرير وقعد يحرق لفافات تبغ، ثم شعر بخنقة فخرج ناحية الشرفة وقعد يبص على الحديقة.
الصبح كان شفقًا، بين الأشجار لمح آدم الهرة ميمي كانت تركض خلف فراشة. ثم كأنها انتبهت، بصت القطة ناحية آدم، هزت ديلها وقفزت مختفية بين الأشجار.
وفجأة شعر آدم بحنين، ليس حنينًا عاديًا، بل حنين يدفعك للبكاء، عندما تتذكر شخصًا لن تقابله أبدًا لأنه ببساطة اختفى للأبد.
مسح آدم دمعة مرت خلال عينيه، رمى جسده على السرير وضغط وجهه في الوسادة ودون أن يعدل جسمه نام.
رواية خادمة القصر الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اسماعيل موسى
فتح آدم عينيه على طرقات على باب غرفته.
"مين؟"
"أنا ماجي، ممكن أدخل؟"
"أنا هنزل حالاً."
"طيب، هستناك تحت."
نزل آدم السلم، داخل فمه لفافة تبغ، تسكن وجه باهت الملامح. وقفت ماجي لحد ما آدم قعد.
"عملت إيه امبارح؟ عرفت حاجة عن ديلا؟"
"للأسف لا، فتشنا الحقول والخربات وملقيناش حاجة. النهارده هفتش البيوت كلها."
"أنا آسفة إني بقول كده، لكن من كام يوم كنت نازلة على السلم وسمعتك غصب عني بتتكلم مع ديلا عن شخص واضح إنه شرير اسمه الجنانى على ما أعتقد."
"تقصدي محمود الجنانى؟"
"آه، هو ده. ليه ما يكونش المجرم ده هو اللي خطف ديلا؟"
"للأسف كل الشواهد بتأكد إن محمود الجنانى ملوش يد في خطف ديلا."
"لكن محمود هو الوحيد اللي يعرف خبايا القصر. ما فيش حد غيره ممكن يتجرأ ويدخل القصر."
"معاكي حق، أنا أخضعته للمراقبة ومش هسيبه."
"أنا عارفة إنه وقت مش مناسب، لكن لو كان وجودي ملوش لازمة أنا ممكن أمشي؟"
"بصي على ماجي، متقوليش كده، ديلا هترجع إن شاء الله وهتكمل الدروس."
"يعني انت مش عايزني أمشي؟"
"لا طبعاً."
"الصراحة أنا كمان نفسي أكون جنبك في الأوقات الصعبة دي. قلبي مش مستحمل إنك تعيش التجربة دي لوحدك يا آدم."
وبصت ماجي ناحيته، "خليك عارف إني معاك بكل جوارحي."
"أشكرك ماجي، وقت صعب فعلاً. أنا مضطر أخرج دلوقتي، لازم أكمل بحث عن ديلا."
غادر آدم القصر ومشى تجاه القرية.
بكل عزم، طرق آدم كل باب بيت في القرية وتأكد إن ديلا مش موجودة في أي بيت. لكن ديلا مخرجتش من القرية، إزاي اختفت كأنها ما كانتش موجودة؟
وكانت الشرطة هي الأخرى بدأت البحث بعد تقديم والد ديلا بلاغ رسمي، بس ما كانش فيه جديد. آدم فتش كل جزء في القرية.
عاد آدم للقصر منكسر، يحمل داخل صدره كل حزن العالم. تحطم الشاب المنفتح داخله وحل مكانه بقايا رجل مسحوق، مثل البتلة التي قطعت من جذورها. قصد غرفته من فوره. لم يطق الجلوس في الرواق ولا حتى تناول طعامه. وراح يحرق لفافات التبغ باستمرار. قبل العصر، فتح باب شرفته وراح ينظر تجاه الحقول التي كانت الشمس تودعه.
لمح مرة أخرى الهرة ميمي تتمشى داخل الحديقة. تسلقت شجرة ثم قفزت على الأرض، ركضت خلف عصفورة. شرد آدم لحظات وعندما انتبه كانت ميمي واقفة على إفريز الشرفة.
رمقها آدم بلا مبالاة، مزاجه كان متعكراً ولا يرغب بأي رفقة، وهم بإغلاق الشرفة. لكن الهرة ميمي قفزت داخل الغرفة. مرت من تحت السرير ثم قفزت فوق الوسادة قبل أن تمشي ببطء ناحية آدم. وقفت على حاجز الشرفة ونظرت ناحية الحقول، كان بصرها مصوباً على الناحية البحرية حيث كان آدم بالأمس. قفزت في حضن آدم، لعقت خده ثم قفزت من الشرفة.
تابعها آدم تركض شمالاً حتى اختفت داخل الحديقة.
"طرقت باب غرفة آدم مرة أخرى، آدم مش هينفع تحبس نفسك جوه غرفتك، افتح الباب من فضلك."
دخلت ماجي غرفة آدم، دون استئذان. سحبت لفافة تبغ من علبة السجاير وولعتها من سيجارة آدم.
"أنت لازم تاكل، مش هينفع كده، ممكن تقع من طولك."
"مليش نفس آكل حاجة."
"عارفة، لكن لازم تاكل عشان ديلا، انت مش هتقدر تفكر وانت تعبان كده. من فضلك."
وجذبت ماجي آدم من إيده، "تعالى أنزل معايا."
"مش قادر."
"قلت تعالى معايا."
وشدته بالعافية. جلس آدم على الكرسي لكن لم يمد يده على الأكل. قربت ماجي منه، وأكلته بإيدها بالعافية.
داخل الحفرة المظلمة كانت ديلا جالسة لا تعرف ليل من نهار. جنبها قطعة خبز ناشفة وقزازة ميه. علاقتها بالعالم انتهت من ساعة ما اتخطفت من القصر.
كان عدى يومين، وخلال اليومين دول مبطلتش تفكير في آدم. كانت متوقعة في أي لحظة يفتح باب الحفرة وينقذها. لكن آدم موصلش، وكل ليلة بتتعرض لعقاب قاسٍ من الضرب. أصبح انفتاح باب الحفرة مرعباً بالنسبة ليها. يا ترى يا آدم بتعمل إيه دلوقتي؟ ارجوك اوعى تنساني او تسيبني هنا، أنا كنت عايشة عشانك. قبلك مكنتش حاسة بطعم للحياة، انت اللي خلتني أحلم. إياك يا آدم تكون منحتني فرصة للحلم بعد كده تتخلى عني.
وكانت واثقة إن آدم بيدور عليها وانه في لحظة سيظهر هنا فوق الحفرة. لطالما فكرت ديلا في تلك اللحظة، وكيف أنها ستقفز في حضن آدم وتطلب منه أن لا يتركها أبداً.
انفتح باب الحفرة، بس مش آدم اللي ظهر، لاح وجه قبيح ولئيم جعل جسد ديلا يتكرمش من الرعب.
رواية خادمة القصر الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اسماعيل موسى
يثقل عليك الزمن كحلم قديم غامض، وتستمر أنت في التحرك، محاولًا اختراقه، لكن حتى لو ذهبت لأخر الأرض، فلن تتمكن من الفرار منه.
يبدأ المطر في الهطول بعد منتصف الليل، يتأمل آدم القطرات التي تخبط النافذة المظلمة، قبل عدة أيام كان يعشق المطر، الجلوس حوار المدفأة، الاستمتاع بالحديث مع ديلا، لكن الآن هطول المطر يزيده كآبة وتعاسة، يحاول أن يتنفس، هناك جزء ناقص من روحه، كعضو انتزع من جسدك وعليك أن تتكيف على العيش بدونه.
تطرق الآنسة ماجي باب الغرفة.
"آدم؟ آدم؟ أنت صاحي؟"
يسعل آدم، لا يعرف إن كان مستيقظًا أم فقط يتنفس.
تفتح الباب وتطل منه الآنسة ماجي مرتدية لباس قصير فوق الركبة.
"أنا جهزت المدفأة، بس مش قادرة أقعد لوحدي. ممكن تقعد معايا؟"
يرفع آدم يده بوهن.
"الصراحة مليش نفس أعمل أي حاجة."
ماجي: "أنت مش هتفضل قافل على نفسك غرفتك كده. أنا مش ممكن اسمح بكده."
وتجذب آدم لينهض فيتبعها باستسلام، تظل ممسكة بيده، يد رطبة ناعمة ودافئة.
"أنا هعمل الشاي بنفسي، مش ضروري نزعج الخدامة لأنها نامت."
أعدت ماجي كوبي شاي، ووضعتهما بينها وبين آدم.
"تحب أشغل موسيقى يا آدم؟"
آدم: "مش فارقة كتير."
ماجي: "تحركت وفعلت قرص الموسيقى وجلست تتأمل آدم."
"آدم! أنت ليه حزين كده؟ إلى أعرفه إن ديلا كانت خدامة عندك، بس ليها حاسة إنك معتبرها أكتر من كده؟ أنت ملكش ذنب في اختفائها، لازم تكون واثق من كده، أنت انتشلتها من الفقر وحاولت تساعدها."
فكر آدم: لن تفهم، وكيف يمكنها أن تفهم ما أشعر به؟ كيف أشرح لها أن ديلا لم تكن عادية بالنسبة لي، وأن روحي تفتحت مرة أخرى على يديها، براءتها، طيبتها، وكل الحماقات التي ترتكبها، كنت مثل أرض ميتة وكانت المطر الذي أحياها، في قربها كنت أشعر أن روحي منتشية بكل روائح زهور العالم، كأن أرى في عينيها حديقة وغدير وتلة مخضرة.
ماجي: "أنا آسفة إني هقول كده يا آدم، لكن ليه مفكرتش إن ديلا هربت من القصر بمزاجها ومفيش حد خطفها؟"
آدم: "مستحيل! ديلا مهربتش، أنا شفت بعيني لطخات الطين في غرفتها وفي القبو."
ماجي: "بس أنت فتشت الحقول وكل بيوت القرية، يعني لو كان حصلها حاجة كنت عرفت. أنا آسفة يا آدم، لكن ممكن عقلك أنت بس اللي عايز يصدق كده."
ثم نهضت وجلست تحت رجلين آدم وحطت يديها على ركبته.
"أنت بتحب ديلا يا آدم؟"
ارتعش جسد آدم، تقلص وتمدد.
"حب؟ أنا معرفش حاجة اسمها حب. لست من الأشخاص الذين من الممكن أن يطرق قلبهم ذلك اللعين المت*قيح بالعذاب. حب؟ دي كلمة بسمعها في التلفاز وأقرأها في الروايات. أنا بيني وبين الحب عداء وكل واحد منا أقسم أن يترك الآخر في حالها."
أطلق آدم ابتسامة ساخرة، وشعر أن قلبه يتمزق حتى أنه وضع يده على قلبه من الوجع.
ماجي: "امال مالك؟ أنت زي ما يكون ميتلك حد. خد الأمور ببساطة يا آدم، الحياة مجرد مزحة عبثية."
ارتفعت يد ماجي ولمست خد آدم.
شال آدم يدها وبعدها عنه.
ماجي: "بإصرار رجعت يدها تاني ولمست خد آدم. تمددت اليد الرطبة على خد آدم، ناعمة ورقيقة. أنهضت ماجي جسدها، نظرت من خلال العيون الحزينة، ثم جلست على ساقي آدم وتعلقت بعنقه، غمر وجه آدم شعر ماجي المعبق بروائح التوليب وراح المطر ينقر النوافذ أشد قوة."
وقزت ميمي التي كانت جالسة على النافذة نحو الحديقة.
امتلاء ربع الحفرة تقريبًا بالماء، ديلا كانت واقفة داخل الحفرة.
"هعمل إيه يا ربي؟"
أديها مكتفة، وبقها مكمم بشريط لاصق، صرخت أكثر من مرة رغم أنها عارفة مفيش حد هيسمعها.
المية وصلت وسطها، مكنتش حاسة بالبرد، بل بالخوف، رعب النهاية، خربشت بضوافرها جدار الحفرة، صعب جدا تتسلق.
باب الحفرة مغلق من الخارج، فكرت ديلا، يمكن عليها تستسلم وتبطل مقاومة، كان واضح جدا أن دي آخر ليلة ليها في العالم، خلاص الميه وصلت صدرها، البرق والرعد ماليين السما، آدم مش هينقذها، آدم تخلى عنها، كان الأمر واضح ولا يحتاج لشرح، في هذا العالم لا ينال أي شخص الحق الذي يعتقد أنه يستحقه. الماء أصبح حدود العنق، وقفت ديلا على صوابع رجليها، لحد إمتى هتقدر تقاوم؟ دقيقة؟ عشرة؟ ثم يغمرها الماء وتنتهي رحلتها.
سمعت ديلا مواء قطة فوق الغرفة، فأطلقت صرخة مكتومة.
ثم بكت.
"إنها مجرد قطة يا ديلا."
"ماتت القطة مرة أخرى. ديلا أنتِ هنا؟"
لم تصدق ديلا أذنيها.
"كانت ميمي. أنا هنا، هنا يا ميمي."
ميمي: "كنت أعرف إن الفتاة الغبية محبوسة في مكان ما. أنت لا تعرفي كم كلفني البحث عنك من مجهود، لا أكاد أشعر بقدمي."
ديلا: "أنا بغرق يا ميمي بغرق، ساعديني هموت."
ميمي: "كيف تتوقعين من قطة أن تساعدك؟ سأحمل فأس مثلا وأعزق الأرض ثم أخلق يدين وأرفع الباب الثقيل وأجذبك خارج الغرفة؟"
ديلا: "يعني هموت خلاص؟"
ميمي: "رفعت وجهها نحو السماء. لا مش هتموتي، المطر هيقف دلوقتي."
ديلا: "طيب قولي لآدم على مكاني خليها ينقذني؟"
ميمي: "أوف، كيف أشرح لك إني مجرد قطة؟ وأنا روحي التي لا أفهمها بطريقة ما ارتبطت بشخصك الغبي. بالنسبة لآدم أنا مجرد قصة، ثم إن السيد آدم مش فاضي، قبل قليل كان يستمتع بلمسات أنثوية."
ديلا: "يعني آدم نسيني؟"
ميمي: "وماذا تتوقعين من رجل؟ الرجال أسرع المخلوقات هروباً من العلاقات."
ديلا: "آدم نسيني!" صرخت ديلا. "الحياة ملهاش معنى بعد آدم."
ميمي: "وهل هناك رجل يستحق أن نموت من أجله؟ حاربي من أجل حياتك يا غبي*ة."
توقف المطر فجأة.
سمعت ميمي صوت خطوات تقترب، قفزت مبتعدة عن الحفرة واختفت داخل الحقول.
ديلا: "ميمي!؟ ميمي؟؟ أنتِ رحتي فين؟"
انفتح باب الحفرة.
"ميمي مين يا حلوة؟ أنتِ بتهلوسي ولا إيه؟ أحلام اليقظة؟"
مد الرجل يده وجذب ديلا ثم جرها نحو المخزن.
"كنت فاكرك غرقتي. أنا أخدت الطريق جري لحد هنا. تصوري كنت خايف عليكي؟ خايف مشوفش وشك مرة تانية. لكن مين ميمي اللي بتحلمي بيها دي؟"
لم ترد ديلا، كان يغمرها حزن ليس له حد، كانت تشعر أن حياتها فقدت معناها وأن الموت والحياة تساويا بالنسبة لها. مجرد جسد ميت يتنفس، مقبرة متعفنة تسير بين البشر.
وكانت كلما تذكرت آدم شهقت بحزن غير قادرة على ابتلاع ريقها، جسدها يرتعش، ملابسها مبتلة وروحها تزهق.
الرجل: "أنتِ بردانه؟ عايزة تدفي؟"
لزمت ديلا الصمت، مكنتش قادرة تفتح بقها، غير راغبة في الكلام.
الرجل: "إحنا منقدرش نولع نار هنا، بس أنا ممكن أدفيكي!"
"جسد ميت هكذا" فكر الرجل وهو يرمق ديلا الساكنة بلا حراك.
"منجل لم يقطع في صدرها بيد حبيب خائن."
نزع الرجل الشريط اللاصق، يدها مقيدة خلف ظهرها.
لعق الرجل عنق ديلا وقضم شف*تيها.
شفاه بلا طعم، ميتة تفتقد الحياء، إذا تخلت المرأة عن مقاومتها تصبح بلا طعم ولا نكهة.
لما حاول الرجل يح*ضن ديلا سمع حركة ورا المخزن، ترك الرجل ديلا، أخرج سلاحه وتفقد المكان.
رواية خادمة القصر الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اسماعيل موسى
وقبل أن يتحرك الرجل سمع صوت خبطة أكبر، مما زاد القلق في صدره. المكان مقطوع، يعني لو فيه حد جاي هنا أكيد مش ناوي على خير.
وهو يحمل سلاحه في يده، دار حول المخزن وكان يسير ببطء، لأن الظلام كان يعانده. كانت أرض المخزن فاضية، ما فيهاش حد. تنهد الرجل واستعد للعودة إلى المخزن.
في تلك اللحظة، سمع حركة أخرى قريبة بين الحقول. وظن أنه لمح شيء يتحرك، ربما طيف رجل منحني. سار الرجل بثبات خلف صوت الحركة التي كلما اقترب منها ابتعدت عنه. وكان هناك أثر دعس للنباتات.
أكثر من ربع ساعة والرجل يتبع الحركة حتى توقف الصوت فجأة. وصل الرجل للطيف أو الخيال الذي ظن أنه رآه، ووجد شيكارة بلاستيكية داخلها حجر متروكة وسط الزراعات.
"مين اللي عمل المقلب ده؟ وقصده إيه؟"
ثم تذكر أنه ترك سجينته داخل المخزن، وأن ديلا لم تكن مقيدة في قدمها، وأنها ربما تكون هربت الآن.
رجع الرجل راكضاً نحو المخزن، خوفه من خطر يتربص به أنساه مهمته الأصلية.
كان باب المخزن مفتوحاً كما تركه، وديلا غير موجودة. أطلق الرجل لعنة طويلة.
"المرة دي لما أمسكك مش هرحم أمك، ده اللي بيحصل لما تدي النسوان الأمان، بيطيروا زي الحمام."
كان أمامه أكثر من طريق وعليه أن يختار واحداً منهم. وكان يعرف أكثر أن ديلا مقدرتش تبعد عن المخزن، وأن جسمها ضعيف من الجوع، ولو فكرت تجري هتقع من طولها.
استبعد الناحية البحرية لأنه وصل منها للتو. إلى الغرب يقع القصر، وإلى الجنوب القرية. طبعاً ديلا هتروح ناحية القصر.
أخرج الرجل مصباحاً كهربائياً وأضاءه سبع مرات في كل اتجاه، وكانت هذه إشارة وقوع خطر أو هرب ديلا، وكان على كل من يراها من أتباعه أن يهب للنجدة.
وخلال دقائق، كانت طريق القرية مراقبة، القصر مراقب، المناطق اللي ممكن ديلا تلجأ إليها. ثم ركض الرجل تجاه القصر بكل سرعته.
نهضت ديلا التي كانت منبطحة على الأرض خلف المخزن، ولم تتحرك.
"أنا قلبي كان هيقف من الرعب، إحنا ليه استخبينا هنا يا ميمي؟"
ميمي: "لأنه آخر مكان ممكن يتوقع إننا فيه."
"دلوقتي لازم نجري بسرعة وحذر من غير صوت."
كانت ديلا بتركض جنب ميمي.
"أنا تعبت من الجري يا ميمي، مش قادرة آخد نفسي."
ميمي بصرامة: "كملي جري، الناس دول مش كويسين وممكن يقتلوكي."
ديلا: "طيب، إحنا ممكن نجري على القصر؟"
ميمي: "مش هينفع تروحي القصر ولا حتى أي بيت في القرية، كل الأماكن مراقبة."
ديلا: "امال إحنا رايحين على فين؟"
ميمي: "رايحين بعيد عن الشر، مكان ميقدروش يوصلوا لك فيه. شوفي، الأضواء اللي هناك دي كلها بتدور عليكي، الظاهر إنك مهمة وأنا معرفش. دلوقتي من فضلك اجري من غير كلام، أنا فقدت ثقتي عشان أنقذك."
واصلت ديلا الركض شمالاً وميمي تشجعها. عبرت حقول وغيطان وطرق ولم تتوقف عن الركض. خرجت من أرض حزام القرية ودخلت نطاق أرض أخرى، وهي راكضة تلهث من التعب. الرعب اللي كان جواها، خوفها من القبض عليها مرة تانية كان مديها القوة تواصل الركض.
إلى أن وصلت ديلا منطقة خالية تحيط بها الأشجار. جلست على الأرض مش قادرة تتنفس خلاص.
"آه، تعبانة قوي، ريقي ناشف، هموت من العطش."
كانت تسأل ميمي التي اختفت فجأة.
"انتي فين يا ميمي؟"
تأكدت ديلا أن ميمي رحلت، وشعرت أنها لن تراها مرة أخرى.
تلفتت حولها، كان المكان مظلم، لكن فيه بعض الضوء من أعمدة الإنارة واصل عندها. مشيت بضعف لحد ما وصلت زير مربوط في شجرة. شربت كوز ماء، اتنين لحد ما روت عطشها.
ورجعت بين الأشجار، فردت جسمها إلى يدوبك لمس الأرض ونامت نوم عميق.
لمح آدم من شرفته ضوء المصباح وسط الحقول، كان شيء غريب وأدرك أن هناك حاجة بتحصل.
وبسرعة، وصل أن المصباح بجوار المخزن المهجور الذي تفقد أول أمس. هناك حيث دق قلبه بسرعة وشعر أنه سمع صرخة مكتومة.
ودون أدنى تردد، سحب نفسه وخرج من القصر. اخترق الزراعات وتلطخت ملابسه بالطين. بعد أن ومض المصباح عدة مرات، اختفى ولم يظهر مرة أخرى.
وصل آدم مكان المخزن. بقايا مطر أو حل الحقول والطرقات. تفقد المخزن مرة ثانية ولم يكن فيه حاجة. ثم سمع مواء قطة قادم من خلف المخزن. مجرد هرة متشردة.
فكر آدم، ومر خلف المخزن ولمح الهرة.
"ميمي، إنتي إيه اللي جابك هنا وسط الزراعات؟ وليه بتنبشي بأقدام الأرض؟"
لاحظ آدم أن الأرض تحت ميمي معزوقة وأن هناك باب خشبي مفتوح.
تقدم آدم ناحية الحفرة ونظر داخلها، ثم غمره الحزن والألم. كل شيء داخله أخبره أن ديلا كانت محبوسة هنا.
ترنح آدم من الصدمة. كان قريب جداً منها رغم كده مقدرش يعثر عليها.
"طيب هي راحت فين؟ قتلوها المجرمين؟"
أطلقت ميمي مواء وركضت تجاه الشمال.
رواية خادمة القصر الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اسماعيل موسى
ظل آدم واقفاً دقيقة يستوعب ما حدث للتو. يشغل باله سؤال واحد: أين ذهبت ديلا؟ ما الذي أحضر القطة ميمي هنا؟
همهم آدم: ديلا لم تُقتل، لم تهرب خارج البلدة، لم تهجره كما ادعت الآنسة ماجي.
ثم صفع خده بالقلم: ظلمت ديلا مرة قبل كده لما شكيت إن فيه علاقة بينها وبين البستاني، وامبارح كلام ماجي كان بيدور في عقلك.
"لن أفقدها مرة أخرى،" همس آدم لنفسه، "سأفعل المستحيل من أجلها، حتى لو ما كانت بتحبني لازم أنقذها."
ثم ركض خلال الزراعات في الاتجاه الذي مشت فيه ميمي.
استمر بالركض بكل قوته حتى انتهت حقول القرية.
"أنت مجنون يا آدم؟"
كان لسه سامع مواء ميمي، بتجري ورا قطة؟
أشعل آدم سيجارة وجلس خلال الوحل واضعاً يده فوق رأسه.
ثم عاد بجسد مهزوم نحو القصر. جمع الحراس وأمرهم أن يفتحوا عيونهم، وزعهم على جهات القصر الأربعة.
"إذا كانت ديلا قدرت تهرب من اللي خطفها أكيد هتيجي القصر، لازم يكونوا موجودين لحظة ظهورها."
الرجل: "ديلا هربت يا هانم."
الآنسة ماجي: "غبى، طول عمرك هتفضل غبى، هتبوظ كل حاجة. اسمع!" ورفعت ماجي يدها: "البنت دي مش لازم توصل القصر، انت فاهم؟"
"آدم قرب يقع خلاص، لسه داخل بعض المقاومة. أنا عايزة اليأس يغمره، الإحباط يمشي في أوردته، ساعتها بس هقدر أسيطر عليه. وانت طبعاً عارف ده معناته إيه؟ هتتمرغ في الفلوس."
الرجل: "حاضر يا هانم، أوعدك لو لمحت طيفها هقتلها."
الآنسة ماجي: "عشرة أيام، لازم تحاصر القصر عشر أيام ومتسمحش لديلا تدخله، ده الوقت اللي أنا محتاجاها."
الرجل: "حاضر يا هانم."
دلف آدم داخل القصر بيأنب نفسه. كان قريب جداً منها، ديلا كانت قريبة، حتى لو مقدرش يشوفها أو يسمع صوتها، قلبه كان حاسس إنها عند المخزن. وقعد ايده على خده مش عارف يعمل إيه.
ماجي: "مالك يا آدم فيه إيه؟ شكلك متغير."
آدم: "ديلا كانوا حابسينها في حفرة عند المخزن المهجور، أنا شفت الحفرة بنفسي."
ماجي: "ولقيت ديلا؟"
آدم: "مكنتش موجودة للأسف."
ماجي: "آدم متقولش الكلام ده لأي حد، ليفتكرك اتجننت. حفرة إيه اللي ديلا كانت محبوسة فيها؟"
آدم: "أنا متأكد، وكمان ميمي كانت هناك."
ماجي: "ومين ميمي دي كمان؟"
آدم: "القطة اللي كانت ساكنة في القصر."
ماجي: حطت إيدها على دماغ آدم: "سلامتك يا روحي، أنا بدأت أقلق عليك بجد. الفلاحين بيعملوا حفر وسط الحقول عشان تمتص الرطوبة والملح. أنت لو رجعت وركزت هتلاقي أكتر من حفرة وسط الحقول."
آدم: "مستحيل، أنا عايش هنا من زمان وأول مرة أشوف حفرة وسط الزرع."
ماجي: "لأ أنت بقيت غريب خالص. بو عايزني أطلع معاك دلوقتي ونروح هناك؟ هتشوف إن كلامي صح."
آدم: "بقولك مستحيل."
ماجي: "طيب اتفضل امشي معايا، بس أوعدني لو طلع كلامي صحيح هتنسى كل الأوهام دي."
مشى آدم مع ماجي ووصلوا المخزن وفعلاً لقى أكتر من حفرة عند المخزن.
ولما مشى وسط الحقول لمح حفر تانية مبعثرة وسط الزرع.
ماجي: "صدقت بقا يا سي آدم؟ يلا بينا نرجع القصر، أنت لازم تسيب نفسك ليا خالص."
رجعوا على القصر وبعد ما أكلوا، ماجي قالت: "أنا كلمت دكتور نفسي وأخدت معاه ميعاد، أنت لازم تتعرض على دكتور نفسي."
آدم: "أنتِ بتقولي إيه؟ أنا مش مجنون."
ماجي: "يا حبيبي ده إجراء روتيني عشان تطمن على نفسك. محدش يقدر يقول إنك مجنون. طيب بص." وحضنت ماجي آدم: "أنا هجيبه هنا يبص عليك ويمشي، عشان خاطري وافق."
رضخ آدم لرغبة ماجي، كان حاسس فعلاً إن دماغه هتنفجر وفيه تخيلات كتيرة مالية عقله.
وصل الطبيب النفسي قبل المغرب: "إزيك آدم بيه، ممكن أعرف حضرتك بتعاني من إيه؟"
ماجي: "تهيؤات وتخيلات يا دكتور. الصراحة آدم بيمر بظروف صعبة، فيه شخص عزيز عليه اختفى وآدم بيحمل نفسه المسؤولية. تصدق يا دكتور إنه تخيل إن الشخص ده كان محبوس في حفرة وسط الحقول؟"
رفع الدكتور إيده: "لأ ده كده يبقى فيه مشكلة فعلاً."
آدم: "أنتم مش فاهمين حاجة، ميمي كانت هناك. ليه ميمي هتسيب القصر وتقعد وسط الزراعات؟"
الدكتور: "طيب ممكن أتكلم مع ميمي شوية؟"
ماجي: "ميمي دي قطة يا دكتور مش إنسان."
الدكتور بصدمة: "سيد آدم أنا شايف إنك بتختلق أمور وأشياء. ده كله وهم يا سيد آدم. أنا هكتبلك شوية مهدئات لازم تمشي عليها وإن شاء الله هتشعر بتحسن."
بعد ما الدكتور ما مشى، ماجي: "شفت بقا أنا كان عندي حق إزاي!؟"
آدم بحزن: "أنا متشكر يا ماجي مش عارف لولا وجودك كنت عملت إيه!"
ماجي: "متقولش كده يا آدم أنا دايماً موجودة عشانك، يلا اطلع استريح وأنا هبعت أشتري العلاج."
طلع آدم غرفته، تمدد على السرير بضعف وكآبة. ماجي غطته.
قعدت على جنب السرير، مشت إيدها على جبهته بحنية. رفعت جسمها وقعدت جنبه.
رواية خادمة القصر الفصل الثلاثون 30 - بقلم اسماعيل موسى
كان ادم الفهرجى يأكل ويشرب ويدخن لكن عقله كان غائب عنه.
كأنه جسد ترك روحه فى مكان ما، مثل قبيلة الناهاتوك التى ترتحل ارواحها ليلا.
ابتلع ادم جرعة الدواء، الحبوب التى وصفها الطبيب، مهدئات أعصاب، ديلوكسبرين ٤٠ MG، السيروتونين والدوبامين، سيتالوبرام.
ابتلع كل الأقراص دفعه واحده.
ثم اشعل سيجاره، كان جالس تحت لوحه قديمه، لياكونسان، رسمه لبحار فى قارب صغير تلتهمه موجه عملاقه لها مخالب بشريه، فى خلفية اللوحه شمس آفله حمراء داميه، ضباب وطيور سوداء.
تنهد ادم، كلما نظر لتلك اللوحه شعر بالضعف والضياع.
حتى تلك اللحظه لم يستطع ادم الفهرجى ان يفهم لما قد يحتفظ الإنسان بشيء يشعره بالحزن والضياع.
منذ فتح ادم عينيه وقد قرر ان يقوم بجولة بحث أخرى داخل القريه.
عليه ان يتأكد ان ديلا لم تظهر بعد.
نهض ادم وقد شعر بصداع فى رأسه كأن دماغه انشطرت نصفين، ومنشار يقطع عظامه.
عبر دروب القريه وطرقاتها، كان يعرف ان لو ظهرت ديلا، الخبر سينتشر فى كل مكان.
كانت الحياه طبيعيه داخل القريه، لا تشعر ان واحد منهم فقد ابنته وربما تكون قتلت.
الغريب ان الحزن يأتى فجأه لكن فى الغالب لا يستمر الا يومين قبل أن تعود الحياه لوضعها ويقنع الإنسان نفسه ان لا فائده من الحزن وان الحاضر يستحق كل تركيزه.
ترك ادم منازل القريه واخذ الطريق الذى يمر بين الزراعات والذى اوصله للمخزن القديم.
جلس هناك متكاء على الجدار واشعل لفافة تبغ.
هناك شيء غريب يحدث له جسده يعانده، عقله يعانده، وخدر مائع يسرى فى عروق جسمه.
بعد أن أنهى السيجاره نظر تجاه الشمال.
الليله الماضيه عبر كل تلك الحقول حتى وصل نهاية القريه.
ركض خلف الهره ميمى حتى تقطعت انفاسه، معتقد ان القطه كانت تجرى من أجل غايه او هدف.
ورغم عنه ابتسم، ربما كانت القطه مفزوعه منى وانا الذى كنت اعتقد انها تقودنى نحو ديلا.
رفع أدم عينيه نحو السماء، سماء صافيه بلا سحب، شمس لطيفه شعاعها لا يؤذى العين.
ثم دون تفكير، سار نحو الشمال متتبع خطوات الليله الماضيه.
ان كان هناك سر علي اكتشافه اعتقد انه الوقت المناسب.
مالت الشمس نحو الغروب عندما وصل نهاية حقول القريه.
مثل المره الماضيه توقف ادم الفهرجى لحظه مثل الليله الماضيه.
اخرج سيجاره، اشعلها وهو يتأمل الخضره الا متناهيه أمامه.
عبرت عينيه حنطه ونعناع وكركديه وبرسيم قبل أن تعود اليه محمله بعبق الطبيعه.
أمامه كان يمتد حقل بصل وعند نهايته مجموعه كبيره من الاشجار.
سار ادم بين البصل حتى وصل طريق ضيق، إلى جواره منطقه خاليه تحيط بها الأشجار على شكل دائره.
وجد الهره ميمى جالسه هناك، ثبت ادم فى مكانه.
"انتى قطعتى كل المسافه دى كلها ليه يا ميمى؟ انا منبه على الخدامه انها تحطلك الاكل والشرب اول ما تشوفي"
"كليه هربتى من القصر؟"
وكان ادم يشعر بالحزن والانكسار لانه قطع كل تلك المسافه دون جدوى.
انحنى ادم يحضن ميمى ويرجعها معاه.
لكن ميمى، رفضت، قفزت بعيد عنه واختفت بين الأشجار.
اطلق ادم ابتسامه ميته، واحده من العبثيات الا متناهيه الى بتحصل معاه.
استدار ادم فى طريق العوده نحو القصر بقلب محطم وأشلاء جثه متحركه، وكان الصداع لسه ماسك دماغه، وحاسس بوهن وضعف مش عارفله سبب.
ولاول مره يحصله كده، وتوقع ان جرعات العلاج هى السبب فى إلى بيحصله لانه عقله كان احيان بيهرب منه.
وصل ادم القصر وبعد ما اخد حمام، تناول طعامه مع ماجى.
وكان ادم بيتأمل ماجى بطرف عينه، لم يؤثر عليها غياب ديلا لا من قريب ولا من بعيد.
وكانت ماجى منشرحه بتاكل بسعاده، ممرره يدها بين أصناف الطعام المتعدده.
ماجى: انا بعت جبت خدامين جداد يا ادم لو مكنش دا يضايقك؟
ثبت ادم عنيه على وجه ماجى وشعرت هى ان ادم يحاول اختراق عقلها، ثم ابتسم بسخريه، قبل ما يبص على الاكل.
ادم: واضح، مفيش مانع.
ماجى: وبعت كمان اجيب مدبرة منزل، هى مش صغيره، ست اربعينيه وهتعجبك خالص انا متأكده، اصل القصر كبير اوى ومحتاج خدم وحشم، انا مش عارفه انت كنت عايش فيه وحدك ازاى؟ انا بعمل كل دا عشانك ياريت متحرجنيش وتقول هى مفكره القصر بتاعها ولا ايه؟
اكتفى ادم بأبتسامه بدت لطيفه وقال.
ادم: عادى.
ماجى: يعنى ابعت اجيبها؟
نهض ادم.
ادم: مفيش مشكله، انا طالع انام.
ماجى: تنام ازاى انت لازم تاخد العلاج.
تنهد ادم.
ادم: اه العلاج، طبعا لازم اخد العلاج.
وكان وجهه قاتم مثل الموت.
وضع الأقراص فى ايده وبلعها.
ادم: كده كويس؟
ماجى: كويس جدا، بالشفا ان شاء الله.
اختفى ادم داخل غرفته واغلق الباب.
ماجى: ها عملتو ايه!؟
الرجل: لفينا البلد كلها يا هانم مفيش اى أثر ليها، يمكن أكلها ديب او قطعتها الكلاب.
ماجى: انا مش عايزه أخطاء خالص، اى غلط هيكون عقابه موتك، انا مش جايه اهزر.
هنا لازم تاخد بالك لان ادم النهرده مكنش مريحنى، كلامه وطريقته قلقتنى شويه، لكن متخفش الخطه ماشيه كويس.
يومين ولا تلاته ومش هيحس بنفسه خالص.
الرجل: دا يوم المنى يا هانم، اليوم إلى بستناه من زمان ومستعد ادفع حياتى قصاده.
ماجى: امشى دلوقتى، مش لازم اى شخص يشوفنا مع بعض.
الرجل: وهو يبتعد حاضر يا هانم.
ماجى: انتظرت دقيقه حتى اختفى ظل الرجل ثم دلفت داخل القصر.
أغلق ادم الفهرجى ستائر الشرفه المشرعه وعاد لسريره مره اخرى.
غرق ادم فى النوم وكانت تنتابه احلام مزعجه تجعله يستقيظ مزعور، طيف فتاه ميته وهو واقف من بعيد ضام يديه نحو صدره.
استيقظ ادم صباح اليوم التالى بجسد متعرق، ذهن ضبابى ومزاج متعكر.
هبط درجات السلم وطلب فنجان قهوه.
وعندما تأخرت الخادمه صرخ وهشم الفنجان على الأرض.
ركضت ماجى واحتضنته واعتذرت للخادمه الجديده.
ماجى: معلش اعصابه تعبانه شويه.
اهدئ يا حبيبى، اهدئ يا ادم من فضلك، انا هعملك فنجان قهوه بأيدي.
داخل المطبخ صنعت ماجى فنجان قهوه وقدمته لادم.
ادم: مش عارف مالى.
قال ادم وهو حاطط ايده على دماغه.
ادم: انا عمرى ما كنت كده.
ماجى: انت اكيد ما اخدتش العلاج انا هجيبهولك فوراً.
وضعت ماجى فى يدها قرص هالوبيريدول وقرص لانزابين وقرص ريسبيريدون.
وضعتهم فى يد ادم وقربت منه كأس ماء.
لاحظ ادم تغير أقراص الدواء رغم ذلك ابتلع الجرعه بلامبالاه متناهيه.
ماجى: انت هتبقى كويس دلوقتى.
ادم: بزعيق، هبقى كويس ازاى وانا حاسس نفسى عايز انام وانا لسه فاتح عينيه؟
ماجى: معلش استحمل يا ادم شويه، اول ما الجرعات تخلص هتبقى كويسه.
"هبقى كويس" ردد ادم الكلمه كأنها اغنيه او لحن تائه يحاول تذكره.
فتحت ديلا عينيها الصبح، أشعة الشمس لسعت عينيها، لقيت نفسها نايمه وسط الشجر.
اخر حاجه فاكراها ان ميمى سبتها امبارح بعد كده رجعت صحتها من النوم وقالت ان ادم قريب منها.
لحظتها ديلا اتحركت تجرى على ادم، لكن ميمى قالت هو خلاص مشى، وذهابك خلفه دلوقتى فيه خطر كبير، القصر متراقب وطرق القريه مراقبه كمان.
نامت ديلا بعدها وصحيت الصبح، ميمى مكنتش موجوده، وطبعاً محدش يعرف ميمى بتفكر فى ايه.
خلف المواشى كان الفلاحين يركضون نحو المراعي، نساء ورجال واطفال.
قعدت ديلا شويه تبص على الناس، ثم تحركت نحو اول منزل شافته، كان بيت بعيد عنها لكن كان اقرب بيت بالنسبة ليها، بيت طينى قديم الدخان لطخ مقدمته، مسقوف بالخوص.
خبطت ديلا على الباب واستنت اى حد يفتح، لكنها سمعت صوت بيقول.
صوت: ادخلك.
كان صوت ست كبيره.
ديلا: انا غريبه يا حجه.
صوت: اتفضل ادخل.
دخلت ديلا البيت لقيت ست عجوزه نايمه على حصيره من القش.
الست: رفعت ضهرها اعذرينى يا بنتى مريضه ومش قادره اتحرك.
ثم تأملت المرأه ديلا ودخلت قلبها من اول نظره.
ديلا: انا اسفه لكن انا جعانه محتاجه اكل.
المرأه: وماله يا بنتى الناس لبعضيها، فيه عيش فى القفه.
طلعيلك بيضتين واكسريهم فى الطاسه، اعتبرى البيت بيتك.
انا والله لو قادره اتحرك لاعملك كل حاجه لكن زى ما أنتى شايفه الحمد لله على كل شيء.
حضرت ديلا الاكل وقعدت على الأرض تاكل جنب الست.
ديلا: انا غريبه يا عمه مش من هنا.
الست: متحكيش يا بنتى لو مش عايزه تحكي.
لكن ديلا ارتاحت للست وبدأت تحكى ليها إلى حصل معاها.
وصلت مدبرة المنزل، ماجى كانت فى انتظارها، امرأه أربعينيه بوجه صارم، حاد الملامح.
ادم تعرف عليها والخدم كلهم.
بعد ما ادم ما طلع غرفته.
ماجى: ها ايه رأيك؟
مدبرة المنزل نرجس: بصوت حاد، مش ادم إلى مخوفنى يا ماجى.
ماجى: امال مين؟
بصت نرجس ناحيت النافذه وشاورت بايدها، ميمى كانت قاعده فوق الشباك، نرجس قالت الخوف من دي.
قفزت ميمى مبتعده عن النافذه برعب.
رواية خادمة القصر الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم اسماعيل موسى
ماجي / أنا جبتك هنا عشان أدم، تقوليلي قطة؟
نرجس / الخطر هناك.
ماجي / لو ده هيعطلك، ابعتي حد يقتلها أو يضربها بالنار.
نرجس / أنتِ مش فاهمة حاجة.
ماجي / نرجس بقولك إيه، أنا مش فاضية لكلامك ده، أنا جبتك عشان أدم، ادخلي القبو وابدأي الشغل، زي ما اتفقنا، أنتِ وعدتيني تضيعي عقله.
نرجس / لازم نتخلص من القطة الأول.
ماجي / اسمعي بقى يا نرجس، أوعي تفتكري إن شغل البيضة والحجر ده هياكل معايا؟ نفذي اللي أمرتك بيه وخذي مصلحتك واتكلي على الله.
نرجس / أنتِ شايفة كده؟
نرجس مش بتهزر، نرجس هتنفذ المطلوب ولو حصل أي حاجة أنا مش مسؤولة.
ماجي بقلق / إيه؟ هو الموضوع كبير للدرجة دي؟ أنا كنت فاكرة إنتي مخضرمة، خايفة من قطة؟
نرجس / دي مش قطة عادية، أنا حاسة بكده، أنا شاكة إن فيه روح ساكنة القطة دي.
ماجي / كفايا تخاريف يا نرجس؟ اتصرفي مع أدم وسيبى أي حاجة تانية ورا ضهرك.
نرجس / الحاجات اللي طلبتها جاهزة؟
ماجي / هتلاقيها في القبو هناك.
نرجس / مش عايزة أي شخص يدخل عليا مهما حصل، مهما سمعتم من أصوات، محدش يدخل غير لما أفتح باب القبو بنفسي.
دخلت نرجس جوه القبو وطلبت من ماجي تقفل عليها من بره بالمفتاح.
داخل القبو، ألقت نرجس حبة حمراء داخل ماجور من الفخار، ثم أشعلت بخور حبهان و ناترنج.
غمضت عينيها وتمتمت، أخرجت ريشة فرخ غراب ورمتها جوه الوعاء.
ارتفع الدخان الملون وبدأت همسات تأتي من بعيد.
وضعت يدها داخل كيس وقبضت على أمعاء متعفنة وخلطتها مع الحبة الحمراء، انبعثت ريحة متعفنة.
الهمسات بقت أكتر وضوح.
مدت إيدها وجابت عضمة ملفوفة في قماشة، هرستها حتى أصبحت ذرات صغيرة وبعثرتها داخل الوعاء.
راح الدخان يتماوج ليشكل ما يشبه طيف بشع مرعب يتلوى مثل الحية لونه أسود كالح.
روت ديلا حكايتها للمرأة التي كانت تستمع لها باهتمام دون أن تقاطعها، وكانت تذكر الله كل بضع دقائق.
المرأة / احمدي ربنا إنه نجاكي من الناس دول يا بنتي.
ثم صمتت المرأة طويلاً.
المرأة / مسألتش نفسك هما بيعملوا كده ليه؟
ديلا / أنا عارفة محمود الجنانى ده، كان عايز يتجوزني وأنا هربت منه.
المرأة / رغم كده مقتلكيش، خطفك وحبسك، واختار يبقى عليكي حية مع إنه كان ممكن يقتلك زي ما قولتي.
ديلا / أصل أنا هربت منه.
المرأة / أنتِ فعلاً بنتي طيبة وبريئة، لكن الموضوع كبير، الناس دي عايزة حاجة تانية.
المرأة / اسمه إيه البيه اللي كنتي عايشة في قصره؟
ديلا / اسمه أدم الفهرجي.
انفتح فم المرأة وشردت بعينيها لبعيد.
المرأة / ربنا يحفظه يا بتي، ادعيله ربنا يحميه من الشر.
المرأة / ساعديني يا بنتي، أنا عايزة أقوم أتوضأ وأصلي.
ساعدت ديلا المرأة وقعدت تبص عليها وهي بتصلي.
ولقت وقت تمسح البيت من الداخل بمحتوياته القليلة.
حصيره، مصطبة، كانون، طبلية، وابور، طشت، كنكة، مجموعة من الأواني.
عبايات قديمة متعلقة في مسامير مدقوقة داخل الجدار.
وظلت المرأة تصلي فترة طويلة حتى ظنت ديلا أنها ربما سهت أو شردت.
أنهت المرأة صلاتها وكان لها وجه وقور يشعرك بالطمأنينة.
ديلا / شكراً يا عمه، أنا لازم أرجع القصر، أدم هيقدر يحميني.
المرأة / ازاى إنسان يقدر يحمي إنسان وهو محتاج للحماية؟ رجوعك للقصر خطر كبير.
ديلا / خطر ولا مش خطر، أنا لازم أرجع، مش هفضل بعيدة عن القرية كل ده.
المرأة / رجوعك مش هيساعد أدم دلوقتي، رجوعك ممكن يتسبب بهلاكه.
ديلا / أنتِ بتقولي إيه يا عمه، أنتِ لسه تعبانة صح؟ إش عرفك أنتِ القصر والخطر، أنا اللي كنت بحكيلك.
المرأة / كل إنسان بيختار طريقه وبيمشي فيه للنهاية يا بتي.
المرأة / أنا مش هقدر أمنعك، أنتِ حرة.
طلعت ديلا من البيت مقررة تروح القصر ومشيت في الطريق اللي بيوصل بين القريتين.
هبط أدم من غرفته، وجهه قاتم وعينيه مكسورة، كان ماشي بيترنح.
ماجي قابلته على السلم.
ماجي / أنت كويس يا أدم؟
أدم / الحمد لله.
ماجي / اقعد لحظة واحدة وأجيبلك العلاج.
مشت ماجي على المطبخ وأحضرت أقراص الدواء.
وضع أدم الأقراص في كفة إيده وبص عليها بسخرية، ثم أطلق ضحكة باهتة وتحولت عينيه للون الأحمر.
أدم / أنا فين؟
ماجي / أنت في قصرك يا أدم، سلامتك يا روحي.
أدم / ودا علاج إيه؟
ماجي / العلاج اللي كتبه الدكتور.
سمعت ماجي طرقات على باب القبو، وشها اتغير.
أدم لاحظ كده.
قامت فتحت الباب وخرجت نرجس.
جسمها كان كله عرق ووشها أصفر مثل ليمونة.
أدم بشرود / مين دي؟
ماجي / دي نرجس اللي كلمتك عليها مدبرة المنزل الجديدة.
أدم / وكانت بتعمل إيه في القبو؟
ماجي / كانت بترتب القبو وبتنضفه، أنا نسيت وقفلت الباب عليها.
أدم / شكلها مريب كده ليه؟
ماجي بضحك / كانت شغالة يا أدم، عايز شكلها يبقى إيه يعني؟
ثم شرد أدم وتوقف عن الكلام.
أدم / أنا هخرج الحديقة.
ماجي لنرجس / ها، عملتي إيه؟
نرجس / ما أنتِ شايفة بعينيكي أهو، عقله ضايع ومش عارف حاجة.
ماجي / يعني العمل اشتغل؟
نرجس / اشتغل ودلوقتي تشوفي بعينك.
لحظات وسمع صراخ أدم في الحديقة، ثم دخل القصر راكضاً يطلب النجدة.
أدم / ابعدوهم عني، عايزين يقتلوني.
أدم / ابعدوهم عني.
ابتسمت نرجس وهمست لماجي، "مش قلتلك!!"
حضنت ماجي أدم وخدته على غرفته، سابته نايم على السرير ونزلت.
طلبت فنجان قهوة وولعت سيجارة وابتسمت بسخرية وهي حاطة رجل على رجل.
"أخيراً؟ ياه أنا استنيت اليوم ده كتير أوي، اشتغلت في مراكز دروس معفنة، في بيوت رجال متحرشة، شربت المر لحد ما وصلت هنا."
وسرح عقلها في الماضي، ورأت نفسها فتاة عشرينية تقف بجوار صديقتها تالا ابنة رجل الأعمال علي بدران.
أدم نازل من عربيته وهي على وشها ابتسامة بريئة.
تالا / أنتِ بتضحكي ليه كده يا ماجي؟
ماجي بخجل / أدم هنا عندكم.
تالا / أدم على طول هنا، ماجي؟! أنتِ معجبة بأدم؟ تكونيش بتحبيه؟
ماجي بخجل / بلاش الكلام ده يا تالا.
تالا / شكلك بتحبيه بجد.
تالا / أدم؟ أدم؟
صرخت تالا على أدم فتوقف عن السير.
تالا / شوفي يا سيدي صاحبتي ماجي بتحبك.
نظر أدم تجاه ماجي، لم تكن تربطه بها صداقة أو حتى كلام، حتى أنه لم يتذكر أنه رآها في يوم.
أدم / مجرد شخص نكرة لا أصل له ولا يعرف.
أدم / دي ماجي مين؟
تالا / ماجي صاحبتي، بنت البستاني.
وشعرت ماجي أن الكلمة شقتها نصفين، وأنها صغيرة ومتقزمة، وتمنت أن الأرض تنشق وتبتلعها.
أدم / لكن أنا بحبك إني يا تالا.
تالا / بضحك أصلها متعرفش إنك هتخطبني.
اشتعلت حريقة في صدر ماجي عندما أولاها أدم ظهره بلا اهتمام كأنها حشرة أو شجرة من التي يشذبها والدها في أرض الحديقة، وقفت ثابتة تنظر تجاه أدم وتالا التي تحيط وسطه بيديها والغيرة تتلوى في صدرها.
وحتى بعد طول تلك السنين، عرضت عليه نفسها أكثر من مرة ورفضها.
تنهدت ماجي، "لازم مصيره يكون زي مصير حبيبته."
نرجس / أنتِ روحتي فين يا ماجي؟
ماجي / فيه إيه يا نرجس؟
نرجس / أصل شايفاكي سرحتي لبعيد أوي؟
ماجي بتكبر، مفيش، كنت سرحانة شوية.
وتركت مكانها وخرجت من القصر.
مشت تجاه بوابة القصر الرئيسية وهي تتلفت حولها، كان هناك شخص ينتظرها خارج القصر.
ترك أدم سريره، فتح ستارة الشرفة لكن ليس بصورة كبيرة.
نظر من خلال الشرفة وفي فمه لفافة تبغ يحرقها بين أسنانه ونظره مصوب على بوابة القصر.
ظل ثابت في مكانه حتى عادت ماجي، وفي طريق عودتها لمحت أدم يقف خلف الشرفة.
ماجي مضيعتش وقت، طلعت على غرفة أدم.
لو كان شك في حاجة لازم تعرف عشان تاخد حذرها.
وجدت أدم قاعد على طرف السرير بيدخن السيجارة.
أدم / ماجي، أنتِ كنتي واقفة مع مين خارج القصر؟
ارتبكت ماجي ثم عاد إليها هدوءها أكثر قوة.
فكرت في سرها، "أدم مش عارف كنت واقفة مع مين؟ نسي الراجل اللي كان شغال في القصر بقاله سنين طويلة؟"
ماجي / مفيش، واحد من خدم القصر.
لم يعقب أدم، بدا أنه نسي كل شيء، حتى سؤاله نسيه.
ماجي / يلا بقى يا أدم أنت لازم تنام.
تمدد أدم على السرير، ماجي طفت النور وقفلت باب الغرفة.
بعد ما خرجت، أدم قعد في مكانه وعلى وشه ابتسامة ساخرة.