أجلسها عدى عنوة على كرسى المكتب وثبت يداها جيداً ثم فتح تسجيلات الكاميرا وجعلها تشاهد الذي حدث. ظلت سلسبيل صامته لم ترفع عيناها من الشاشة، لا تعرف كيف تبرر له سبب غضبها وغيرتها المندفعة، فالأمر لا يعنيها في شيء. سواء أقترب من تلك الفتاة أم لا. كيف ستبرر له ذلك الغضب؟ حاولت أن تقوم من على ذلك الكرسى لتذهب لمكتبها، لكن عدى كان ينظر فى عينيها بتركيز. حاولت سلسبيل الهروب من نظراته لكنها لم تستطع.
ـ مش هتخرجى من هنا غير لما تعتذرى. ـ اعتذر على إيه؟ ـ الكلام اللى قولتى واتهامك ليه. ـ أنا برضه معذورة وأى حد فى مكاني هيعمل كده. ـ لا طبعاً مش أي حد هيعمل كده، انت تصرفك كان مبالغ فيه، وحتى لو فعلاً الوضع ده كان حقيقة مش سوء فهم، انتي زعلانة ليه؟ كان ممكن تتجاهلي الموضوع. تحولت عين سلسبيل للغضب مرة أخرى. ـ لا طبعاً ما يصحش أشوف حاجة زي كده، عيب في حاجة اسمها حياء. ـ سلسبيل هو انتي ارتبطتي قبل كده؟
ـ لا طبعاً، وده ايه علاقته بموضوعنا؟ ـ أنا برضه خمنت كده. ـ ليه يعني مش بشبه اللي بيرتبطوا؟ ـ أنا مقصدش، بس انتي مقفلة أوي يعني، ولو ارتبطتي ممكن خطيبك أو حبيبك يطلب منك حاجة زي كده. ـ أنا مش مقفلة بالعكس، بس بحب معملش حاجة عيب أو حرام، وأخالف شرع ربنا، إيه الممتع أني أكلم واحد واتنين وأرتبط بده وبده وأنا مش بحب حد فيهم وعارفة أني مش هتجوزهم؟ افرض حد منهم اتعلق بيا وحبني من قلبه أشيل ذنبه ليه؟
المشاعر مش لعبة يا أستاذ عدى. أنا يوم ما أرتبط هيبقى ارتباط رسمي قدام الكل وهحافظ على نفسي للشخص اللي هرتبط بيه مش لجميعهم مع بعض. ـ وانتي تعرفيه؟ ـ لا هتقي ربنا فيه حتى قبل ما أشوفه. ـ طيب ما إحنا أصدقاء برضو أنا وهند وغيرها وبنتقابل قصاد الكل، وبيرتبطوا واللي بيرتبطوا بيهم معندهمش مشكلة. ـ والوضع اللي كان في المكتب هنا برضو ممكن تعمليه قدام الكل؟ هل ممكن تسمحي لنفسك إنك تشوف أختك أو مراتك أو خطيبتك في الوضع ده؟
ـ لا طبعاً مستحيل. ـ شوفتي بقى إن عندي حق. ـ ما انتي شوفتي أنه غلطة مش مقصودة. ـ تمام أنا فهمت غلطتي، بس أنا بتكلم بشكل عام وعموماً حصل خير. عن إذنك. ثم تركته وذهبت مسرعة لمكتبها. نظر عدى في أثرها يفكر في حديثها. هو يحب التحدث مع البنات وتقضية الوقت برفقتهم، لكنه لم يفعل شيئاً أكثر من هذا. ودائماً البنات التي يتعرف عليهن ليس لديهن أي تحفظات، لم يفكر من قبل إنه بهذه الطريقة يتلاعب بمشاعر الآخرين.
انتهى اليوم على الجميع وذهبوا للمنزل ومر باقي اليوم. كان ناجي يحاول أن يتقرب من شيماء، ولكنها لم تكن كباقي الأيام تجادله كما اعتادت، بل كانت شارده. كانت نادين على علم بسبب شرودها، وودت لو بيدها شيء لتساعدها به. ازداد التقرب بين يعقوب وأسيل، فهم يعيشون في عالم منفصل مع كل يوم يمر. كان يعقوب يكتشف جوانب جديدة في أسيل لم يلاحظها من قبل. لم تعد الفتاة الصبية التي اعتاد أن يراها كأخته الصغيرة، بل امرأة ناضجة وجذابة.
تغيرت نظراته إليها، وتحولت المشاعر الأخوية البريئة إلى مشاعر أعمق وأكثر تعقيدًا. الغيرة بدأت تتسلل إلى قلبه، فلم يعد يرتاح لفكرة أن تكون بعيدة عنه. أرادها دائمًا بجانبه، يشعر بوجودها في كل لحظة. كانت أسيل عيناها تتبعان نظراته المتيمة، وكأنها ترصد كل حركة فيها. كانت تدرك جيدًا ما يدور في داخلها، تلك المشاعر التي بدأت تتأجج من جديد.
ابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها وهي تدرك أنها في طريقها لتحقيق انتصارها، انتصار الحب الذي طالما انتظرته. قررت أن تنسج حصارًا حوله، حصارًا عاطفيًا يمنعه من الهرب. ستغمره بعواطفها، وستدفعه إلى حافة الهاوية ليبوح بكل ما يخفيه في قلبه. لن تسمح له بالتراجع، لن تسمح له بالهروب من شباك حبها. انتهى الجميع وصعدوا لغرفهم.
وبعدها قرر ناجي أن يتحدث مع نادين لعله يعرف منها ما بها شيماء، فهو أصبح يتذكر الماضي وكلما تذكر يزداد بداخله البغض من نفسه. دلف غرفته نادين وجلس معها. ـ ازيك يا نادين انتي كويسة ومبسوطة بشغلك مع شيماء؟ ـ بصراحة مبسوطة جداً، النجاح طعمه حلو أوي، كل أما المشروع يكبر بحس أني بكبر معاه، بحس بفرحة جديدة من نوع جديد. ـ طيب الحمد لله أنا كده اطمنت عليكي، وبصراحة كنت عايز أسألك على شيماء. ـ مالها شيماء؟
ـ حاسس أنها مش مبسوطة وبتسرح كتير، في حاجة حصلت زعلتها أو حد قالها حاجة ضيقتها. ـ شيماء يا بابا طول الوقت الماضي قصادها، خايفة تحب أو تتحب لحسن يأثر عليها. ـ بس هي بنتي في الماضي والحاضر. ـ الناس مش بتعترف بكده، هيقولوا اللي ربتها بتاعت أعمال وهي زيها، أنا بقولك تفكيرها. ياريتك يا بابا مكنتش سبتها وكانت اتربت وسطنا. ـ هو في حد عجبها يعني وكده أو حد لمحلها بحاجة؟
ـ ماينفعش أتكلم، دي حاجة ماتخصنيش، وغير كده أنا مش متأكدة برضو. ـ طيب قوللي ووعد مش هتكلم معاها ولا هعمل حاجة. ظلت نادين تقص عليه ما حدث على مدار اليوم بين ثائر وشيماء ونظراتهم المتبادلة. شعر ناجي بحيرة من حديث نادين وقرر أن يتدخل بشكلٍ غير مباشر، ولكن عليه أولاً السؤال عنه حتى يتأكد من أنه لا يتلاعب بمشاعر ابنته. تركها ناجي ورحل وجلس في غرفته وقام بإرسال أحد رجال يعقوب للسؤال عنه.
حتى لو كان ذلك الموضوع احتمالات، فهو لن يخسر شيئاً، سيطمئن على بناته ومع من يتعاملون. في اليوم التالي قرر الجميع تقضية اليوم في النادي وتناول الطعام هناك. جلسوا جميعاً على إحدى الطاولات المطلة على حمام السباحة. وأخذ يعقوب أسيل يريها النادي إلى أن يأتي الغداء. وأثناء جلوسهم وجدوا ثائر داخل حمام السباحة برفقة أحد أصدقائه. عندما شاهدهم ثائر خرج من المسبح وابدل ملابسه وتوجه لهم.
وأثناء ذلك الوقت أشارت نادين لوالدها على ثائر حتى يتعرف عليه. بعد قليل اقترب منهم ثائر وسلم عليهم. وقرر ناجي أن يستغل تلك الفرصة وطلب منه الجلوس لتناول الطعام برفقتهم. ورحب ثائر بالدعوة وجلس معهم. قررت شيماء تجاهله وشغلت نفسها بالحديث مع عدى. شعر ثائر بالضيق من تجاهل شيماء، فهو ظن إنها سترحب به كما فعلت معه نادين وناجي، ولكن ما حدث العكس.
حاول ثائر الانصراف لكن ناجي لم يعطه الفرصة وقرر أن يجعل شيماء تشاركهم بالحوار، فقرر الحديث عن العمل المشترك بينهم. لاحظ عدى نظرات ثائر لأخته ولاحظ هروب شيماء الدائم من نظراته. قام عدى بتغيير مجلسه وجلس بجانب ثائر وتولى دفة الحديث وأصبح يسأله عن عمله ويتعرف عليه. شعر عدى بالإعجاب تجاه ثائر ولكنه قرر عدم التحدث مع شيماء بشيء، لعل ما يشعر به تجاه ثائر مجرد ظنون أو شكوك.
أثناء جلستهم تعمد ناجي الحديث عن شيماء كثيراً حتى يوصل له أن علاقة الجميع بشيماء طيبة ودائماً ما يوصل له مدى حبهم لشيماء. ودائماً ما تؤكد نادين من حديث والدها وكانت تنظر لهم شيماء بتعجب، فهي لم تفهم شيئاً، لم جعلون الحديث دائر عنها. شعر ثائر بالاطمئنان تجاه شيماء وأن الماضي لم يؤثر عليها، لو كانت مثل أمها لم تكن ستحبها عائلتها بهذا الحد. وقرر فرض حصاره عليها وسيجعلها تخضع لقلبه مهما كلفه الأمر.
أتى الطعام ووضعه النادل على الطاولة. وأتى يعقوب وأسيل لتناول الغداء برفقتهم وتفاجئوا من وجود ثائر. وقام عدى بتعريفهم على بعض. شعر ثائر في بداية الأمر بالضيق من وجوده، ولكنه عندما رأى نظراته المتبادلة مع أسيل شعر براحة، فهو يعلم أن يعقوب ابن عمها وليس أخاها كعدى. أثناء تناولهم الطعام بدأوا يتحدثون عن الطعام والمطاعم وأفضل المطاعم التي تقدم الأطعمة. فاستغلها ثائر فرصة وقام بالحديث عن مزرعته.
ـ تعرفوا أنا عندي مزرعة في الفيوم بقضي فيها الإجازات وبعزم أصدقائي هناك وبعمل حفلات شواء ليهم، وبصراحة الجو هناك تحفة صيف شتاء. ناجي: ـ وأنا كمان عندي مزرعة بس نادرا لما بروحها وبصراحة مش بهتم بيها خالص. ـ طيب إيه رأيك يا ناجي بيه الجمعة الجاية أعزمكم هناك وتشوفوا الجو، يمكن الأجواء تعجبك وتهتم بمزرعتك. ـ تصدق فكرة حلوة. ثم أخذ رأي الباقي ولم يمانع أحد. ابتسم ثائر داخله وقرر استغلال تلك الفرصة وأن يعرفهم على عائلته.
شعرت شيماء بتوتر شديد، لا تعرف لما كلما يقترب ثائر أكثر كلما يزداد القلق والخوف بداخلها. شعر ثائر بما تشعر به وقرر طمئنتها، ولكن ليس الآن، عليه أولاً أن يقتحم حصونها بلا استئذان، فالحب كالحرب. نظرت شيماء لثائر وجدته ينظر لها وعلى وجه ابتسامة لا تعرف كيف تفسرها، لكن ما جعلها تشعر بالدهشة تلك الغمزة التي أرسلها لها بعينيه، كأنه يرسل لها أن تستعد لحرب المشاعر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!