فتح يعقوب مكبر الصوت وبدأ ناجي في الحديث. "سماح أنا عارف إن كلامي هيضايقك بس للأسف مافيش وقت. أنا عايزكم كلكم تيجولي ألمانيا بما فيهم شيماء. ضروري يا يعقوب ضروري في أقرب وقت كلكم تيجوا. أنا عارف إنك عرفت إن شيماء تبقي بنتي لأن عمتك قبل ما تموت عرفتني إنها حكتلك كل حاجة عشان كده عايزكم تيجوا كلكم." تحدثت سماح بقلق على زوجها. "حاضر يا ناجي هنيجي في أقرب وقت بس طمني عليك أنت فيك إيه؟ كانت تتحدث بقلق ودموع.
"ماتقلقيش يا سماح مش عايزك تزعلي ولا تضايقي. بس أنا عايز أشوفكم في أقرب وقت. احجز طيارة خاصة وتعالوا عليها." "حاضر ماتقلقش أنا هتصرف وهعملك اللي أنت عايزه." صمت يعقوب وفي داخله صراع بين قلبه تجاه عمه الذي كان عوض الله له بعد والده وبين عقله الرافض لتقبل تلك الفتاة. قطع ذلك الصراع داخله صوت ناجي. "يعقوب شيماء بنتي وعانت كتير في حياتها يمكن ده آخر طلب أطلبه منك إنك تجيبها هي وإخواتك."
"حاضر يا عمي حاضر هجيبها وهنيجي كلنا في أقرب وقت. ارتاح أنت وما تتكلمش كتير." أغلق يعقوب بعد ذلك الهاتف ثم نظر لوالدته التي كانت تنظر له بغضب. "يعني أنت عارف كل ده مكانه وعارف إنه تعبان وخبيت عليا وفوق ده كله فضلت ورا البنت لحد ما طفشتها وما صنتش الأمانة." "يا ماما هو ماكنش عايز يقولكم عشان محدش يتضايق وأنا نفسي ما قاليش أي حاجة عن مرضه." "الحاجات دي ماينفعش تخبيها كان لازم تقولي على الأقل كنت سافرت معاه."
"خلاص ملحوقة هحجز طيارة خاصة." "وشيماء هتوصلها إزاي؟ "ماتشغليش بالك أنا هتصرف." "هو أنت مشيتها ولا ليك دخل؟ "لا بس تفتكري كنت هسيبها تمشي من غير ما عيني تكون عليها افرضي آذتنا." "طيب ابعت هاتها بسرعة." "حاضر بس محدش من إخواتي يعرف الحقيقة." "امشي يا يعقوب وهاتها وياريت ما تدخلش تاني في الموضوع ده لأنه أنا بس اللي ليا القرار فيه. أنت يا دوب سمعت من عمتك ماشفتش حاجة." "يا ماما اللي سمعته كافي."
"برضه أنت مالكش إنك تتدخل في الموضوع ده. روح جيبها وأنا هجهز شنطتي وهبلغ إخواتك على ما تكون حجّزت الطيارة وجبتها. ويارب تلاقيها عشان لو ما لقيتهاش صدقني يا يعقوب أنا هاخد منك موقف عشان أنت فاكرني كبرت وخرفت وبقيت وصي علينا كلنا." "حاضر هجبهالك وهقدر الظروف اللي بنمر بيها بس ده ما معناه إني موافق على اللي بيحصل ده." ثم تركها وذهب. ذهب واتصل بالرجل الذي عينه لمراقبة شيماء وأخذ منه العنوان ليذهب لها.
اتصل يعقوب بسكرتيرته وجعلها تحجز طيارة خاصة للذهاب لألمانيا في أقرب موعد متاح. وتوجه بعد ذلك لمنزل شيماء وطرق على الباب. فتحت شيماء الباب وتفاجئت بوجود يعقوب أمامها يقف بوجه عليه علامات الغضب. دهشت من وجوده وظلت صامتة فهي شعرت أن لسانها شل من المفاجأة. شعر يعقوب بصدمتها فبدأ يعقوب بالحديث. "ادخلي هاتي شنطتك وتعالي معايا حالا."
فاقت شيماء من شرودها وقررت أن تقف أمامه فهي لم تقضِ الباقي من عمرها في دفع ثمن شيء لم تفعله. فهي عوقبت بما فيه الكفاية خلال تلك السنوات الفائتة من بعدها عن والدها ونبذ جيرانها وتحمل مسؤولية والدتها العمياء وإجبار الظروف لها لترك تعليمها. أجابته شيماء بلهجة جادة. "أنا آسفة مش هرجع تاني البيت بتاعكم." "ومين قالك إني أنا جايلك عشان أرجعك البيت؟ "امال جايلى ليه؟ "عشان عمي ناجي طلبنا كلنا نسافرله وأكد على حضورك معانا."
"ليه بابا ماله؟ "هتعرفي كل حاجة لما تيجي." "وأنا هاجي معاكم بصفتي إيه؟ "للأسف بنته وللأسف الأكبر مضطرين نقول لعدي ونادين بس ده مش معناه إننا خلاص هنعترف بيكي." "أنا ما يهمنيش أصلاً أنت تعترف بيا ولا لا. اعترافك بيا مش هيغير حاجة. هروح أخلص إجراءات جواز السفر وبعدين هبلغك." "مش محتاجين كل ده. أنا حجّزت طيارة خاصة بسرعة يلا هاتي حاجتك عشان نلحق نسافر مافيش وقت." "هدخل أجيب شنطتي وهاجي معاك بس عشان بابا أطمن عليه."
دَلفت شيماء لغرفتها وجمعت الأشياء المهمة في حقيبتها وداخلها قلق كبير على والدها ودموع تأبى النزول من عينيها. انتهت من جمع أشياءها وذهبت برفقة يعقوب وبداخلها صراع. هل تسأله عن والدها وكيف علم مكانها بتلك السهولة أم تصمت وتتجنبه؟ قررت تجنبه في الوقت الحالي. عليها الآن أن تطمئن أولاً على والدها. في الجهة الأخرى، جمعت سماح نادين وعدي وقررت أن تبلغهم بحقيقة شيماء ومرض والدهم الذي إلى الآن لا تعلم ما هو.
جلسوا جميعاً في غرفة سماح منتظرين حديثها. وعندما ساد الصمت والتوتر قطعه عدي متسائلاً. "يا ماما جمعتنا شنطنا زي ما طلبتي ظننا. وقولتلنا هقولكم كل حاجة لما تخلصوا. ويعقوب كلمني وقاللي كلها 3 ساعات ونسافر ألمانيا واحنا مش فاهمين حاجة يعني فاضل ساعة ونتحرك واحنا على عمايا كده." "بصوا باباكوا تعبان جداً وكان مخبي عننا الفترة اللي فاتت حالته الصحية. وهو النهارده كلمنا وطلب مننا نروحله كلنا في أقرب وقت أنا وأنتم و...
"وإيه يا ماما؟ "وشيماء كمان." تحدثت نادين باستفسار. "شيماء مين؟ الشغالة الجديدة؟ "أها." أكمل عدي السؤال. "وشيماء تسافر معانا بصفتها إيه؟ "أختكم." تحدث عدي ونادين في نفس الوقت. "نعم إزاي يعني؟ "دي الحقيقة شيماء اختكم وباباكم عاوزكم كلكم ضروري." تحدث عدي بعصبية مفرطة. "أنا عايز أفهم شيماء دي أختنا إزاي وإمتى؟ وهو بابا أصلاً اتجوز حد غيرك ولا كان بيلعب بديله ودي جت غلطة منه فبيدبسنا فيها دلوقتي بعد ما ضميره صحي؟
لم تستطع سماح السيطرة على غضبها. يكفي ما بداخلها من وجع وقامت بضرب عدي على وجنته. "احترم نفسك وأنت بتتكلم عن أبوك. أبوك ده أشرف إنسان في الدنيا بحالها. المفروض إنك تكون واثق من كده. وحوار شيماء ده حوار طويل يطول شرحه وأحنا ماعندناش وقت. وقبل ما تتكلم اعرف أنت بتطلع إيه من بقك وواقف تتكلم قصاد مين بالطريقة دي. وإذا كان الوقت يسمح ولا لأ." صدموا جميعاً من رد فعل سماح وخاصة عدي. حاولت نادين تهدئة الوضع لحين وصول يعقوب.
"طيب اهدى يا ماما أنا عارفة إنك متوترة واحنا كمان بس لحد ما يعقوب ييجي احكيلنا شيماء دي أختنا إزاي وهل يعقوب كان عارف عشان كده واخد الموقف ده منها؟ "آه يعقوب عارف من ساعة ما جت البيت عارف عنها كل حاجة."
وظلت تقص لهم الماضي ولكن بطريقة مبسطة حتى لا تجعلهم ينفروا منها كما فعل يعقوب. وبنفس الوقت كانت تقص لهم الحقيقة حتى تضمن إذا حاول يعقوب يحكي أي شيء عنها يكونوا على علم مسبقاً ولا ينساقوا لحديثهم. فهم بالأول والآخر إخوة حتى لو لم تتقبل هي أو يعقوب ذلك الوضع. تحدث عدي بنبرة لائمة.
"طيب ليه محدش بلغنا وساب لنا القرار إذا كنا نتقبلها ولا لأ. أنا حاسس إن راسي واقفة مش عارف أتعاطف معاها على وضعها ولا أكرهها بسبب الماضي بتاع والدتها. وهل أنتي تقبلتي الوضع؟ أكيد لا لو كنتي تقبلتيه ماكنتيش شغلتها خدامة طول الفترة دي وعشان كده يعقوب كان بيعاملها وحش ومحذرنا إننا نقرب منها." ظلت نادين صامتة. المفاجأة جعلتها لا تستطيع أخذ قرار. لا تعلم ما المفترض أن يحدث. هل تقترب من أختها أم تبعد وتظل كما قرر يعقوب؟
ظل الصمت مسيطراً على المكان. ثم ذهب الجميع بعد ذلك لوضع باقي الأشياء في الحقائب وظلوا يفكرون في حديث والدتهم. أتى يعقوب ودلف للمنزل وظلت شيماء في الخارج. أبت الدخول وتركها يعقوب براحتها فهو لا يحب وجودها في منزله. دلف يعقوب ووجد الجميع في حالة من الصمت لا يعلمون كيف يتعاملون معها إلى الآن غير متقبلين ذلك الوضع. تأكد يعقوب أن والدته أخبرتهم بشيماء فهو غير معتاد على ذلك الوضع من إخوته. قطع يعقوب الصمت متسائلاً.
"خلاص جاهزين عشان نتحرك؟ "جبت شيماء لقيتها؟ "آه في العربية بره المفروض نتحرك دلوقتي عشان نلحق نخلص بقية الإجراءات هناك." "تمام يلا بينا." ذهبوا جميعاً للخارج وقاموا بتقسيم أنفسهم على سيارتين. سيارة لعدي ونادين وشيماء وسيارة أخرى ليعقوب وسماح. وكل سيارة بها السائق الخاص بها. في سيارة شيماء، ظل الصمت مسيطراً على المكان لا أحد يعرف ماذا سيقول. في سيارة يعقوب.
ظلت سماح صامتة شاردة في الطريق وتبكي. الماضي والحاضر يمر أمامها في شريط. ظلت تراجع نفسها وقراراتها. قطع الصمت صوت يعقوب وهو يتحدث بصوت منخفض. "حكتلهم صح؟ "لازم يعرفوا." "مش لازم." "دول إخوات دم واحد. افهم لازم يعرفوا يتقبلوها أو لا. أي حاجة ترجع لهم." "وافرض تقبلوها؟ "هما حرين. هما ما بقوش أطفال. أنا حكيتلهم الحقيقة. القرار ليهم. لأ ولا أنت هتتدخل فيه أنت فاهم؟ "طيب افرضي تقبلوها وهي آذتهم؟ "مش هتأذيهم."
"وأيه اللي يضمنلك؟ "لو كانت عايزة تأذيهم كانت آذتهم. كانت عرفتهم على الأقل من أول ما دخلت الفيلا. كانت كسرت كلامي ومتقبلتش إنها تبقى خدامة في بيت أبوها وبموافقته." "يمكن بتتمسكن لحد ما تتمكن زي أمها." "أنا اللي عاصرت أمها وعارفة إذا كانت شبهها ولا لأ." شعر يعقوب بضيق من حديث والدته لما تريد إدخال تلك الفتاة حياتهم مرة أخرى. قرر يعقوب الصمت فالحديث أصبح بلا جدوى الآن.
بعد مرور بضع ساعات كان فيها الحديث في الضرورة فقط وصلوا جميعاً للمستشفى واستعلموا عن غرفة والدهم. أخبرتهم الممرضة إنه في غرفة الأشعة. قرروا الذهاب للطبيب المعالج وسؤاله عن وضع أبيهم إلى أن ينتهي. بالفعل دلفوا لغرفة الطبيب الذي استقبلهم وقام بتوفير مترجم طبي لسهولة التواصل. وبدأت سماح في سؤاله. "لو سمحت ممكن أعرف حالة جوزي إيه؟
"زوج حضرتك يعاني من ورم في المخ. حاولنا جاهدين خلال الفترة السابقة أن نتعامل معه بالعلاج الكيماوي والإشعاع ولكنه مازال ينتشر لم نستطع السيطرة عليه فقررنا إجراء جراحة له ولكن الوضع خطير. وإذا تمت العملية بنجاح في احتمال كبير أن يفقد جزء من الذاكرة. ونحن أبلغناه بضرورة التواصل مع أفراد أسرته ليكون حاضر وقت العملية حتى إذا حدث شيء يتم إبلاغه. وإذا أردنا أخذ أي إجراء طبي مفاجئ في العملية يمضي على باقي الأوراق."
لم تستطع سماح إكمال حديثها فالبكاء كان يسيطر عليها. فأكمل يعقوب الأسئلة. "والعملية دي خطيرة؟ "نعم ونحن الآن نجهزه لها فنقوم بعمل التحاليل والأشعة اللازمة." "طيب لو ما عملهاش؟ "سيكون الموت محققاً. أما بعملها سيكون هناك نسبة للحياة مرة أخرى." "طيب إحنا عايزين نقابله لو سمحت." "هو الآن في غرفته يمكنكم الدخول له."
خرجوا من غرفة الطبيب وأوقفهم يعقوب وطلب منهم عدم البكاء خاصة أمام والدهم وأن يتعاملوا مع بعضهم بشكل طبيعي حتى لا يغضب أو يشعر بالذنب. وافق الجميع حديثه وذهبوا لغسل وجوههم والاستعداد لمقابلته. وبالفعل دلفوا جميعاً سوياً لغرفة ناجي الذي استقبلهم جميعاً بابتسامة وظل يتحدث معهم في أمور مختلفة حتى يهون عليهم ما سمعوه. وهما أيضاً ظلوا يضحكون معه مخففين من وضعه. بدأ يعقوب يوجه حديثه لشيماء. "عاملة إيه يا شيماء كويسة؟
"الحمد لله." "أنا آسف إني كنت سايبك طول السنين اللي فاتت بس كان صعب عليا أتقبل الوضع. كان صعب آجي أزورك وأشوف أمك. ولو كنت طلبت منك تسبيها وتتخلي عنها أنا عارف إنك مكنتيش هتوافقي. أنا كنت بتعمد أبعت فلوس ليكي أنتِ بس مكنتش عايز أبعت فلوس زيادة تستغلها والدتك في الشر." "خلاص يا بابا اللي حصل حصل. إحنا ولاد النهارده."
"أوعي تكوني فاكرة إني وافقت أشغلك خدامة وأنا راضي. بس أنا كنت عارف وواثق إن يعقوب يدور وراكي ويعرف أنتِ مين. وعارف إن سماح لو شافتِك وعرفت إنك مختلفة عن والدتك هتتقبلك. وجودك وسطيهم حماية ليكي حتى لو مكنتيش أختهم. بس للأسف الوقت مكنش في صالحي عشان أعرف أقف جنبك. كان لازم أسافر. أنا بتعالج في مصر من فترة قبل ما آجي هنا. وعارف وضعي. وجودي هنا ده محاولة أخيرة مني للحياة. وطلبت تأجيل العملية لحد ما أتكلم معاكم كلكم الأول. وكلامي معاكم هيبقى بالدور. وأنت يا يعقوب آخر واحد كلامي هيتوجه له. هبدأ بنادين الأول."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!