وقف بصدمة وهو يرى زوجته على حافة الانتحار. جرى بسرعة البرق على السطح ليلحق بها وينقذها من ما ستفعله بنفسها. أول ما وصل، وجدها واقفة ومدياله ضهرها. مشى بخطوات بطيئة وتكلم بهدوء حتى لا يخضها فتقع. "حبيبة.. اوعي تعملي كده. صدقيني ده مش حل للي انتِ فيه." دورت وشها له وهي واقفة على السور وبصتله بدموع ووجه شاحب. "صدقني الموت أرحملي من اللي أنا فيه ده. يا كريم أنا مش متخيلة حياتي من بعده. ده أبويا، فاهم يعني إيه أبويا؟
أكتر حد حبيته في حياتي وأكتر حد حبني برضه. هو كان معوضني عن أمي اللي ماتت من وأنا صغيرة وبقى ليا الأب والأم والصاحب وكل حاجة. عمره ما رفضلي طلب وكان دايما واقف في ضهري وبيعمل أي حاجة أنا عايزاها وخلاني معتمدة عليه في كل كبيرة وصغيرة. خلاني حرفياً مقدرش أعيش من غيره. أنا مش متخيلة حياتي من غيره. فكرة إني هصحى بعد كده من النوم وأواجه العالم وهو مش فيه بترعبني. أنا خايفة يا كريم...
خايفة أعيش حياتي من غير ما يكون موجود وواقف جنبي. أنا ضهري اتكسر من بعده. الحل إني أروحله وأبقى معاه وأخلص من كل الخوف اللي أنا فيه ده." حبيبة قاست كل هذا، وكريم كان يستغل الفرصة ويقرب واحدة واحدة حتى يصل للمكان الذي هي فيه. "طب وفكرك إنه هيبقى مبسوط لما تنتحري يا حبيبة؟ طب مفكرتيش في أختك اللي بقى ملهاش غيرك دلوقتي؟ ولو انتِ كمان مشيتي إيه اللي هيحصل فيها؟ ابتسمت بسخرية وحزن.
"مفيش حاجة هتحصل يا كريم. من بعدي كل حاجة هتفضل زي ما هي وكل اللي حواليا هيعيشوا حياتهم طبيعي ومفيش حد هيتأثر من بعدي. أنا محدش بيحبني غير بابا وبابا خلاص راح." حس أنه يريد أن يصرخ بحبه لها ويقول لها: "إنتِ ليه مش شايفةني ولا حاسة بيا وبحبي ليكي وإنه مستعد يضحي بعمره كله عشان سعادتها؟ " لكن كبرياؤه منعه. طبعاً استغل أقوى طريقة ليمنعها وهي الدين. تكلم بهدوء وجدية مصطنعة.
"طب ياحبيبة ارمي نفسك.. يلا مالك بتبصيلي باستغراب ليه؟ مش ده اللي انتِ عايزاه؟ بس هتخسري آخرتك ليه؟ هتغضبي ربنا بحاجة زي دي ليه؟ بدل ما تقربي منه وتدعي لأبوكي بالرحمة وإنه يرزقه الجنة تعملي كده؟ عارفة.. انتِ مش لاقية حل للي انتِ فيه ده صح؟ أنا بقا عندي الحل. ترجعي لربك. تصلي وتقري قرآن. وقسماً بالله هتحسي براحة محستيش زيها قبل كده وهتقوي وهتصبري."
نظراتها شردت بتفكير، وكريم استغل الفرصة وقرب منها. شدها عليه فسقطت في حضنه. لكن ما استغربه أنها لم تبعد عنه وتمسكت فيه وهي تدفن وجهها في صدره وتبكي بصوت عالٍ. ضمها الحضن وتكلم بهمس وحنان. "ششش اهدي... ادعيله بالرحمة ياحبيبة. هو بقى في مكان أحسن. صدقيني مش هيبقى مرتاح باللي بتعمليه ده." "مش قادرة يا كريم أتقبل الفكرة.. أنا بموت من الحزن." بعدها عنه ومسح دموعها.
"أنا مجرب إحساسك ده وعارف يعني إيه يتم الأب. وصدقيني عمري ما نسيته." عينه دمعت وتكلم بابتسامة فخورة.
"أبويا الله يرحمه كان أحسن راجل في الدنيا كلها وكان الناس كلها بتحسد أمي لأنها اتجوزت راجل زيه. وفي كان راجع من شغله بدري عشان يوفي بوعده إنه يخرجني لأني كنت ساعتها عندي 10 سنين وبحب الخروجات والتنطيط. وكنت لابسة واقفة في البلكونة ومستنية ييجي عشان نخرج. وفضلت واقفة ساعة والتانية لحد ما لقيت صاحبه داخل شارعنا وباين على وشه الزعل والحزن. طلع بيتنا وأمي فتحتله وبعدها سمعت صريخ وعياط. جريت بخضة أشوف
فيه إيه لقيتها بتقولي: أبوك مات يا كريم. أبوك عمل حادثة بالعربية وراح فيها وسابنا."
"مستوعبتش الفكرة وفضلت واقفة في البلكونة مستنية ييجي ورافضة أتحرك مهما يعملوا. وكنت بفضل قاعدة قدام الباب مستنية صوت تكة المفتاح في الباب ودخلته عليا وهو جايبلي كل اللي نفسي فيه. كنت مستنية يوم إجازته لما ننزل نصلي الجمعة وبعدها نروح نجيب أكل ونتغدى وبعدها يفضل يلعب معايا كورة ويخرجني. ذكريات كتير مستعدة أقعد أحكيهالك لحد السنة الجاية وعمري ما نسيتها ولا هنسى ولا قادر لحد دلوقتي أتعافى منها وهفضل مكسور طول عمري بسبب بعده عني. لكن ما وقفتش حياتي ومستسلمتش لما استوعبت إنه خلاص مشي ومش هيرجع نهائياً. اهتميت بتعليمي وبدأت أشتغل وأصرف على نفسي وعلى أمي ومرضيتش أبداً أخليها تتشحطط في أي شغلانة خصوصاً إنها كانت جميلة جداً ومطمع للي حواليها."
"موت الأب أو الأم بيفضل سايب أثر سلبي في نفسيتنا العمر كله. بس الشاطر إنه يتغلب على ده ويحاول يكمل حياته ويخليهم يرتاحوا في تربيتهم وميتعذبوش لأنهم بيكونوا حاسين بينا وشايفينا. أبوكي هيفضل في قلبك وعقلك وازعلي عليه وعيطي براحتك. بس حطي في دماغك إنك لازم تفوقي من اللي انتِ فيه ده يا حبيبة وتقوي." حبيبة اتأثرت جداً بقصته ودموعها زادت. لاحظ وشها الأصفر سألها باهتمام. "إنتِ ما أكلتيش طبعاً صح؟
نزلت عينيها في الأرض بإحراج. سحبها من إيديها ونزل أوضتها وخلاها تقعد على السرير. وبعدها نزل المطبخ وطلع تاني بعدها بخمس دقايق بصينية ودوا ومياه وحطها قدامها. "لو بتحبي أبوكي بجد متعمليش في نفسك كده وكلي يا حبيبة." "مش قادرة يا كريم." "عشان خاطري... ده أول طلب أطلبه منك في حياتي." تتكسفين. بصتله بتردد وبعدها بدأت تاكل حاجات بسيطة وأخدت المهدئ اللي جابهولها. نامت على السرير وكريم بص لها بحنان.
"نامي دلوقتي وحاولي تريحي أعصابك وأنا هجيلك بكرة. خلي بالك من نفسك يا حبيبة." كان هيمشي بس مسكت إيده واتكلمت بامتنان. "شكراً يا كريم." ابتسم بهدوء ومشى من قدامها. حبيبة راحت في النوم. *** منار.. تعالي ياحبيبتي عايزاكي. راحت منار لمرات عمها اللي بتناديها وسألتها باستفسار. "نعم يا طنط؟ سميحة (أم سيف) بخبث. "هو انتِ ياحبيبتي حاسة من ناحية سيف بحاجة؟ منار نظراتها توترت واتكلمت بقوة مصطنعة.
"حاجة زي إيه بالظبط يا طنط معلش مش فاهمة." "يعني.. معجبة مثلا.. بتحبيه؟ قاطعتها منار بجدية مصطنعة. "لأ طبعاً يا طنط سميحة وعمري ما هحس بحاجة ناحيته. سيف زيي زي أخويا بالظبط. وبعدين متنسيش إنه كان بيحب حبيبة وهيتجوزها وتقريباً بيحبها لغاية دلوقتي يعني عمره ما هيفكر فيا ولا هفكر فيه. وبعدين مش وقت كلام حضرتك ده دلوقتي. ده أنا دموعي لسه منشفتش على أبويا يعني."
فهمت سميحة إنها بتخفي مشاعرها ناحية ابنها بسبب وجود حبيبة. عشان كده اتكلمت بود مصطنع. "طيب ياحبيبتي معلش فهمتك غلط ومش قصدي أضايقك. شوفي كنتي بتعملي إيه." مشيت منار من قدامها. وسميحة قعدت على الكرسي بغضب واتكلمت بغضب في سرها. "أنا عارفة انتِ قولتي كده بسبب مين. وعارفة كمان إن ابني لسه بيحبها وممكن في أي لحظة يرجع لها وينسى إنها شكيت فيه واتجوزت غيره عشان تغيظه وتقهره. بس لأ... ده على جثتي."
فكرت شوية وابتسمت بشر وهي بتطلع تليفونها وجابت رقم خال حبيبة ومنار اللي عايش في الصعيد. "الو.. مهران بيه الحقني. حبيبة بنت اختك عيارها فلت وبقت فاجرة. ولازم تيجي تتصرف معاها." *** رجع كريم البيت ودخل بهدوء وهو حزين جداً على حبيبة. جرت سهيلة على حضنه أول ما شافته. "حمد الله على السلامة ياحبيبي." جبر نفسه إنه يبتسم في وشها لأنه عارف إن ملهاش ذنب في أي حاجة. واتكلم بهدوء. "الله يسلمك ياسهيلة."
"أحطلك تاكل.. شكلك تعبان أوي. مالك؟ "والد حبيبة مات." لم تتأثر نهائي واتكلمت بشفقة مصطنعة. "ياحول الله يارب.. ربنا يرحمه." "آمين." "طب بص روح غير هدومك وأنا هحطلك الأكل ونتغدى مع بعض." "مش جعان والله يا سهيلة. كلي انتِ." قربت منه وحاوطت رقبته وهي بتبصله بإغراء وصوت أنوثي ناعم. بعدها عنه بهدوء واتكلم بنبرة عادية. "طيب ياسهيلة حطي عقبال ما أغير هدومي. مفيش مشكلة." بصته من خده واتكلمت بدلع.
"في ثواني يا عيوني وهتلاقي الأكل قدامك." بعدت عنه ودخلت قدامه المطبخ وهو بص لها بمشاعر متلخبطة وحاول يحس ناحيتها بأي حاجة. لكن للأسف حبيبة واخدة جزء كبير جداً من عقله وقلبه. وبلمسة صغيرة منها بتقدر تأثر فيه لدرجة كبيرة. حاول يطرد الأفكار دي من دماغه ويركز مع سهيلة اللي بتحبه من قلبها وهمها راحته. سمع صوت رسايل كتير جاية من تليفونه. بص للتليفون بعدم اهتمام لقى مكتوب فيها.
"يخربيتك ياسهيلة.. يعني حطيتي لجوزك مخدر عشان يتصرف بعدم وعي ويطلق مراته التانية.. ده انتِ ست قادرة والنبي تعالي علمني." برقت عينه بصدمة و...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!