الإضاءة في القاعة كانت ناعمة، تلمع على الكريستال المعلّق في السقف، والموسيقى الخفيفة بتملأ الجو بحس من الرقي والهدوء. الطاولات مزينة بالورود البيضاء، والناس حواليهم بيضحكوا ويتكلموا، يتبادلون الكؤوس والنظرات.
مريم كانت لابسة فستان بسيط، لكنه يبرز أنوثتها بطريقة غير مفتعلة، شعرها مسدول على كتفيها وابتسامتها تسرق انتباه كل من يمر. عفويتها في الكلام وضحكتها الصافية كانت بتجذب حتى الغرباء، كأنها تنشر دفء وسط المكان المترف البارد. هو كان واقف جنبها، ساكت في معظم الوقت، لكن عينه كانت تلاحق كل حركة منها. كل ما تضحك مع حد، إيده تتشد أكتر على ظهرها، ضغطه ثابت وكأنه بيقول: "انتبهي… إنتي مش لوحدك". قالت له بنبرة خفيفة، فيها مزاح:
–على فكرة، ظهري مش زرار، بطّل تضغط! ردّ بهدوء فيه نار مكتومة: –لو بطّلت تضغطي على أعصابي، ممكن أبطّل. ضحكت وهي تميل ناحيته: –إيه ده؟ غيرة؟ قال من غير ما يرمش: –أنا ما بغيرش… أنا براقب اللي بتاعي. لفت له بنص جسمها، ملامحها تحاول تهدّي اللعب: –طب ما تخلّص وتقول إنك غيران، ونوفّر الضغط العالي ده؟ قرب من ودنها، وصوته منخفض بس قاطع: –أنتي ليّا، وفاكرة إنّي هستحمل حد يبصلك، ولا يحكي معاكي؟ أنا حتى نفسي مش بسيبها ترتاح منك.
سكتت للحظة، قلبها اتلخبط، وبعدين قالت بخفة دم: –ده إنت طالع رومانسي… بس مرعب. وفجأة، صوت طلقة اخترق الجو الهادئ، الموسيقى توقفت، وكل الناس اتجمدت مكانها. النظرات اتبدلت بالذعر، وصرخات قصيرة بدأت تعلو. رعد تحرك بسرعة، مسك مريم من دراعها ودار بيها ناحيته، جسمه بقى حاجز أمان يحميها من الاتجاه اللي جاي منه الصوت. –امشي معايا… دلوقتي. نبرته كانت جادة لدرجة إن صوتها اتقطع قبل ما ترد، لكنها حاولت تخفف الموقف:
–إنتَ عايز تمشي بدري كده؟ ده أنا لسه في أول الرقصة! ما ردش، عينه بتلف حوالين القاعة، إيده ماسكاها بقوة، وسحبها معاه ناحية ممر جانبي. ثواني، وكانوا ورا ستارة خلفية، أصوات الناس بتعلو بالصراخ، وحد تاني بيزعق أوامر في الميكروفون. مريم بصت له بعينين متسعتين، تحاول تخفي ارتباكها: –هو إنت جايبني حفلة ولا فيلم أكشن؟ رد ببرود وهو بيخرج سلاح صغير من تحت الجاكيت: –لما تكوني معايا، توقّعي إنك تعيشي الاتنين مع بعض.
طلقات تانية دوّت، أقرب من قبل، وهو دفعها ناحية الجدار، جسمه بيغطيها بالكامل. –لو سمعتيني، هتخرجي من هنا سليمة. –طب إنت؟ –أنا ما بموتش بسهولة، يا مريم. عينيه ما كانتش بتترك المكان لحظة، كل عضلة في جسمه مستعدة، أصابعه مشدودة على السلاح، وهو بيحسب خطوات أي مهاجم ممكن يظهر. فجأة، الباب الجانبي اتفتح بعنف، ودخل زياد، صوته حاد وهو بيقول: –رعد، لازم نخرج دلوقتي… مش لوحدكوا هنا.
رعد أشار له يغطّي مريم، وبدأ يتحرك للأمام، زي الذئب اللي بيحمي قطيعه، لكن ملامحه كانت بتخفي حاجة أكتر من الحماية… كان فيه غضب حارق بيغلي جواه. الصرخات بره بتزيد، ومريم كانت بتحاول تستوعب اللي بيحصل، قلبها بيدق بسرعة، بس عقلها بيركّز في تفاصيل صغيرة: نظرات رعد، طريقة حركته، وحتى زياد اللي باين عليه التوتر أكتر من المعتاد. في لحظة، انطفأت الإضاءة كلها، والقاعة غرقِت في ظلام تام، ما عدا ضوء خافت من باب خلفي.
رعد مسك إيدها بقوة وقال: –إمشي ورايا… مهما حصل. وبعدها بثواني… الدنيا انفجرت من جديد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!