رفعت عينيها المليانة دموع وهي بتقول بصوت مكسور: بعيط من وجعي وضعفي، بعيط من اللي بيحصل فيا وأنا لازم أقبله ومليش حق أني اعترض أو أتكلم. ليه كل حاجة لازم أعملها غصب عني؟ ليه كل الناس فاكرين إنهم يقدروا يتحكموا فيا؟ مرات عمي ووليد طول عمرهم بيجبروني على حاجات أنا مش عايزها. طول الوقت كنت عايشة في خوف وكنت فاكرة لما أبعد عنهم هرتاح، بس اكتشفت إنّي غلطانة وإنك هتكون نسخة أسوأ منهم. إنت...
إنت حتى اتجوزتني من غير ما تاخد رأيي! هو أنا لعبة في إيدكم؟ مش من حقي أقول لأ؟ مش من حقي أعيش زي ما أنا عايزة؟ وقفت وهي بتاخد نفسها بصعوبة، ومسحت دموعها بيدها. ومهاب واقف مكانه مصدوم من اللي سمعه. وهو بيقارنه بيهم، عينه كانت مليانة ندم. حاول يقرب منها بخطوة: فرح، أنا... أنا مش قصدي أضغط عليكي بالشكل ده. كنت بهزر... والله بهزر. فرح بتصرخ فيه وهي بتتراجع خطوتين: هزار!
هزار إيه اللي يخليك تحبسني في أوضة وتخوفني بقطط وأنا أصلاً مرعوبة منهم؟ وبقولك إني خايفة! هزار إيه اللي يخليك تفرض عليا حاجة أنا مش عايزها؟ هزار ده بالنسبة لك، بس بالنسبة لي ده كابوس تاني. كفاية عليا اللي شفته طول حياتي، مبقاش عندي طاقة أعيش الأصعب منه. مهاب حس بوجع في قلبه من كل كلمة قالتها. قرب منها بخطوة تانية، وصوته بقى هادي وحزين: فرح... أنا غلطت... والله ما كنت فاهم إنك هتضايقي أوي كده.
فرح بصتله بحذر، وهي مش عارفة تصدقه ولا لأ، لكنه كمل: أنا عمري ما هاجبرك على حاجة انتي مش عايزاها، وعد مني. اللي حصل النهاردة مش هيتكرر تاني. بس أنا بجد... بجد ما كنتش قاصد أضايقك أو أخوفك. سامحني. فرح بصتله بنظرة مختلطة بين التردد والتعب، لكنها حست لأول مرة إن فعلاً فيه حد بيساعدها وإنه ممكن يكون بيحاول يفهمها بجد. اليوم التاني.
مهاب راح شركته. متكلمش مع حد وفضل قاعد في مكتبه. بعد شوية جه فارس ودخل قعد على الكرسي. وكل ده وهو ولا حاسس بيه ومش مركز معاه خالص، وبيفكر فيها. وليه لما بيشوفها بيتلخبط وبيحس إنها مسؤولة منه؟ ليه قرر يتجوزها بسرعة كده مع إنه كان ممكن يساعدها بأي طريقة تانية؟ أسئلة كتير في دماغه محيرّاه. فارس وهو بيشاور بإيده قدامه: إيه يا ابني، إنت رحت فين؟ مهاب بتركيز: هااا؟ إيه؟ يعم أنا معاك يعم أهو. فارس ابتسم وغمزله بعينو:
إيه اللي واخد عقلك كده؟ يبطل البت الجديدة صح؟ مقوتليش صحيح، عملت إيه لما مشيت امبارح؟ مهاب: اتخطبت. فارس اتصدم واتكلم وهو مش مصدق اللي سمعه: إيه؟ اتخطبت؟ مهاب الصواف اتخطبت؟ أنا بحلم ولا إيه يا جدعان؟ مهاب وهو بيضحك: أه تخيل، اتخطبت خلاص. عقبالك. فارس: أه عقبالي، بس أنا حبيبتي معروفة وموجودة من زمان، مش زيك صايع مكنتش لاقي حد يلمني. مهاب:
ماتحترم نفسك يا ابني، إنت بتتكلم عن اختي. "موجودة من زمان" دي، متحسسنيش إني كنت أهبل أوي كده ومش واخد بالي منك. فارس ضحك بصوت عالي: إيه يا عم؟ إنت مالك؟ ما أنت عارف من زمان إني بحبها. إنت هتستعبط؟ وبعدين كلها كام يوم وتبقا مراتي وأخلص منك إنت وأخوك الغلس التاني. بس إنت كل اللي فرق معاك في الجملة "أختك". بالنسبة لـ "صايع" دي، ملفتتش نظرك؟ ضحك بخفة:
لا، ما علشان دي حقيقة. ما تزعلنيش، مع إنها مش صياعة. أنا بحب الورد وأجرب كل وردة ونوعها إيه، مش أبقى محكوم عليا بنوع واحد من الورد. إيه الغلط في كده؟ فارس بتريقة: لا أبداً، مفيش غلط. بس إنت اخترت أهو إنك تبقى مع نوع واحد من الورد. إيه اللي غير رأيك كده؟ مهاب: لا، مهو مش جواز بجد. ده حوار كده. بعدين أبقى أحكيهولك. فارس: مش مهم. المهم عشت وشفتك اتخطبت، يا محير قلوب النساء.
"ستوب. نتعرف على مهاب. مهاب رجل أعمال ناجح وعنده 35 سنة، وجسمه رياضي، طويل، وشعر أسود بلون الفحم. بيحب إن شعره يكون طويل يصل لآخر رقبته. وعيونه سوداء زي الليل في هدوئها، تجذب أي حد إنه يعشق البصة فيهم. ودقن بتزيد من وسامته وملامحه الرجولية الجذابة. فسهل عليه إنه يخلي أي ست مهما كانت قوتها إنها تتشد ليه. فارس وهو بيضحك: ده أنا عايزة أقوم بأعلى صوتي وأقول يا ناس، مهاب الصواف اتخطبت!
ولسه مخلصش كلمته، الباب اتفتح ودخل سيف، أخو مهاب الصغير. مش كتير يعني، في آخر العشرينات. سيف بستغراب: إيه؟ مين اتخطبت؟ مين؟ إنت كنت بتقول مين؟ فارس: أخوك اتخطبت. شفت المفاجأة؟ سيف: مش لسه مش مصدق. مين يا عم؟ متقول مين اللي اتخطبت؟ فيه إيه؟ فارس ومهاب ضحكو مع بعض. فارس: يعني الواد هيتجنن أكتر ما هو مجنون. سيف: يعني اللي أنا سمعته ده بجد؟ مهاب اتخطبت؟ مين وإمتى وإزاي؟
مهاب، والنبي أوعى تكون اتخطبت البت اللي اسمها بسنت دي؟ هي حلوة آه، بس رخمة أوي. مهاب بنرفزة: يعم بسنت مين وبتاع مين؟ أنا لسه هتجوز! سيف: إيه ده؟ مش هي؟ أمال مين دي؟ هي لو عرفت مش هتسيبك في حالك. دي بتموت فيك ولزقالك. وبعدين سيبك من كل ده، إمتى عملت كده أصلاً وإزاي من غير ما تقولنا؟ دي أمك لو عرفت هتشلوحك. دي نفسها تجوزك وتختارلك هي عروستك وإنت اللي مكنتش راضي. مهاب سرح في فرح وابتسم:
لا، هي أمي لما هتشوف مراتي هتحبها، أنا متأكد من كده. وبعدين إيه "هتشلوحك" دي؟ ماتتكلم عدل. جتك داهية في كلامك. وبعدين يا سيدي، أنا لسه متجوز امبارح. وأمي أنا هقولها ونتفاهم أنا وهي. إطلع إنت منها بس، ومتشعللهاش، ماشي يا حقنة؟ سيف ضحك: ماشي يا خويا، مليش دعوة أنا. أنا هقعد في حالي. فارس ومهاب في نفس الوقت: يا ريت تريحنا كلنا. والله لو قعدت في حالك. كلهم بصو لبعض وضحكو على اللي حصل. سيف وهو مبتسم ببرود:
بص طيب كده، من الآخر. أنا مش هقدر أخليني في حالي وهاخدك دلوقتي ونطلع ع أمك نقولها إنك اتخطبت. مهاب ضحك: يساااتر يارب. ما يقدرش يقعد دقيقة في حاله. ماشي يا عم. الحقنة، هروح معاك بس بمزاجي. سيف بضحك: يعم اجري، وإنت خايف أصلاً. مهاب هيهجم عليه ويضربه. سيف جري بسرعة: أنا هاخاف منك إنت ياض؟ سيف راح عند الباب: مالك يا أخويا يا حبيبي؟ بهزر معاك. متبقاش أفوش كده. مهاب بيجري عليه: وديني ما أنا سايبك. سيف خرج بسرعة وقفل الباب.
مهاب بنرفزة: عيل رخم أوي، بس عسل. بحبه. فارس بيتكلم بقرف: زي أخوه بالظبط. مهاب رفع حاجبه وبيقرب عليه ببطء: نعم؟ إيه؟ زي أخوه دي؟ فارس بيبعد: قصدي يعني زي أخوه كده، عسل. أنا بحبه. مهاب قرب عليه بسرعة: وحياة أمك! فارس فلت إيده بسرعة وخرج من الأوضة. مهاب ضحك بصوت عالي: عيال هبلة وخلاص. سيف فتح الباب وخرج دماغه وهو بيقول: وربنا لو مقلتليش لأمك إنتا النهارده، هقولها أنا. وقفل بسرعة قبل ما يرد عليه. مهاب ضحك:
ماشي، هقولها قبلك يا حقنة. وفعلاً بليل راح عند والدته وحكلها كل حاجة بالتفصيل، وهي تقبلت الوضع بكل هدوء وفهمته. وبعده هو روح على بيته. دخل أوضته ملقاش فرح، بس سمع صوت جاي من البلكونة بتاعت الأوضة اللي جنبها. خرج لقي فرح ماسكة الفون وبتتكلم. البلكونات كانت قريبة جداً. كانوا قاعدين معاها. خبط على كتفها براحة وعلي صوته علشان يخضها: بتكلمي مين؟ اتخضت ونطت من مكانها وهي بتشهق بفزع: منك لله ياشيخ! نشفت دمي. مهاب بضحك:
لا، مهو منشفش لسه. الدم بيجري في خدودك دي. بصتله بغيظ: يا تقل دمك! إيه ده؟ فيه رخامة كده في الدنيا؟ مهاب ببرود: فيه أكتر كمان. يع، روحي إنتِ مثلاً. فرح: طلعت روحك ياحبيبي. مهاب: أنا قولتلك إيه؟ مش لملي لسانك ده؟ وبعدين تقولي بتجبرني ومش عارف إيه؟ مهو من لسانك بس. علشان لما أقول هرجع كيتي، منعيطش. فرح ابتسمت وهي بتبربش عينيها ببراءة واتكلمت بهدوء: بهزر يا مهاب، بهزر. الله. وبعدين إنت قولت مش هتعمل كده تاني، صح؟
ابتسم بخفة: صح. وأنا قد كلامي. وكمل بحده وتحذير: بس برضوا ده مش معناه إنك تطولي لسانك عليا. أنا لغاية دلوقتي مش عايز أوريكي وش مش هتحبيه خالص. بلعت ريقها بخوف وهزت راسها بصمت. مهاب: قوليلي صحيح، كنتي بتكلمي مين؟ فرح: كنت بكلم فاطمة صاحبتي. وهي عايزة تيجي تزورني بكرة. ينفع تيجي بعد إذنك يعني؟ مهاب: مفيش داعي تستأذني. ده بيتك. أكيد ينفع. بس أنا كمان عايز أقولك إن أمي وأختي وأخويا جايين يتعرفوا عليكي وكده بكرة برضو.
فجأة ملامحها اتغيرت وسكتت. مهاب لاحظ تغيرها: فيه إيه؟ مالك سكتي ليه؟ مش عايزهم يجوا ولا إيه؟ ردت بسرعة علشان ميفهمش غلط: لا والله أبداً مش كده. بس يعني محرجة منهم. هقولهم إيه؟ والطريقة يعني اللي... قطع كلامها ورد: أنا فاهم إنتي عايزة تقولي إيه. بس متقلقيش، أنا فهمت أمي على كل حاجة. وهي مستحيل تضايقك بأي كلمة. وأخواتي طيبين أوي وهيعتبروكي زي أختهم بالظبط. ابتسمت بفرحة: بجد؟
ياريت يعتبروني زي أختهم. أنا طول عمري نفسي يبقى عندي أخوات. مهاب ابتسم بضيق مصطنع: طيب، أنا من الأسرة دي. ما تعامليني حتى زي أخوكي يا شيخة. حرام عليكي. ضحكت بقوة: لا، إنت بالذات مش عايزاه أخويا خالص. مهاب كشر حواجبه: ليه؟ إنشاء الله؟ ده أنا ألف وحدة تتمنى أي حاجة ليها. كملت بسخرية: كمان مش أخوها. مهاب: أهو. علشان كده مخصوص بقا. أنا مش برتاحلك خالص. ضحكت: تصبح على خير يا أخويا. مهاب: طيب استني بس. مستعجلة كده ليه؟
فرح: كفاية كده علشان أبقى فايقة بكرة للناس اللي جاية. مهاب: طيب استني لحظة. ودخل الأوضة دقيقة وخرج معاه وردة. مد إيده بيها ناحيتها: اتفضلي. فرح بستغراب: إيه ده؟ اترسمت على وشه ابتسامة تسحر وتخطف القلب وقالها: وردة. جوري زي لون خدودك. أكتر حاجة حسيتها مناسبة ليكي وشبهك. فبصتله من فوق لتحت بسخرية: إيه جو التلزيق ده؟ مش بحب الأفورة دي. أنا بحب الكلام خشن كده. مهاب بصلها بقرف:
تصدقي إنتي خسارة فيكي أي حاجة حلوة أصلاً. أنا غلطان والله إني قولت أعاملك كويس. جتك البله، عيلة فصيلة. فرح ضحكت بأعلى صوتها. سرح في شكلها وهي بتضحك وإد إيه هي جميلة في كل حاجة، برغم كل الوجع اللي عاشته، بس لسه صافية وروحها بريئة. فرح: خلاص خلاص، هات الورقة علشان بحبها. بس متأفورنش كده تاني. مش بياكل معايا الكلام ده. مهاب: لا، خسارة فيكي. امشي يالا، مش طايق شكلك أنا دلوقتي.
خطفتها من إيده بسرعة ودخلت الأوضة على طول من غير أي كلمة منه. ضحك بخفة وهو متعصب منها: عيلة فصيلة، بس قمر. جتك القرف في حلاوتك ياشيخة. وهي واقفة بتبص للوردة وبتضحك بسعادة، ولأول مرة حست إن الدنيا بدأت تضحكلها. بس فجأة الابتسامة اختفت من على وشها وهي بتفتكر كل مرة الدنيا استكترت عليها الفرح، وحست بالخوف من مهاب ومن زيارة عيلته بتاعة بكرة، وإنها لسه مش عارفة ممكن يعملوا إيه معاها. يترا إيه هيبقى اللي جاي؟
ووالدة مهاب فعلاً هتعدي جوازهم الغريب كده؟ وبسنت دي لو عرفت إنه اتجوز هتسيبه في حاله ولا هتعمل إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!