قررت كوثر أن تفعل المستحيل لكي تنقذ أمها نورية، وبدأت بالبحث عن طبيب متمرس مختص في جراحة الكلى. بالرغم أن ماميتا نصحتها أن تأخذ نورية معها وتعودان إلى أوروبا، فهناك الطب متقدم ولها من المعارف ما يسهل عليها شفاؤها، ولكن نورية رفضت رفضًا لا نقاش فيه، فهي تريد أن تموت في وطنها وتدفن تحت ترابه.
حزنت كثيرًا كوثر من الفرصة التي ستضيعها نورية من يدها، قد تكون سببًا في شفائها، ولكنها لم تستسلم. وبمساعدة والدها، قاما بإيجاد طبيب مختص، والذي هو في الحقيقة شخص يقربها من طرف عائلة والدها. التقَت كوثر بالطبيب المختص في علاج مرض الكلى، وكم دهشت حينها عندما وجدته شابًا في مقتبل العمر، عكس ما ظننته أنها ستجد رجلاً مسنًا. ولكنها علمت بعد ذلك من والدها آدم أن الشاب هو متخصص في نفس الأمراض المتخصص فيها والده.
يقوم بفحص المرضى، والذي يجده أن مرضه متفاقم وعليه أن يجري عملية فورية، يقدم المريض لوالده ليتمم بدوره العلاج عن طريق تتبع خطوات متتابعة حتى يأخذ قراره الأخير، إما المريض يقوم بالعملية أو أنه فات الأوان على ذلك ولم يبق سوى أن يكمل علاجه بتناوله للدواء وقدر عمره عند الذي خلقه.
لم تتحدث كوثر مع الطبيب كثيرًا، سوى أنهما تعرفا على بعضهما البعض بصفة خاصة بسبب وجود قرابة من بعيد من طرف عائلة والدها. وأخبرها أيضًا أنه على دراية بقصتها، الذي علمهم إياها والده منذ فترة طويلة. وسعد أنها عادت إلى أحضان وطنها وعائلتها وهي بخير وبكامل صحة وسلامة. ثم بعد ذلك أخبرها أنه سيقوم بمتابعة فحص والدتها شخصيًا، ووصف لها تحاليل وأشعة. ليثبت أين وصل حدود مرض نورية، وطمأنها أن الطب تقدم ويوجد دواء لكل مرض.
أحست كوثر بالراحة قليلًا عند تحدثها مع جوني ومنحها أملًا في علاج نورية. وفي طريق عودتها مع والدها، لم تنس كوثر أمر ماميتا، والتي من أجله جاءت إلى ديار العرب حتى تشهر وتعلن إسلامها.
فعرجت عند أقرب مسجد وطلبت من والدها أن يعود للمنزل ثم لن تطيل وتوافِيه على الفور. فدخلت هي بمفردها داخل المسجد تبحث عن إمامه، فوجدته بمساعدة بعض الناس هناك يقوم بخطبة مصغرة يجمع فيها بعض من الشباب والرجال يوعظهم ويشرح لهم أمور دينهم ودنياهم.
حينها انتظرت كوثر بعيدًا عن المجلس وهي تسمع إلى كلامه المؤثر حتى فرغ من الخطبة وقابلته لتروي له قصة ماميتا التي تريد أن تنطق الشهادتين وتكون بعد ذلك امرأة مسلمة حرة بعيدة عن ديانتها ومعتقداتها التي أصبحت لا تؤمن بها مع الوقت. بارك الشيخ كوثر التي بسببها أدخلت امرأة في ديننا الحنيف، وقدم لها موعدًا بعد يومين بأن تحضر هي وماميتا ليعرفها كيف تنطق الشهادتين بنطق سليم وبكل نية وصدق.
عادت كوثر إلى منزل نورية فوجدت الجميع مجتمعين على قهوة المساء. ففرحت حينها كوثر ماميتا بالخبر، فهنأها الجميع بدخولها الإسلام. فبالرغم من أن والدي كوثر على ديانة غير ديانتها، إلا أن الأمر لم يكن يزعج أحدا. فكل فرد يهتم يحترم بعضه البعض ولا يتدخل في شؤون معتقداته ودينه. ويدركون جيدًا أين تقف حدودهم في تدخلهم للطرف الثاني.
في تلك الأثناء، دق أحدهم على الباب وعندما استقبله آدم، عرفه بنفسه أنه صاحب البيت، وعلى صاحبته أن تفرغ المكان فورًا. لم يستغرب آدم من طلب الرجل ولا حتى نورية في تلك اللحظة، بل من استغرب من الموضوع حقيقة هي كوثر، كيف يحق للرجل أن يخرج نورية من بيتها؟ فروت بعد ذلك لها نورية الحكاية منذ البداية، من يوم تركتهم ومالذي حدث من ورائها.
فبعد وفاة زوج نورية في اليوم نفسه الذي اختطفت فيه كوثر، والذي قُتل على يد القراصنة، بعد مرور شهر تقريبًا من وفاته، ظهرت أسرته فجأة وبدون مقدمات تطالب بكل ما تركه زوجها، بما أنها لم يكن له أولاد يحملوا كنيته. ومن بين تلك الأشياء التي يريدون أخذها هو المنزل والقارب. وأردفت نورية توضح كل ما مر بها من ظلم في تلك الآونة.
أخبرت كوثر أنها بعدما طردوها أصبحت تتنقل من منزل لآخر تستأجره ببعض النقود التي تركها لها زوجها والتي خبأتها من أهله الطماعين، مع بعض النقود التي كانت تجلبها من وراء عملها البسيط ببيع بعض الأسماك التي تشتريها مباشرة من قوارب الصيد ثم تعيد بيعها وهي طازجة.
إلى أن خانها جسدها ومرضت ولازمت الفراش ما بين فترة وأخرى. فشفق على حالها في تلك المدة المريرة التي تمر بها أحد أصدقاء زوجها عندما علم بحالتها، فمنحها بيته الذي كان فارغًا وطلب أن تمكث فيه معززة مكرمة ولا تفكر في تعب الإيجار والتنقل من مكان إلى مكان.
ومنذ سنين وهي بهذا المنزل لا أحد داس على طرفها أو أزعجها. ومنذ فقط قرابة حوالي أسبوع علمت بوفاة ذلك الشخص النبيل الذي حزنت عليه كثيرًا، فهو الوحيد الذي ساندها في عز محنتها. كما أدركت يقينًا أنه سيأتي يوم ويدق أحدهم على الباب مطالبًا باسترداد حقه. واليوم جاء الوقت المعهود وها هم الآن قدموا بمطالبة حقهم في ميراث زوجها. والحق يرجع إلى أصحابه حتى وإن طال الزمن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!