تأسفت كوثر لما آلت إليه والدتها بالتبني بعد وفاة الذي رباها، وشعرت للحظة أنها سبب في كل ما حدث لهما، من مقتل والدها وشقاء نورية.
في تلك الأثناء، اقترح عليها آدم أن ينتقلوا جميعًا إلى منزله، وسيوفر ذلك عليهم عناء الطريق من أخذ وإعادة ابنهما بينه وبين منزل نورية أثناء فترة عملهما. فبالرغم من أن المنزل صغير مساحته بعض الشيء، إلى أنه يكفي بالغرض. وغرض آدم من اقتراحه هو جعل كوثر تعيش وتندمج في وسط أسرتها الحقيقية، فكفاها غربة وحان الوقت أن تستقر مع من هم من دمها.
وبعد المشاورة والأخذ والرد وطرح بعض الاقتراحات كإيجار مثلاً منزل قريب من منزل آدم، الذي رفض الفكرة بتاتًا. وبالتالي كان القرار الأخير الرحيل جميعهم إلى منزل والد كوثر.
وبالفعل في اليوم الموالي، جمعت جميع الأغراض التي بالمنزل وانتقلت نورية وماميتا وكوثر إلى منزل عائلتها الحقيقية، التي هي أول مرة تدخل عتبته. حين ذاك انشرح قلبها للمكان عكس ما كانت تتوقعه، فأخذت غرفة أخيها المربعة الشكل لتشاركها مع ماميتا، بينما انتقل أخيها إلى غرفة أقل مساحة من غرفته السابقة.
وكم ترجته كوثر أن يبقى معهما بالغرفة، لكنه رفض بنية أنه أحيانًا يستضيف أصدقاءه المقربين للمبيت عنده، كما أنه يحب اللعب ولا أحد يستطيع تحمل إزعاج طفل يلعب مع أصدقائه أو حتى بمفرده. فضحك الجميع على كلامه، فبالرغم من صغره إلا أنه يعرف كيف يوصل الفكرة التي تخص ناحيته فيقنعك بكلامه في الأخير.
مر يومان من لقاء كوثر بالطبيب. فبعد قيامها بالتحاليل والأشياء المستلزمة منها، أخذت النتائج برفقة نورية وأعطتها للطبيب لكي يطلع على التحاليل والأشعة السينية. وبعد قراءته للنتائج وفحصه لنورية، تغيرت ملامحه فجأة، وكان تغيره واضحًا كوضوح الشمس أمامهما.
فأخبرته نورية أن يباشرها بالحقيقة مهما كان الوضع سيئًا، فهي لا تخاف من الموت وتستطيع أن تصمد وتتقبل الواقع. تردد الطبيب كثيرًا من قول حقيقة مرض نورية، ولكنه في الأخير قال إنهما لابد أن يعلمهما بالتقرير الطبي عن حالتها. حينها أخبرها أن إحدى كليتيها ميؤوس منها، والأخرى تعمل بشكل بطيء وقد تتوقف في أي لحظة.
هنا وقفت كوثر من على الكرسي وقالت للطبيب إنها مستعدة أن تمنحها إحدى كليتيها. عندما سمع الطبيب كلام كوثر، عقب على كلامها أن الأمر ليس بهذه السهولة، فالعملية خطرة، وخاصة أنها حتى الآن لم يطبق الطب على أرض الواقع تجربة التبرع للمريض، فكله ما زال مبنيًا على ورق والتطبيق لا يزال في طور الإنشاء. فذكرت كوثر الطبيب بالعملية الأخيرة التي تم تبادل الكلى فيها، والإعلام الذي تابعها بأهمية كبيرة، حيث كانت ثورة القرن.
طأطأ الطبيب رأسه وأخبرها أن الإعلام يخفي دائمًا الحقيقة. فالعملية التي تتحدثين عنها وأشغلت الرأي العام فشلت فشلاً ذريعًا، وقررت الصحة العالمية أن تخفي الحقيقة نهائيًا، لأنه في حينها لم يته فقط المريض، بل أخذ معه قريبه الذي أراد التبرع له لإنقاذ حياته وهو بكامل صحته. ولكن بعد هذه الضجة، خرج طبيب وصرح عن هذا الموضوع بأنه حدث خطأ بسيط لم يكن في الحسبان وأدركه الأطباء، ولكن بعد فوات الأوان، وذلك بانقطاع الأكسجين فجأة على المريضين، ولم يكتشف الأطباء الخطأ في ذاك الحين.
ولكن كوثر لم تسكت، بل أردفت كلامها تقول إن أكبر الأطباء صرحوا أنهم مستعدون أحسن استعداد للقيام مجددًا بزرع الكلى للمرضى، ونتائجها هذه المرة ناجحة مائة بالمائة. عاتبها الطبيب لماذا تريد المجازفة بحياتها، فالأمر كله ما زال مبنيًا على مجرد فرضيات والقيام بتجارب على الإنسان، ولن تكون لهم سوى مجرد حقل تجارب لهم.
هنا تدخلت نورية وطلبت من كوثر أن تهدأ، فالأمر لا يستدعي إلى كل هذه الجلبة، فما كتبه الله لها سيكون، وهي كلها راضية. كما أنها انفعلت وأخبرتها من أين أخذت هذه الفكرة، وكيف لها أن تتوقع بأنها ستدعها تخاطر بحياتها، فهي ترفض الفكرة وعليها أن تخرجها من رأسها نهائيًا.
لم تأخذ كوثر بكلام الطبيب ولا حتى نورية، بل طلبت من الطبيب على جنب أن يأخذ لها موعدًا مع والده، وما كان عليه إلا أن يوافق تحت إصرارها وعنادها. وكان الموعد في اليوم التالي صباحًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!