الفصل 4 | من 10 فصل

رواية كوثر الفصل الرابع 4 - بقلم Lehcen Tetouani

المشاهدات
29
كلمة
1,150
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

سألت كوثر والدتها: من تكون أمي الحقيقية؟ وكيف أتى هذا الطفل لهذا البيت؟ فأخبرتها القصة كاملة التي أخفيت عنها منذ ولادتها لهذه اللحظة. قالت لها: أمك يا كوثر في الحقيقة، قبل أن تتركك في قارب والدك، فعلت ذلك عمداً. قبل ولادتك، بحثت كثيراً عن المكان المناسب والأسرة التي تستطيع أن تستأمن على فلذة كبدها. حيث علمت عنا أننا لا ننجب أطفالاً، ووالدك كان إنساناً معروفاً أمام الجميع بخصائله الحميدة وأخلاقه الطيبة.

وحكاية أمك كبقية القصص، أحبت شاباً بجنون. وعندما علم أن أمك حامل بك، لم يتركها ولم يكن نذلاً، بل واجه عائلتها وعرض الزواج من ابنتهم. ولكن عائلة والدتك رفضوا رفضاً قاطعاً الزواج منه، لأن والدك كان يُنسب إلى عائلة بينها ثأر منذ القدم، واستحالة أن يرتبط أحد أفراد من كلتا العائلتين. وهنا وقعت الصدمة على أمك، فبعد فضح حملها، أصرت عائلتها التخلص نهائياً من هذا المولود الذي لم يرزق بعد، وذلك بإجهاضه.

ولكن والدتك أصرت على الحفاظ بك وعانت من عائلتها الأمرين. وعندما حان موعد ولادتها، ولدتك أمك على الشاطئ وتركتك على القارب خوفاً من عائلتها أن يتخلصوا منك، ولن تراك مجدداً. بعد وضعك في القارب، هربت أمك ووالدك براً إلى بلدة مجاورة، بعد أن تأكدا أننا أخذناك وقبلناك مابيننا. بعد مرور السنين، وبالضبط بعد وقوع سطو القراصنة على أطفال المنطقة، عادت أمك للبحث عنك وهي تحمل هذا الصبي، الذي كان آنذاك عمره سنتين.

وكم تعبت وندمت وبكت وقاست وتألمت لما سمعت أنك اختطفت من القراصنة. ولكن قلبها كان يحدثها دائماً أنك بخير وستعودين إلى منشئك ذات يوم. منذ تلك الفترة وأمك لم تيأس برجوعك، وكانت دائمة المجيء عندي، خاصة بعدما علمت أني أصبحت وحيدة بعد قتل والدك. كانت تساعدني في العيش وتتفقد أحوالي من فترة إلى أخرى، حتى أصبحت لي كصديقة وأعز فل. فلولا هي لما علمت كيف أصبح حالي من بعد رحيلكما أنت ووالدك.

وهذا الصبي هو ونس وحدتي الآن، حيث يتركه والداه ويذهبان للعمل، ومساءً يأخذانه ليعودا إلى منزلهما. فهما استقرا هنا أخيراً بعد أن توفى والد أمك، أي جدك يا كوثر. هذه هي كل القصة، ولم يبق إلا القليل وستجدين والديك الحقيقيين هنا أمامك، وسيندهشان لما سيرونه. فأمك صادق حسها فعلاً، ولقد عدت مابيننا ياعزيزتي من جديد. لم تندهش كوثر كثيراً مما سمعته من والدتها، فهي أصبحت لا تتأثر بشيء.

ربما تجمدت مشاعرها من الأحداث التي عاشتها وراء بعضها البعض وهي مازالت صغيرة. بعد لحظات، طرق الباب، وعلمت كوثر أنه حان الوقت لمواجهة الحقيقة، حقيقة رؤية والديها الأصليين. فأصرت أن تفتح الباب هي، وفي يديها الوشاح الأزرق الذي خبأته لها والدتها بالتبني يوم وجدت كوثر على القارب وهي رضيعة ملتفة به. وما إن فتحت الباب كوثر على مصراعيه، حتى وجدت صورة جميلة لامرأة حسناء متشبطة بيد رجل حسن المظهر، علمت أنهما والداها.

بصراخ أخيها وهو ينادي ماما بابا من ورائها، وهو يجري نحوهما ليحتضنهما. أما والدة كوثر، عندما رأت الوشاح الأزرق، خفق قلبها بشدة وأصبحت ترتجف، وتمسك بذراع زوجها بقوة. واليد الأخرى تقوم بإشارات الصليب على وجهها، ثم سقطت مغشاة عليها. لم تتوقع يوماً كوثر أن والديها الحقيقيين هما ليس مسلمين، وتعجبت للقدر أن يمنحها أجمل وأحن وأرقى ثلاث أمهات من ديانات مختلفة في الدنيا. وهل يا ترى ما الذي مازال يخبئه لها القدر بقية حياتها.

سعدت كثيراً كوثر باللمة العائلية التي أحاطت بها عن دون غيرها بثلاث أمهات ذوات جنسيات وديانات مختلفة. كل واحدة منهن لها معزة خاصة في قلبها، والغريب أنهن يجتمعن على مائدة واحدة يأكلن من نفس الطعام، وهن مسرورات بأن كوثر هي من جمعتهن على طاولة واحدة فوق أرض واحدة ومنزل واحد. مع الأيام، تعرفت كوثر على التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة التي طرأت على البلدة منذ أن رحلت عنها.

فكم وجدت اختلافاً واضحاً بها، وهي تتذكر القليل من ملامح الأماكن والعادات وطباع الناس التي كانت تتصف بها سابقاً. ومن بينها ذلك الشاطئ الذي خلف وراءه مشهداً مروعاً باختطافها آنذاك، بأنه اختلف كثيراً وأصبح على شطه سفن وبواخر عملاقة، وأناس تصطف بكثرة من كل عرق ولون. كما تعرفت على والدها عن قرب، الذي أبهرها عقله، كيف يفكر بحكمة ورزانة، وبالأخص أخاها الصغير الذي سيطر حبه على قلبها في وقت قصير.

فهو ليس بشقي، إنما هو خجول وطيب، بالرغم من صغره، فهو لم يمانع أن يعتني بنورية التي تبنت كوثر قبل أن تسرق، ويفعل ذلك في الوقت الذي كانا يعملان فيه والداه خارج المنزل. ولكن الفرحة لم تكتمل لكوثر، ككل فرحة يأتي بعدها حزن. كأي فرحة زائرة تعد بالمغادرة في وقت قصير على الفور. تفاقمت حالة نورية للأسوأ، وكان عليها أن تستبدل كليتها في أسرع وقت، وإلا لم يبق لها إلا أسابيع فقط.

بعد أن علمت كوثر بالخبر، لم تستطع أن تفارق نورية في مرقدها ولو للحظة، ولم تدع يدها التي كانت تقبلها كلما تناديها باسمها. فهي اشتاقت لليد التي حنت على رأسها وعلى حضنها التي كانت تلجأ إليه في عز خوفها وفرحها عند الطفولة، ذاك الحضن الذي مازالت تحتاج إليه حتى وإن يظهر عمرها الحالي عكس ذلك. وفي تلك الأثناء، قررت كوثر أن تفعل المستحيل لكي تنقذ أمها نورية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...