عادت كوثر ونورية إلى المنزل وهما مهمومتان. الحزن بادٍ على وشوشهن والصمت طغى على مجلسهما. فارادت كوثر أن تخفف قليلاً على نورية، فلم تجد سوى أن تأخذها معها إلى بيت الله لتحضر جلسة النطق بالشهادة لماميتا. فرحبت نورية بالفكرة، وحينئذ انطلقن جميعهن إلى المسجد. حتى والدة كوثر، فهي أرادت أن تشاركهن الحدث، فهي معهن في الضراء قبل السراء، ولن تتركهن في يوم مميز كهذا.
كانت الجلسة مؤثرة كثيراً. ومن لم يبكِ في تلك الأثناء، خاصة عندما كانت ماميتا تلفظ بالشهادتين. رغم أنها وجدت صعوبة شديدة في النطق السليم للكلمات، بما أنها لغتها بعيدة كل البعد عن لغة الأم، لغة الكتاب، لغة الله.
وكانت كوثر هي من كانت تترجم لها كلام الإمام ونصائحه لماميتا. واقترح عليها أن دخولها للإسلام لا يقتصر على النطق بالشهادتين فقط، بل تستطيع التوغل في كسب معرفة المعنى الحقيقي لجمال القرآن أكثر، وذلك بحفظ بعض السور منه لتستطيع قيام الصلاة بها أيضاً، والتي وجب عليها فرائضها منذ اللحظة التي أعلنت فيها إسلامها.
كما اقترح عليها الإمام أن ارادت أن تحفظ بعضاً من السور، والتي ستبدأ منها القصيرة فقط حتى تألف النطق بالحروف الأبجدية. فهناك أخوات يقمن بمساعدة حفظ القرآن للذين يرغبون ذلك في الفترة الصباحية. وافقت ماميتا فوراً بعد أن ترجمت لها كوثر ما الهدف الأخير من كل ذلك. ولم تدع نورية الفرصة، فهي تريد شيئاً يريح ويهدأ ويطمئن قلبها في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها بالذات، ولا يوجد أجمل من ذكر وتلاوة القرآن.
فطلبت من كوثر أنها هي من ستكون مرشدة ماميتا للطريق مابين المنزل والمسجد، واتفقا على ذلك، رغم اعتراض كوثر في البداية بسبب سوء صحة نورية، فهي تخاف عليها وهي خارج المنزل. في اليوم التالي، ذهبت كوثر بمفردها دون دراية نورية إلى الموعد الذي حدده لها الطبيب مع والده. ومن كان ينتظرها في الرواق هو الطبيب نفسه.
لم تستطع كوثر أن تستوعب أنها ستفقد نورية في أي وقت دون أن تفعل لها شيئاً لينقذها. خاصة بعدما أوضح لها والد الطبيب المختص في أمراض الكلى، بأن تضحيتها لن تزيد من عمر والدتها بالتبني إلا عدة أيام فقط. وأردف يوضح لها بالتفصيل أنها حتى ولو نجحت تبادل الكلية، ستخسرها في عدة أيام لا أقل ولا أكثر، لأن جسدها أصبح لا يتحمل المقاومة وبعض الخلايا الداخلية تلفت وأصبحت لا تعمل.
وأتم يقول لها: "حتى هي، يقصد كوثر نفسها، لن تسلم. قد تحدث للعملية مضاعفات والجرح قد يتعفن وتنتكس نجاح العملية برمتها في أسبوعها الأول. لذلك عليها أن تتخلى عن الفكرة وترضى بالقدر".
خرجت كوثر من عند الطبيب وهي محبطة، تبتلع دموعها الغزيرة التي تنهمر على وجنتيها. ومن رافقها إلى الخارج الطبيب الذي كان معها منذ بداية اللقاء، وذلك طلباً من والدها آدم الذي كان يتتبع خطوات ابنته من بعيد، إذ أنه خاف عليها في كلتا الحالتين، إن قامت بعملية التبديل أو برفضها. فكلاهما سيحزن ابنته كثيراً، فهو أصبح يعلم ما الذي تعنيه لها نورية.
طلب الطبيب من كوثر أن لا تذهب للمنزل مباشرة وهي على هذه الحالة المزرية. فطلب منها أن يأخذها إلى مكان تستطيع أن تستعيد فيها أنفاسها قليلاً، ثم تعود للمنزل إن أرادت بعد ذلك. فوافقت كوثر بعد إلحاح الطبيب بأنها لن تندم على الذهاب معه.
وبالفعل، المكان الذي أخذها الطبيب إليه كان جد ساحر. بحيرة زرقاء تسبح عليها طيور البجع الجميلة، وكل ما حولها كان عبارة حشيش كثيف ونباتات طويلة الشكل. مابين أغصانها الرفيعة أزهار متنوعة الألوان، مما أضاف للمكان جمالاً ورونقاً. شرح قلب كوثر للمنظر، التي بهرت بجماله وروعة. وسألته مصاحبة ببسمة نورت وجهها الحزين قليلاً: "كيف له أنه اكتشف هذا المكان بالرغم من المسافة البعيدة مابينه وبين عمله أو منزله؟
فروى لها الطبيب قصة اكتشافه للبحيرة. أخبرها أن ذاك اليوم لا يود أن يذكره.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!