فتحت عينيها على وسعهما من شدة الانبهار. كانت هناك لافتة كبيرة عليها عبارة تهنئة بمناسبة ذكرى يوم ميلادها الرابع والعشرين. أمامها طاولة كبيرة مُعدة بأشهى الحلويات وقالب حلوى كبير عليه شمعتين بأرقام عمرها. وطاولة أخرى مُعدة للعشاء. نظرت وئام لعائلتها بدهشة وتأثر: تصـدقوا أنا كنت نسيت أنه النهاردة يوم ميلادي أصلاً، بجد كل ده علشاني؟ قال بعـا بإبتسامة: أكيد طبعاً، هو إحنا عندنا غيرك نفرح بيه؟ نظر لمؤمن الواقف فى الخلف:
كل ده من ترتيب مؤمن، وهو اللى أقترح نعملك مفاجأة برة أحسن من الإحتفال فى البيت. أقترب مؤمن وهو يقول بمرح: هو الإحتفال بعيد الميلاد أنا قرأت أنه يعتبر بدعة أو حرام، لكن إحنا هنا بنحتفل بيكِ أنتِ بالهبلة بتاعتنا اللى كبرت وبقت آنسة. وئام بغيظ: يووه أنت مش هتبطل رخامتك دي عليا؟ رفع حاجبه: هو أنا قولت حاجة؟ قالت وئام: أيوا، ولو مبطلتش همشي من هنا. أبتسم بسخرية:
تمام براحتك، لكن التورتة اللى بشيكولاتة الكيت كات والميلكا هنأكلها إحنا. قالت بلهفة: إيه ده، هى التورتة بالشكولاتة اللى أنا بحبها؟ رفع حاجبه: إيه ده، هو أنتِ مش كنتِ ناوية تمشي؟ كشرت فى وجهه، ف ضحك عمها وهو يضع يده على كتف وئام: بطل بقا يا مؤمن علشان وئام بدأت تزعل بجد، هزارك تقيل عليها. أبتسم بهدوء ثم ساروا إلى حيث الطاولة وجلسوا لتناول العشاء. نظرت وئام حولها بتعجب:
طب اشمعنا إحنا قاعدين فى ترابيزة برة المطعم مش جوا؟ أجاب مؤمن بهدوء وهو يتناول طعامه: علشان أنا شايف كدة أحسن وهنبقي على راحتنا أكتر مش وسط الناس. حدقت بإعجاب فى المنظر حولها: اختيار موفق يا مؤمن، بجد الجو أصلاً هنا تحفة ومنظر البحر جميل جداً. تناولوا العشاء ثم احتفلوا بها. كانت وئام سعيدة للغاية وقد شعرت باسترخاء لم تشعر به منذ وقت طويل. تركتهم بعد مدة وهم مشغولون بالأحاديث، وهبطت عبر سلم قصير إلى الشاطئ.
ثم وقفت أمام البحر وهي تتنفس بعمق وتنظر له بتأمل. شعرت أنها لم تعد وحيدة. فنظرت بجانبها لتجد مؤمن يقف هو أيضاً يحدق في البحر أمامه. عادت تحدق أمامها وهي تقول بإسترخاء: منظر حلو أوي مش كده؟ وتحسه كمان مهدئ للأعصاب. قال بهدوء: ده على حسب الشخص اللي واقف قدامه بيشوفه إزاي. قالت بتعجب: بمعنى؟ قال برزانة:
يعني لو زي دلوقتي، ف علشان أنتِ مبسوطة حاسة أنه مشهد حلو ومهدئ للأعصاب، لكن لو كنتِ زعلانة هتحسي أنه سوداوي وغامض وساعات غدار كمان. وئام بتفكير: طب وده يغير إيه فى حقيقة البحر نفسه؟ هز كتفيه بلامبالاة: ميغيرش حاجة، البحر حقيقته عمرها ما بتتغير. لكن نظرة الإنسان هي اللي بتتغير ليه. ثم حدق بها: زي ما أي إنسان نظـرته بتتغير لكل حاجة فى الحياة، يمكن حاجة مفكراها جميلة تطلع مؤذية والعكس صحيح. شعرت إلى
أين يريد أن يصل بحديثه: طب إزاي تقدر تعرف الحاجة دي مؤذية ولا لا رغم أنه اللي كل ظاهر لك منها كل جميل؟ حدق أمامه مجدداً: مش لازم تبان مؤذية على فكرة، ممكن تكوني مؤذية ليكِ ولكن لغيرك لأ. وئام بحيرة: إزاي ده، مش فاهمة! أبتسم نصف إبتسامة: زي الفراولة. قالت بحنق: أنت بتتريق عليا! نفى بسرعة: لا والله، أنا بديكِ مثال فعلاً بس على نفسي. فاكرة أنا كنت بحب الفراولة أد إيه؟ هزت رأسها ف أكمل:
بس اكتشفت أنه جالي حساسية منها بعدين، كنت زعلان أوي إزاي اتحرم من حاجة بحبها. إزاي الفراولة الفاكهة الحلوة دي تكون مؤذية بالنسبة ليا، وكنت آكل ومش مهتم بأيه ممكن يحصل لي، وكل مرة أتعب أكتر من الأول. ومنعوني عنها وحتى بطلوا يجيبوها البيت، لحد ما في مرة جبت من وراهم وكلت، كنت هموت. وقالوا لبابا وماما كده لو أكلت فراولة تاني هموت. فماكنش قدامي حل تاني غير أني أبطل وأنا كلي سخط وغضب.
لحد ما استوعبت أنه مش لازم علشان أكون بحب الفراولة هي تبقى مفيدة ليا. وشوفي رغم أنه الفراولة في الأول كانت الفاكهة المفضلة ليا، لكن بعد كده بقت مؤذية بس بالنسبة لحد تاني عادي جداً. زي بالظبط لما تحبي بلوزة معينة عندك، بس يجي على البلوزة وقت تكون ضيقة جداً ومينفعش تتلبس تاني، بس أنتِ مصرة تلبسيها رغم أنها مبقتش تنفعك. لازم في لحظة ندرك أنه فيه فرق بين نحب الحاجة والفرق أنه خلاص مبقتش تنفعنا رغم حبنا ليها.
وده مش معناه أنه لازم نبطل نحبها، عادي أنا لسه لحد دلوقتي بحب الفراولة، لكني مدرك أنه هي هتأذيني لو رجعت لها تاني. أبتسمت له: فهمت يا مؤمن. أردفت بسخرية: شكراً أنك شبهتني بالفراولة. قال بتهكم: أنتِ تطولي أصلاً! تغيرت معالم وجهها للحزن وتنهدت: بس أنا تعبانة يا مؤمن لحد دلوقتي بسأل نفسي ليه. قال مؤمن: طب مسألتيهوش هو ليه؟ عقدت حاجبيها: إزاي أسأله بعد كل اللي حصل؟
أنا كل أما افتكر اللي مامته عملته في ماما أزعل جداً وبعد... توقفت عن الكلام ف قال بإستفهام: بعد إيه؟ أخبرته بما حدث حين أتى حمزة للشركة ف قال بتفكير: بس أنتِ غلطانة يا وئام؟ وئام بإستنكار: أنا غلطانة؟ ليه بقا إن شاء الله؟ تحدث بهدوء: علشان دي كانت لازم تكون مواجهة بينكم، وكنتِ لازم تعرفي هو ليه جالك أصلاً بعد انفصالكم. والحكاية كلها فيها حاجة مش مقنعة أو مش مظبوطة. تأففت بتعب:
أنا كنت تعبانة جداً يا مؤمن ومكنتش عايزة أسمعه، بجد كنت مجروحة أوي. قال بتفهم: فاهمك يا وئام، لكن أنا مقتنع أنه العلاقة لازم الاتنين علشان ينهوها مش طرف واحد. يعني لما أنتِ وحمزة تنهوها لأنها علاقتكم أنتم مش حد تاني. قالت بألم: وأهو نهاها وراح اتجوز يا مؤمن. قال بثقة: يمكن مفيش داعي للزعل دلوقتي، أنتِ أهم حاجة تفكري فيها يا وئام. ابتسمت بمرح مفاجئ: مش لو كنت أنت ممشيتش كان زمانا مخطوبين أحسن من كل ده.
رفع حاجبيه بإستنكار: إيه! أنا المهندس مؤمن اتجوز وئام الهبلة! ده هيبقي ابتلاء من عند ربنا. فتحت فمها بدهشة وتبعته بنظراته وهو يبتعد عنها. ثم صرت على أسنانها بغيظ وهي تتبعه: كده يا مؤمن، آمال لو مكنتش عارفة كل طفولتك المشردة! ضحك ثم عادوا إلى العائلة. قالت والدتها: كنتوا فين يا بنتي، مستنينكم علشان نديكِ الهدايا. جلست وئام وهي تنظر لمؤمن ببرود: معلش يا ماما، كنت واقفة قدام البحر وفيه كائن زعجني. أعطاها عمها إسورة
من الذهب ألبسها إياها: كل عام وأنتِ بألف خير يا بنتي. لمعت عيناها بحب: شكراً جداً يا عمو. أعطتها والدتها وشاحاً جميلاً وأخاها رسمة رسم الجميع فيها. فقبلته على خده. نظرت لمؤمن بطرف عينيها ف تظاهر بالملل: مش يلا نمشي، الوقت أتأخر. قالت وئام بعدم تصديق: أنت بجد مجبتليش هدية؟ ضحك بصوت عالٍ ف احمرت بإحراج: على فكرة أنا مش قصدي حاجة، بس استغربت بعد الحفلة دي. أخرج علبة أنيقة من جيبه ثم أعطاها لها بإبتسامة جذابة:
عقبال مليون سنة يا وئام إن شاء الله. أخذتها منه بفضول ثم فتحتها لتجدها سلسلة رقيقة للغاية تأخذ شكل القلب. فتحت القلب لتجد صورتها في الداخل وهي صغيرة. انبهرت بها بشدة ولم تتمكن من الكلام لشدة تأثرها. أبتسمت له بإمتنان ف رد لها الابتسامة بصمت ثم عادوا بعدها إلى المنزل. كانت والدة حمزة تجلس في منزلها مغتاظة بشدة مما حدث في الصباح. وفكرت في طريقة حتى ترد ما حدث لمريم. طرق الباب ف نهضت لتفتح ووجدت مريم وحمزة أمامها.
ف ابتسمت ابتسامة مصطنعة: أهلاً يا حبايبي. تقدم منها حمزة: أنا قولت نيجي نقعد معاكِ شوية يا ماما. والدته بترحيب زائف: اتفضلوا اقعدوا، والله جيتوا في الوقت المناسب. جلسوا معها قليلاً ف تطلعت لمريم بتفكير، ثم قالت بصوت عالٍ: بقولك يا مريم يا حبيبتي ممكن تقومي تعملي لينا شاي ولا حاجة نشربها بالمرة؟ فيه فاكهة في التلاجة هاتي لينا منها. نهضت مريم بإبتسامة: طبعاً يا خالته. دلفت إلى المطبخ ف قالت والدة حمزة:
أنا هقوم أوريها مكان الحاجة يا حبيبي، هي لسه مش عارفة. دلفت إلى المطبخ لتمسك مريم من ذراعها بقوة. شهقت مريم بفزع: في إيه يا خالتو؟ قالت خالتها بغلظة: أنا دخلتك بيتي واعتبرتك زي بنتي علشان فكرتك هتبقي كويسة، إنما تعصي ابني عليا لا يا حبيبتي ده مش هيحصل أبداً. قالت مريم بحيرة: هو أنا عملت إيه يعني؟ والدة حمزة بسخرية: أيوا اعملي نفسك مش عارفة، واللي حصل الصبح ده تسميه إيه؟ حاولت أن تفلت ذراعها منها:
يا خالته سيبي أيدي، أنا مش عارفة أنتِ بتتكلمي عن إيه. وبعدين إيدي بتوجعني. شعر حمزة بالغرابة ف نهض ليرى ما يحدث وتوقف خارجاً على قول والدته. والدة حمزة بحقد: بت أنتِ، أنا بكره سهوكة البنات دي، وبعدين أنتِ هنا جاية خدامة ليا ولابني، أنتٌ فاهمة؟ شعر بصداع شديد يتملك رأسه في تلك اللحظة وكأن هذا الكلام قيل من قبل. ذكريات متسارعة تعصف برأسه حتى أمسك برأسه بقوة يكاد يعتصره ليخفف الألم.
حتى لم يعد يحتمل ف صرخ ثم وقع على الأرض فاقداً للوعي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!