وقف حمزة جامداً ينظر بذهول إلى وئام تخرج من الشركة برفقة رجل غريب وتقف معه أمام سيارة. احترق قلبه من الغيرة خصوصاً حين رآها تبتسم له، فأسـرع نحوهما. حدقت به وئام بذهول عندما رأته: "حمزة! أقترب منهما وهو ينظر للرجل الواقف بجانب وئام بحدة وقال لوئام: "وئام لو سمحتِ عايز أتكلم معاكِ شوية." قالت له بإقتضاب: "وأنا مش عايزة أتكلم معاك، ياريت تمشي من هنا." جز على أسنانه بعصبية:
"وئام بالله عليكِ اسمعي الكلام، عايز أتكلم معاكِ ضرورى." قالت بنبرة قاتمة: "بقولك مش عايزة اسمعك ولا أتكلم معاك يا حمزة." كان على وشك الكلام حين قال الشخص الذى يقف بجانبها: "أظن كلامها واضح، هى مش عايزة تتكلم معاك." نظر له حمزة بعصبية: "وأنت مالك أنت ومين علشان تتدخل بينا؟ قال الشخص بهدوء: "مش لازم أكون حد ليه صفة علشان أتدخل، وأنا شايفك بتضايقها وهى عايزاك تمشي." رد حمزة بإزدراء:
"وأنا مش بضايقها، دى خطيبتى وأنا عايز أتكلم معاها." قالت وئام بإنفعال: "وأنا بقولك مش عايزة أتكلم معاك يا حمزة، أنا مبقتش خطيبتك خلاص، أمشي." قال الشاب بحزم: "أعتقد كلامها واضح ولازم تمشى." أمسك حمزة بياقة قميصه وهو يصرخ به: "مش قولتلك متتدخلش بينا، أنت مبتفهمش." فزعت وئام وبدأت تبكي من الإحراج، فـقال حمزة بقلق: "وئام أنتِ بتعيطي ليه؟ قالت بحرقة: "أنت جاي دلوقتى علشان تعملي مشاكل وتفضحني هنا يا حمزة!
أنا مش عايزة أشوفك ولا اسمعك، راجع تانى ليه؟ أمشي حرام عليك اللى بتعمله فيا ده! ثم استدارت بعيداً عنه وهي تبكي. فنظر لها بألم وترك الشاب وبقي يحدق بها قليلاً حتى غادر ملئ بخيبة الأمل. قال لها الشاب: "أنتِ بخير؟ لم ترد عليه وهي تبكي بقوة. في تلك اللحظة خرجت فتاة من الشركة تسير بسرعة نحوهما وتتكلم بعفوية: "اتأخرت عليكم، أنا آسفة والله بس.... صمتت عندما رأت وئام تبكي، فقالت بدهشة: "وئام بتعيطي ليه؟ نظرت إلى الشاب:
"محمود مالها وئام؟ قال محمود بهدوء: "فيه شاب جه وحاول يتكلم معاها بس هى مكنتش عايزة وحاول يتخانق معايا وهى بدأت تعيط بعدين مشي." قالت صديقتها بحيرة: "شاب... شاب مين؟ اقتربت من وئام: "مين ده يا وئام؟ وبتعيطي بسببه ليه؟ قالت وئام بصوت منخفض: "حمزة." قالت صديقتها بفهم: "ااه، طب هو جه هنا يعمل إيه؟ وكان هيتخانق مع خطيبي ليه؟ قال محمود (خطيبها) "علشان لما حاولت أقوله هى مش عايزة تكلمك اتعصب." قالت صديقتها بغيظ:
"والله إيه التفاهة دي! يعني جاي يضايقها بعد ما دمر حياتها وعايز يتخانق معاك كمان! أمسكت بـوئام تقول بحزم: "أوعى تعيطي، اللي زيه ميستاهلش البكاء عليه، احفظي دموعك للي يستاهل وعيشي حياتك وانسيه يا وئام." مسحت وئام دموعها وهي تتنهد: "هحاول يا رحمة." قالت رحمة بعطف: "ايوا كدة يا حبيبتي، أنتِ قوية وتقدري تتجاوزي المحنة دي، يلا علشان نوصلك."
ذهبت معهم ليوصلوها إلى البيت. ورغم كل الهدوء الذي تظاهرت به، لم يفارق حمزة تفكيرها طوال الطريق. كان حمزة يسير إلى بيته بتخاذل وحزن يكاد يعصف بعقله. لم يتوقع أن تكون مقابلته لوئام بهذا الشكل الكارثي! لم تستمع له بل وبكت، ومن كان هذا الشاب الذي معها؟ شعر أن الغيرة من مجرد التفكير لها تقف مع رجل آخر تخنقه. كان يسير شارداً حين وقف أمامه رجل جاره يقول ببشاشة: "مبارك يا أستاذ حمزة، ربنا يتمم لك على خير، أنا فرحت لك أوى."
نظر له حمزة بحيرة وعدم استيعاب، فـعن أي شيء يتحدث؟ وقبل أن يسأله كان الرجل قد غادر. فأكمل طريقه إلى البيت يفكر بحيرة، ولكن تكرر نفس الموقف، رجال أو نساء يباركون له من بعيد ويبتسمون له بحرارة وهو لا يفقه أي شيء. عاد إلى بيته ليجد هناك أناس كثر، فنظر لهم بإحراج. هللت النساء حين رأته واقتربت منه خالته تقول بسعادة: "أنت مش عارفة أنا فرحانة أد إيه يا حمزة، مش كنت تقولي يا واد أنك عاوز تتجوز مريم، إيه كنت خايف؟
ده كان يوم المنى عندي اللي كنت مستنية أشوفه من زمان والحمد لله اتحقق، أمك حكت لي على كل حاجة." رمش عدة مرات غير مصدق، ثم نظر لوالدته بصدمة التي أشاحت ببصرها بعيداً. ثم قال لخالته بإرتباك: "هى... هي ماما حكت لك إيه يا خالتو؟ قالت خالته بإستغراب: "أنك عايز تتجوز مريم وكنت بتحبها من زمان كمان، بس كنت خايف لتترفض فـ تحصل مشاكل بين العائلتين، علشان كدة خطبت وئام بس لما معرفتش تتأقلم مع وئام فسخت معاها." أكملت بمزاح:
"إيه يا ولد أنت مكسوف من خالتك ولا إيه؟ كتم غضبه الذي كان على وشك الانفجار بصعوبة وتمالك نفسه وابتسم لها ابتسامة مصطنعة كانت أقرب للتكشيرة. فـماذا هو بفاعل الآن؟! انتظر حتى غادر الجميع، ثم وقف أمام والدته بغضب شديد: "إيه اللي أنتِ عملتيه ده يا أمي؟ بتدبسيني؟ وبتكذبي على خالتي؟ وأنا أقول الكل عمال يوقفني يبارك لي ليه! قالت والدته بلامبالاة:
"ولا بدبسك ولا حاجة، أنا شفت اللي فيه مصلحتك وقولت أعمله طالما أنت مش شايف مصلحتك ولا عايز تعيش حياتك." رمقها بنظرات نارية وصاح بعصبية: "وأنه أعيش حياتي يبقي أنك تحطيني قدام الأمر الواقع وتجبريني على مريم وأنا مش بحبها ولسة منستش وئام! أنتِ ليه بتعملي فيا كدة ليه مفيش أي احترام ليا ولا لرغباتي، أنا قولت مش عايز ومش هتجوز." نظرت له بدهشة مصطنعة وقالت: "بتزعق في أمك يا حمزة؟
بعد كل اللي عملته علشانك وربيتك بعد ما أبوك مات وتعبت وشقيت عليك بتزعق فيا علشان واحدة غريبة، دي آخرتها؟ طب هقول إيه لخالتك اللي هتموت من الفرحة من ساعة ما عرفت؟ هقول إيه للي ناس اللي عزمتهم على كتب كتابك." توسعت عيناه بصدمة: "كتب كتاب؟ جلست وهى تتظاهر بالبكاء: "يا حسرة قلبي عليك يا ابني، بعد كل ده بترد ليا الجميل يا خيبة أملي! نظر لها بتردد وقد خف غضبه قليلاً واقترب منها:
"يا ماما افهميني، أنا نفسي أعرف ليه تعملي كدة من نفسك، ليه وأنتِ عارفة أنه أنا لسة بحب واحدة تانية ولسة منستهاش، ليه؟ ليه تعزمي الناس، ماهي دي كدة غلطتك." لم ترد عليه، فـتنهد بقلة حيلة: "أنا مش عايز أزعلك مني، أنتِ أمي على عيني ورأسي بكل حاجة عملتيها ليا، بس المفروض كنتِ تقدري مشاعري وتديني وقتي في الحزن." بكت أمامه، فـاحتضنها وقال بإستسلام: "متزعليش مني، أنا هحاول علشانك." قالت بفرحة: "بجد يا حمزة؟
رد بحزن وهو يفكر أن وئام لم تعد راغبة في أن تراه حتى: "بجد." احتضنته وهي تمسح دموعها المزيفة وتبتسم بخبث على نجاح خطتها. مرت الأيام بسرعة، فقد كان موعد عقد القران بعد أسبوع. وقابل مريم مرات قليلة وتعامل معها بهدوء شديد، ولكنها لم تلاحظ شيئاً غير عادي في تصرفاته. في يوم كتب الكتاب.
كان يقف أمام المرآة وهو يرتدي ملابسه، ينظر إلى نفسه ويفعل كل شيء بعدم اهتمام. يفكر أنه في هذا اليوم كان من المفترض أن يقترن بـوئام ويجهز نفسه لها هي فقط، ولكن هو الآن يستعد للاقتران بغيرها. دلفت إليه والدته وهي تنظر له بسعادة: "تبارك الله، قمر يا حبيبي، ربنا يحفظك، هتتحسد." نظر لها بلامبالاة وهو يكمل ما يفعله، ثم نظر لنفسه في المرآة، فجأة بدأ يتنفس بسرعة. قال وهو يضع يده على حلقه: "حاسس أنه أنا مخنوق، مش قادر."
اقتربت والدته بخوف: "مالك يا حبيبي؟ هز رأسه بالنفي وقال: "مش قادر، مش قادر أعمل كدة، مش أتظاهر أني أنا قادر أكمل، مش قادر اتجوز حد تاني غير وئام، أنا بحب وئام." قالت والدته بغيظ: "أنت بتقول إيه ده، النهاردة كتب كتابك! نظر لها بتمرد: "وأنا مش هقدر أعمل كدة، أنا بحب وئام ومش عايز اتجوز غيرها، الغي الموضوع ده كله، أنا مش هتجوز غير وئام، أنا رايح لها."
ثم خرج سريعاً وهو يركض وخرج من المنزل. أما والدته فوقفت مسمرة من الصدمة مكانها، ثم بدأت تضرب صدرها وتـولول بصوت عالٍ: "يالهوي يالهوي، الواد اتجنن! ساب الفرح وراح للي ما تتسمي، أقول إيه لأختي ولا الناس، يالهوي ياااني هنتفضح!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!