قالت والدة حمزة وهى تضحك بعدم تصديق: أنا مين؟ أنا أمك يا حمزة، في إيه؟ قطب بشدة وهو يضع يده على رأسه: أمي مين؟ أنا معرفكيش.... معرفش حد فيكم! تبادلوا النظرات بصدمة ثم قالت مريم بإرتباك: أنت.... أنت مش فاكر حاجة خالص؟ نظر لها حمزة بتشتت: لا، أنا حتى معرفش اسمي! أنا اسمي إيه؟ ضربت والدته على صدرها بيدها: يا مصيبتي! إيه اللي حصلك يابني؟ مالك كدة؟ حضر الطبيب، فقالت والدة حمزة بإهتياج: الحقنا يا دكتور، ابني مش فاكرني!
رفع الطبيب حاجبه ونظر مفكراً إلى حمزة ثم قال بهدوء: ياريت تتفضلوا برة وتسيبوا المريض يستريح علشان افحصه. جلسوا خارجاً منتظرين بقلق حتى خرج الطبيب وقال لهم أن يذهبوا معه إلى مكتبه. عدل الطبيب نظاراته ثم قال بجدية: أنا ما كنتش شاكك إنه المريض هيجيله فقدان الذاكرة، لأن الارتجاج ماكنش شديد، بس بعد فحصه واضح إنه الدماغ اتأثر جامد من أثر الخبطة، كمان فقدان الذاكرة جاي نتيجة ضغط نفسي شديد. قالت والدته بعصبية: إيه الكلام ده!
إزاي ابني ينسى كل حاجة، حتى ينساني! قال بهدوء: هي دي حالة فقدان الذاكرة يا مدام، وللأسف ابنك مصاب بيها. قالت مريم بقلق: طب هي ذاكرته ممكن ترجع يا دكتور؟ قال الطبيب بجدية: إن شاء الله ترجع، بس إحنا ما نعرفش ممكن ترجع إمتى، ممكن بعد يوم أو أسبوع أو حتى شهر، ما نقدرش نحدد وقت معين.
فكرت والدة حمزة في هذه الورطة حتى لمعت في رأسها فكرة خبيثة، أن حمزة الآن كالطفل الصغير، يمكنها تشكيله كما شاءت، كما أنه لابد ونسي وئام، لذلك حياتها ستكون أفضل بكثير الآن. عادوا إلى غرفة حمزة واقتربت منه وهى تضع يدها على شعره بحنان: حمزة حبيبي، أنا أمك، بص لي يا حبيبي، يمكن تفتكرني. نظر لها حمزة طويلاً ثم قال بنبرة خاوية: مش فاكرك. نظرت له بحزن: المهم إني فاكراك يا ضنايا، أنت اسمك حمزة وأنت ابني. جال
بنظره إلى بقية الأشخاص: والباقي دول مين؟ نظرت أمه لمريم بخبث وقالت: دي مريم حبيبتك ومراتك يا حبيبي، ودي خالتك أم مريم. حمزة بصدمة: مراتى! هو أنا متجوز؟ أمسكت والدتها يد مريم بقوة وجذبتها ناحية حمزة: آه، أنتوا كتبتوا كتابكم، دي مريم بنت خالتك، وأنتوا عملتوا الحادثة وأنتم راجعين، كنتوا بتنقوا العفش بتاع بيتكم. نظر إلى مريم يتفحصها، فقالت بإرتباك: ع.. عامل إيه يا حمزة؟
لم يرد عليها وهو مازال ينظر إليها، حتى شعرت بالخجل الشديد واحمر وجهها. قالت خالته بحكمة: ما تضغطوش عليه كتير، هو دلوقتي تعبان ومحتاج راحة علشان يستوعب اللي حصل. بعد قليل حضروا إخوته البنات وبقية العائلة للاطمئنان عليه، مع عدم ارتياحه لأنه لا يتذكرهم، ثم غادروا جميعاً وبقيت مريم بعد إصرارها أن تبقى هي للاعتناء به. قبل أن تغادر والدة حمزة، أمسكت مريم من ذراعها بشدة وهي تقول بصرامة:
خلي بالك من حمزة كويس وتفضلي صاحية علشان لو احتاج أي حاجة، فاهمة؟ قال مريم ببساطة: طبعاً يا خالتو، مش هتوصيني على حمزة، أنا هاخد بالي منه كويس أوي إن شاء الله. نظرت لها بتكبر ثم غادرت. حزنت مريم على طريقة معاملة خالتها غير الجيدة لها، ولكنها بررت الأمر بسبب حادث حمزة. عادت إلى الداخل لتجده يجلس شارداً، فجلست على كرسي بجانبه. نظر لها وقال بجدية: إحنا اتجوزنا إزاي ومن أمتي؟ حدقت به بدهشة ثم ابتسمت:
اتكتب كتابنا امبارح، واتجوزنا زي أي اتنين، أنت جيت اتقدمت لي وأنا وافقت. رفع حاجبه بتعجب: يعني مش بنحب بعض؟ ابتسمت بخجل وقالت بحب: لو على الحب ف أنا بحبك، إنما أنت لحد دلوقتي ما قلتليش إنك بتحبني. فكر قائلاً بصوت منخفض: يمكن كنت مستني بعد كتب الكتاب، أكيد بحبها طالما اتجوزتها. تمدد ثم أغمض عينيه ليرتاح. نظرت له مريم وهي تضع يدها على خدها وتراقبه بحنان. عادت وئام إلى غرفة المعيشة وهي تقول: نعم يا ماما، عايزة إيه؟
قالت والدتها بنبرة عادية: يلا يا حبيبتي نحضر الغدا، زمان مؤمن راجع من شغله، وكمان عمك تعبان ومحتاج يأكل كويس. أومأت وئام برأسها: حاضر يا ماما. ابتسمت برضى: عارفة أحلى حاجة إنه رغم إنه عمو ومؤمن واخدين شقة قدامنا علشان يسيبونا على راحتنا، بس لما كلنا بنتجمع على الفطار أو الغدا أو نقعد مع بعض بحس بدفا فعلاً وإنه رجعنا عائلة زي زمان. ابتسمت والدتها بحنية:
معاكِ حق يا بنتي، وعمك وابنه كتر خيرهم، مش مخلينا عايزين حاجة خالص. حضرت الغداء، ثم حضر عمها وابنه. بعد الغداء، ناداها مؤمن، فأقبلت عليه بتساؤل: في حاجة يا مؤمن؟ أعطاه كيس، ففتحته بإستغراب ثم أشرق وجهها بالضحك: إيه ده! أنت لسة فاكر. ابتسم وقال بصوت عميق: أكيد، ما كنت دايماً أنا اللي بجيب لك الشيكولاتة والمصاصة اللي بتحبيهم، قولت اجيبهم لك تاني لو لسة بتحبيهم يعني. قالت له بسعادة:
لسة بحبهم جداً، شكراً يا مؤمن، فرحتني أوي. قال لها بمزاح: بس دول فيه منهم لكارم علشان ما تاكليش كل حاجة لوحدك، عارفك طماعة. رفعت حاجبها بإستغراب مرح: يا سلام! ضحك ثم غادر. أما هي فنظرت لما بيدها بسعادة، فشعور أن يتذكر أحد شيئاً تحبه ويحضره لك خصيصاً هو شعور جميل، كمان أنها تذكرها بذكريات الطفولة البريئة حين لم يكن هناك حزن أو معاناة. وقف عمها أمام باب شقته وقال بجدية: وئام، تعالي عايزك.
عقدت حاجبيها وتبعته إلى غرفته حيث جلس على سريره بتعب، جلست أمامه تنتظر بفضول. ظل يفكر لدقائق قبل أن يقول بصوت حزين: أنا كنت عايزك يا بنتي علشان أقولك على موضوع مهم وأريح ضميري، أنا طلبتك مخصوص علشان كده، وصدقيني حاولت أوصلكم كتير لأنكم غيرتوا عنوانكم، بس الحمد لله ما كانش بعيد عن العنوان القديم. قالت بقلق: حاجة إيه يا عمي؟ رفع عينيه لها وقال بصوت متشنج:
عايز أقولك على حاجة حصلت بيني وبين والدك قبل ما يموت، أنا للأسف ظلمت والدك يا وئام. اتسعت عينيها بدهشة وحيرة: ظلمته؟ مر وقت طويل وحمزة نائم، أثناءه حاولت مريم عدم النوم، رغم أن نعاسها غلبها عدة مرات، ولكنها كانت تستيقظ بسرعة حتى تنظر إلى حمزة بفزع، فتجده مازال نائماً، فتسترخي مجدداً. بدأ يهمس ويهلوس بصوت غير مفهوم وهو يحرك رأسه يميناً ويساراً، وكأنه يواجه كابوساً مرعباً يرغب في الخروج منه بأي طريقة. اقتربت منه بقلق:
حمزة، أنت سامعني؟ لم يرد وهو يزال على نفس الحالة، فاحضرت منديلاً تمسح به عرقه الذي تصبب منه وتحاول إيقاظه. بدأ يتكلم بصوت أعلى، فقالت بتساؤل: بتقول إيه؟ قربت وجهها منها لتسمع، فقال مجدداً بغير وعي: ووئ.... وئام. اتسعت عيناها بصدمة ورددت وراءه: وئام!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!