كانت تلا منزعجة، بدت ليست في حالتها الطبيعية. أعني، أنها تبتسم وتضحك، تمزح بلا نفس. عندما لمحتني على باب المنزل، لوحت لي. "زهره، وصمتت لحظة. زهره حبيبتي، هناك شخص ينتظرك في غرفة آدم. إنه أحد ضيوفنا وقد أبدى إعجابه بإحدى لوحاتك. كان آدم قد نسيها في غرفته، لا أعرف كيف وصلت هناك، لكن المهم أن عينه التقطتها. ظل يحدق بها طويلاً وأبدى اهتمامه بمقابلتك." رفعت تلا يدها اليمنى بارتباك. "تتحدثين الإنجليزية؟ "أجل، نوعاً ما."
"حسناً، دفعتني تلا نحو السلم. إذا احتجتِ مساعدة، فلا تترددي في طلبي! "آخر ما أحتاجه مساعدتك"، قلت في نفسي. صعدت درجات السلم. فاجأتني كلمات تلا، كانت بعيدة عن التعصب، وودودة ومهتمة. ربما علي أن أعيد تقييمها، فقد كنت قاسية عليها في الماضي. حكمي عليها كان نابعاً من اهتمامي بآدم. كانت غرفة آدم مكتظة وصاخبة، تشبه مشرحة دجاجات. معدات تلفزيونية، ميكروفون، مقاعد، عصائر، جاتوهات، موسيقى، وجوه غريبة لرجال وفتيات.
"السلام عليكم"، قلت فور دخولي من باب الغرفة المفتوح. حملقت الوجوه نحوي. لم يفهموا كلامي طبعاً. أشار إلي آدم أن أقترب. خطوت نحوه وأنا أوزع الابتسامات وأحني رأسي وأنا أرحب به. كان آدم واقفاً مع شاب أربعيني نحيف يرتدي بذلة إيطالية أنيقة. يضع إحدى يديه في جيب بنطاله والأخرى يدخن بها لفافة تبغ وهو ينظر تجاه لوحتي المعروضة على الحامل بكامل اتساعها. قال آدم: "السيد جون فليكس صدعني بالحديث عنك. استلمي زهره."
تركني آدم مع الرجل وفر نحو فتاة صفراء تدعي كاتي بيدها آلة تصوير. قال جون فليكس: "مرحباً زهره." قلت: "ويلكم سيد جون." "أنتِ"، وأشار تجاه اللوحة، "هذه رسمتك؟ قلت: "نعم، رسمتي. إحدى لوحاتي." "أرى ذلك"، قال جون فليكس. "كيف قمتِ برسم تلك الأعجوبة؟ "الرسم إحدى هواياتي، كنت أعبر عن نفسي." "اللوحة رائعة يا زهره، غريبة، بسيطة، عميقة، حزينة، فريدة، غامضة." حاولت أن أفهم كلماته. ربما فهمت بعضها، لكن إجمالاً أدركت أنه يمدحني.
قلت: "شكراً لك." همس جون فليكس: "اقتربي يا زهره، قادني نحو الشرفة، أريد أن أبرم معك صفقة." قلت: "معي أنا؟ قال: "لما لا؟ قلت: "ستخسرين يا سيد جون فليكس." قال السيد جون فليكس: "أنا مستعد للمجازفة، وأنتِ؟ ابتسمت. "ليس لدي ما أخسره." التفت جون فليكس نحو غرفة آدم. بحث بعينه عن تلا وآدم قبل أن ينظر تجاه الحديقة مرة أخرى.
"صفقة سرية، TOP secret. سأوقع معك عقد احتكار يا آنسة زهره. سأكون وكيل أعمالك في المستقبل. من حقي وحدي أن أعرض لوحاتك في معرضي، إلى جوار لوحات كبار الرسامين المشهورين." قلت: "هذا شرف كبير يا سيد جون فليكس." "لا تتحدثي عن الشرف الآن يا فتاة"، أردف جون فليكس. "اسمح لي أن أعرض لوحاتك، أن آخذها معي عند رحيلي. أعدك أن لا تمس بسوء، وأن لا يتم نسخها أو بيعها إلا بعلمك؟ أعجبتني طريقة جون فليكس البسيطة. قلت: "موافقة."
"تشيك هاند؟ "تشيك هاند!! "هس"، أمرني جون فليكس بالصمت ووضع أصبعه على فمه. "لا تخبري الثعلبة، أوك؟ "أوك." غمزني جون فليكس بعينه، يعني أن لا شيء حدث وعلينا أن نفترق. ابتعدت عن جون فليكس الذي غطس وسط الصخب مرة أخرى. وقفت بعيداً أحاول إدراك ما الشيء الذي يميز تلك اللوحات عن غيرها ويجعل شخص مثل جون فليكس يهتم بها.
ليس جون فليكس وحده، كاتي أيضاً صورت لوحاتي. لا أنكر أنني عندما قمت برسم تلك اللوحات كنت أعبر عن حالتي النفسية حينها بالضبط. شخص يتألم غير قادر على الصراخ، متحطم، يقبع في الهاوية القذرة، غير مهم، ولا يتوقع أن يمد له أحد يد لإنقاذه. فتاة شاحبة تتألم بصمت بوجه شاحب وعيون متوجسة. إنها زهره. مضى وقت طويل قبل أن تنتهي جلسة العمل. كان الوفد مستعجل جداً، حتى أنهم رفضوا عرض آدم البقاء في أحد فنادق القاهرة ليلة أخرى.
رافقهم آدم وتلا نحو المطار. أخيراً حل صمت وسكون داخل المنزل. قمت أنا وسولين بتنظيف الفوضى التي خلفتها جلسة العمل. لم أتركها حتى انتهينا، ما أعاد الانضباط للمنزل العتيد. كنت أعمل تلك الفترة من أجل سكني وطعامي. لم يطلب مني أي شخص ذلك، لكني ارتأيت أنه لن تكون لي شخصيتي الخاصة طالما لم أعتمد على نفسي. رويدا بدأت تأخذ نصيبها في عمل المنزل حتى إذا لم يلاحظ آدم ذلك.
عاد آدم وتلا في غاية السعادة. على ما يبدو أبرمت تلا عدة صفقات ولقاء تلفزيوني مع آدم. انزويت في غرفتي. تم إفساد يومي الأول في الجامعة بنجاح. لم يسألني آدم عن لقائي بجون فليكس، ولم أبدي غضبي أو اهتمامي. تعلمت في الفترة الأخيرة أن أعول نفسي بكل مخاوفي وتطلعاتي. توضأت، صليت العصر واستلقيت على فراشي أطالع رواية "ظل الريح" فلم يكن لدي ما أفعله.
اجتمعنا على طاولة العشاء. كانت ألا حاضرة معنا. وكنت بكامل ملابسي بعد أن اتجهت مؤخراً لتغطية رأسي. لا فائدة من المحايلة ولن تفيدني عدة شعرات أتركها بالخارج تستطلع الطقس. استمعت بصمت لخطط تلا المستقبلية لآدم. "اصبري، ستري. صورك ستغرق كل الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية." استأذنت وذهبت لغرفتي ولم أخرج منها حتى الصباح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!