الفصل 46 | من 90 فصل

رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى

المشاهدات
19
كلمة
1,266
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 51%
حجم الخط: 18

تقابلني لعنة الاختيار في كل مرة أقرر فيها الخروج من المنزل، وليس مستبعداً ولا مستغرباً بالنسبة لي تبديل ملابسي في اللحظة الأخيرة بعد أن أكون قد استقريت ٩٠ بالمائة عن نوعية ملابسي. ينقذني سولين دائماً. "هذا رائع يا زهرة، تبدين ككونتيسة أو بطة أو عسولة مثلما اتفقت معها."

وضعت حداً لترددي، اخترت تنورة قشدية وقميص موف، حقيبة لبنية، حذاء أبيض. استقللت سيارة أجرة نحو الجامعة وأجبرت نفسي على سماع الأغاني التي صمت أذني بفارغ صبر حتى وصلنا الجامعة. ناولته السائق أجرته التي اتفقت عليها، فقد تعلمت ألا أستقل تاكسي قبل أن أفاوض على الأجرة. استقبلتني بوابة الجامعة، أظهرت بطاقة الجامعة ومررت نحو كلية الهندسة، وجلست في المدرج مثل غيري أنتظر حضور دكتور المادة.

وغمرتني موجة من الاضطراب وأنا أجلس بمفردي، سرعان ما واصل الطلبة حضورهم بوجوه مشرقة وضجت القاعة بأصواتهم. كان الطلبة والطالبات ينادون بعضهم "بشمهندس فلان" أو "فلان"، لاحظت أن الطالبات ينحشرن أزواجاً، أو مجموعة تعرف بعضها، بينما كنت وحيدة كالعادة، لا أعرف أحداً ولا أحد يعرفني، مما وفر لي بعض الراحة ومنحني مساحة لأتصرف على طبيعتي.

رحب بنا أستاذ المادة وأغرقنا بوصلة من الحكمة والفلسفة والنصائح. كانت محاضرة تعارف لم يتطرق خلالها للمنهج. أكثر من ساعة من الثرثرة انتهت بوصلة من التصفيق كأننا في برلمان الأمة. كان يفصلنا ساعة عن المحاضرة التالية، لجأت لكافتيريا الجامعة، طلبت قهوة وسليت نفسي بكتاب كنت أحضرته معي.

علماً أن بعض الطلبة توقفوا عن مراقبتي مثل غيري من الفتيات، يثبتون عيونهم الوقحة التي لا تطرف على وجوهنا وأجسادنا. حمدت الله أنني أحضرت ذلك الكتاب معي فقد منحني بعض الخصوصية وساعدني على الاختفاء.

المحاضرة التالية، أخرت نفسي، لذلك جلست بآخر المدرج. حضر دكتور شاب وضع نظارة طبية على وجهه، أجلس كتبه على المنصة. كتب بالقلم اسمه واسم المادة التي سيدرسها. سارت بعض الهمسات بين صفوف الطالبات وصل إلى بعضها، تتحدث عن مظهر وشكل وطبيعة مدرس المادة واندهاشهم من صغر سنه.

بدأ الدكتور كلامه موضحاً طريقته في شرح منهجه، كان قد مضى عشر دقائق عندما صفع الباب ودلفت منه فتاة نحيلة مرتبكة. كانت سمراء قليلة الجمال، اعتذرت للدكتور عن تأخرها وهي تبحث عن مكان للجلوس. أطلق بعض الزملاء همسات سخرية بينما ظلت تلك الفتاة واقفة في مكانها توشك على البكاء.

جذبتها من تنورتها وزحزحت نفسي سامحة لها بالجلوس. شعرت بارتعاشة جسدها، تذكرت نفسي عندما كنت فتاة صغيرة، تلك الرعشة التي شكلت نواة الترابط بيني وبين سها عبد الفتاح صديقتي الأولى. والتي جلست صامتة لم تنبس بكلمة حتى انتهاء المحاضرة، وحيدتين كشقي محارة نقضم أظافرنا ونشجع بعضنا بإيماءات مقتصرة، خرجنا تحت العيون المتطفلة من المدرج متلصقتين ببعضنا، كل واحدة ترى في الأخرى صد مانع يمكنها أن تحتمي به.

تمشينا في حرم الجامعة وعرفت أنها ابنة وحيدة، يتيمة الأب تعيش مع والدتها. لم تصدق سها أنني أعيش مع شخص يكفلني بعد وفاة والدتي حتى أقسمت لها. حينها فقط أبدت دهشتها. "تعيشين مع شاب عازب؟ هذا إثم، عارها، السيد آدم مثل والديكِ؟ كيف يكون والدكِ وهو في الثلاثينيات؟ حسناً، لم أكن مستعدة للشرح ولا التوضيح، لقد أثارت في سها مخاوف المستقبل الذي كنت أحاول نسيانه. فجأة تحولت تلك الصامتة لمذياع، "يمكنك الانفصال، العمل، واو، واو."

أطلبت منها الصمت، ودعتها على بوابة الجامعة بعد أن تبادلنا أرقام الهواتف. كانت فتاة طيبة، لكن سرعة حكمها على الأمور لم تعجبني، إنها لا تعرف ما قاسيته في حياتي ولا حتى ما قام به آدم من محاولة إنقاذي. ذلك الشاب الذي تتهمه بالآثم هو نفسه الذي أنقذني من التشرد وكفل لي حياة كريمة حتى الآن.

مضى أكثر من شهر، قضيته في محاولة للتأقلم مع حياة الجامعة الغريبة علي، بما تشكله من حرية وفخ التمرد. في السادس من نوفمبر الساعة العاشرة مساءً، وصلني إيميل من جون فليكس، كان مرفقاً به صورة كبيرة لإحدى لوحاتي في المعرض، أمامها ثلاثة فتيات يرفعون علامة النصر. علق جون فليكس: "آنسة زهرة، لديك معجبون هنا." كان بريداً مفصلاً حاولت ترجمته.

"جون فيلكس قام بعرض لوحاتي جنباً إلى جنب مع لوحات آدم وغيره من الرسامين. لقيت لوحاتك اهتماماً منقطع النظير من بعض مقتني اللوحات وأصحاب المعارض، كما توقعت،" وضح جون فيلكس، "انتظري أخباراً مفرحة." احتترت إن كان علي أن أخبر آدم من عدمه، لم أستطع تخيل ردة فعله، وأن كنت سأقع تحت خانة التمرد والخيانة. رغم كل مخاوفي، عرضت بريد جون فيلكس على آدم، فحصه بدقة وتعمق وهدوء.

قلت: "لم أعتقد أن الأمر مهم، عندما قال جون فيلكس إنه سيعرض لوحاتي ظننتها مزحة." نحى آدم الهاتف جانباً. "زهرة." قال آدم وحدق بي. "ليس عليك أن تعتذري، كنت أعرف أن تلك اللوحات تحمل شيئاً غريباً، رغم أن اتفاقك مع جون فيلكس اللعين تم خلف ظهري، ذلك السافل أوقعك في الفخ. وقع معك عقد احتكار، أليس كذلك؟ قلت: "نعم." أخرج آدم جهازه وفتح بريده، كانت هناك عدة محادثات بينه وبين أشخاص مهتمين بالرسم، لوحاتي كانت محور الحديث.

"ربما تعتقدين أنني لا أهتم لأمرك، ربما لا أبوح بالكثير، ربما أبدو صامتاً غير مهتم، لكني كنت أبحث أمرك كل أسبوع تقريباً." توقع آدم أن يراسلني جون فيلكس مرة أخرى. قال: "سيعرض عليك مبلغاً من المال نظير تلك اللوحات، أعتقد أنه سيكون عدة آلاف من الجنيهات الإسترلينية. وافقي يا زهرة بلا تردد."

قال آدم: "إنها بداية ممتازة، سيلزمك الكثير من الوقت والصبر لرسم لوحات أخرى أكثر قيمة." ضحك آدم. "لم أتخيل في عمري أن يكون منافسون يعيشون معي في نفس المنزل."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...