كنت ممتنة جدًا لتلك اللفتة الجميلة غير المتوقعة. لقد أعدوا حفلة صغيرة على شرف نجاحي. كنت مخطئة عندما ظننت أنهم نسوني. أشكرهم، فأنا لا أملك غير الشكر في وضعي الحالي. قال آدم إنه سيساعدني في أي كلية أقرر الانضمام إليها، لكنه لم يمنحني اختيارات. قال: "إنه مستقبلك الخاص يا زهرة".
كان لدي وقت كافٍ لأختار وأقرر بعد أن نحيت الطب جانبًا، لذلك لم أتعجل. أخيرًا أصبحت حرة من المذاكرة ولست مضطرة لأن أدقق وأراجع وأفحص. أخليت غرفتي من كتب الدراسة، كان هذا أول شيء فعلته. قطعت علاقتي بالكتب المدرسية. واصلت هوايتي في الرسم التي أثقلتها بالمعرفة. اطلعت على سير العديد
من الرسامين العظماء: بيكاسو، دافنشي، جوخ، هانس، جيوفاني، ألبرتو. كنت أضع اللوحة أمامي وأدقق فيها بعمق، متتبعة مسارات فرشاة الرسام، محاولة فك أسرارها. فلكل لوحة قصة، ولا يمكنك أن تكون رسامًا قبل أن تعرف القصة بمجرد نظرك للصورة.
سرعان ما غرقت في المتعة اللامتناهية للرسامين القدامى ومدارس الرسم المختلفة. لقد تحول الأمر لأكبر من تحدٍ بيني وبين آدم، لعشق وحب وهواية وشغف. كنت أنام وأنا محتضنة اللوحات، وأحلم بقصصها وكيف رسمت، طبيعة الحياة وقتها، كيف كانوا يعيشون، نوعية الشوارع، الطرق، غرف المنازل، الملابس، الأدوات. بت مسحورة ومأثورة بكل تفصيلة غامضة، ولا يهدأ لي بال حتى أعرف أصلها، من أين أنت، وكيف قامت الفكرة. بل أكثر من ذلك، التغلغل في مشاعر الرسام والشخص الذي يقوم برسمها.
اقتضى ذلك أن أقضي وقتًا طويلاً بمفردي. ابتعدت عن الحياة، العالم، الأمور الاعتيادية التي كنت أقوم بها. متصلبة في شرفتي أمام لوحة، ببنطال رياضي وتيشرت من القطن، متصببة بالعرق وملطخة بالألوان. استلقي على أرضية الغرفة في فوضى عارمة ومزاج رائع. عندما دلف آدم لغرفتي، وجدني على ذلك الحال. أكوام من اللوحات متكومة بجوار السرير وفي كل مكان. "ماذا يحدث هنا بالضبط؟ " زعق آدم بمزاح. "أنت تقيمين معرضًا من خلف ظهري؟
أنهضت جسدي بسرعة. "أعتذر سيد آدم، حولت الغرفة لقبو تحف تذكارية." لكن آدم سريع الانتباه، توقف عن مزاحه بسرعة. مسح الغرفة بعينه الخبيرة، سرعان ما جلس على الأرض بجواري شاردًا في أفكاره وهو يحدق باللوحات. انقطعت علاقتنا في الفترة الأخيرة، كنت أراه صدفة في طريقي نحو الحمام أو عند التهام طعامي. ظل آدم محدقًا باللوحات وهو يبتسم حتى ظننته نسي وجودي. ثم نهض فجأة. "اختار ثلاثة لوحات من القماش حجم ٩٠ سم، وضعها تحت إبطه.
قال: "سأتفحص تلك اللوحات بعد إذنك." لأول مرة يخاطبني آدم كشخص بالغ، شخص له كينونته وشخصية منفردة، شخص حر. ند لند، باحترام. قلت: "إنها لا تعدو كونها مجرد هراء." ضحك آدم. "هراء يقترب من الإبداع." حول آدم فك شفرات اللوحات التي اختارها. كان يحدث نفسه: "أحتاج مزيدًا من الوقت، هذا ليس اعتياديًا."
صفع الباب بجنون وتركني لأفكاري. شعرت بالحرج. اللوحات التي اختارها آدم تؤرخ ماضي التعيس على فترات زمنية مختلفة. قبل التحرش، أثناء التحرش، وبعد أن قام حسني بالتحرش بي. اللوحات تحكي لحظات معينة، لكنها بمشاعر مختلفة ومتناقضة، مع أنه نفس الشخص.
لكن الدوامة التي دخلت فيها بعد ذلك أنستني ذلك الموقف. كنت اخترت كلية الهندسة وأركض بملفي نحو الجامعة من شؤون طلبة، مكتب لمكتب، ثم دوامة اختيار ملابس ملائمة للدراسة وتحضير نفسي لعالم جديد غريب علي.
قبل بدء الدراسة وكنت حينها أستعد لأول يوم بالجامعة، لاحظت استعدادات فريدة في المنزل. كانوا يستعدون لاستقبال تلا مع وفد أجنبي مهتم بالرسم وبعض أصحاب المعارض الفنية من أجل حوار تليفزيوني وآخر صحفي. "بيئة الرسام الحقيقية هكذا صرحت تلا." لم أفلح في إرغام نفسي على التعامل مع تلا، وحمدت الله أن موعد حضور الوفد هو أول يوم في الجامعة، مبرر منطقي لترك المنزل.
قبل حضور الوفد الإعلامي التسويقي، غادرت المنزل وقصدت جامعتي الجديدة، عالمي الكبير الذي علي أن أجتازه. كانت الساعة تشير للثانية عشر وعشرين دقيقة عندما هاتفي آدم يطلب حضوري للمنزل. لم يوضح لي شيئًا، كان أمرًا مبهمًا. قال: "أحدهم مهتم برؤيتك، من فضلك احضري بسرعة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!