بمضي الأيام أصبح لدي روتين معتبر شغل ذهني حتى حوافه، فقد شكلت لي الكتب والروايات التي كنت أقرأها عوالم مختلفة وشيقة. تعرفت على شخصيات تشبهني، مرت بحالتي وأخرى تمنيت أن أكونها. لقد اتضح لي أنني كنت مريضة وأن معظم سلوكياتي بالماضي كانت نابعة من رد فعل لكبت مستوطن بأعماقي. فما تعرضت له من تحرش لسنوات طويلة أصابني بقرح مرضية طفحت في سلوكيات معيبة.
بعد اختفاء آدم كان سهلًا بالنسبة لي أن أحتل مكانه على سطح المنزل. فقد قمت بنقل طاولة ومقعد، هناك أخفيت سري الكبير الذي لن يعرفه أحد لسنين طويلة. لم أتوقف عن الرسم أبدًا، لم أتقبل هزيمتي، طورت موهبتي بالمثابرة على الرسم واستدرار المعرفة من تجارب الآخرين. ولم يمنعني ذلك من امتهان حمية غذائية جبّارة بعد أن لاحظت زيادة وزني في الآونة الأخيرة. كنت أحارب على كل الجبهات لأول مرة من أجل نفسي، لا من أجل الآخرين.
لقد أصبحت قادرة على رسم شخص كامل. منظر طبيعي بلا عيوب. نعم، كانت لي لوحاتي الغامضة التي خصصت بها نفسي، لوحات تؤرخ رحلتي في الحياة، ما عانيته وقاسيته، ما كنت أشعر به مثلما أخبرني آدم مرة نقلته على الورق والقماش. لوحات تعاستي وانكساري وهزيمتي كانت تملأ سطح المنزل.
في تلك الفترة نسيت آدم تمامًا، لم تعد تعنيني رحلته الخارجية ولا ماذا يفعل وكيف يقضي وقته، وإن كنت أتمنى له النجاح بعد ما فعله من أجلي. عندما ألقت لي سولين صحيفة غربية تتحدث عن لوحات آدم لم أبدي اهتمامًا، لكن بعد رحيلها، بشكل موضوعي وجدتني لأول مرة قادرة على اكتشاف براعته فيها، أوجه تفرده، بل وانتقاده. كنت بلغت الحد الذي يسمح لي بتقييمه.
اقترب موعد آدم كما أخبرتني سولين. إنه يطلب مني أن أكتب له قائمة بالأشياء التي أرغب في انتقائها. لقد فكرت طويلًا قبل أن أخبرها ردي بعدم حاجتي لأي شيء. اصطدم آدم بموقفي وطالب بمحادثتي شخصيًا. اعتبرتها أحد مزحاتي القديمة، لكني في الحقيقة كنت أعني ما قلته، فأنا لا أحتاج أي شيء. لم أرغب بجرحه لكني كنت مكتفية ولا حاجة لدي لأن أثقل كاهله بكماليات لا معنى لها.
حاول آدم إقناعي أن أتخلى عن رخامتي كما وصفها. لقد كان متأثرًا جدًا وهو يصارحني باستيائه من موقفي الذي لا يفهمه. أبدى انزعاجه من طريقتي وطالبني أن أكبر وأتخلى عن صبيانتي المتزمتة. تمنيت له رحلة آمنة قبل أن أغلق الخط. "سأقابلك في المطار"، قال. قلت: "ربما سيد آدم، ربما."
يوم موعد عودته، الذي كان لا يعرفه السيد آدم، إنه أهم أول يوم امتحانات في حياتي. فحين كانت طائرته تحلق على مهبط المطار كانت ورقة الأسئلة أمامي على البنش.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!