الفصل 51 | من 90 فصل

رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى

المشاهدات
16
كلمة
591
وقت القراءة
3 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

هناك بعض المواقف التي كنت أشعر بعدها لن أجد نفسي، غير قادرة على التنفس أو السير. يكبر الإنسان ويفهم أن كل شيء يعبر، بحلوه ومره، حتى تلك الأشياء التي كنا نعتقد أنها ستقتلنا معها، تمضي بنا الأيام وتصبح ذكرى.

لذا أنا لم أطير، لم أحلق بجناحي أو تبتلعني الأرض، مشيت تجاه بوابة الخروج ووجدتني أفكر بتروٍ في ما حدث معي. عوني كان يستحق صفعة، لكم وددت أن أركله على مؤخرته، لمت نفسي، ربما كان علي أن أمنحه ذكرى معتبرة، ذكرى أكبر، لكن بشكل آخر فعلت المتطلب مني، أفحمته في العار ولم يعد يهمني ما سيحدث بعد ذلك. الدراسة مثلها مثل أي شيء آخر، من الوارد أن أفشل فيها، طالما أنني بذلت الجهد المتوقع مني فلست نادمة ولا حزينة.

اعتبرتها صفحة، طُويت، انتهت، ابتلعها المحيط داخله، محارة وغرقت. اتخذت قراري بالتحويل لكلية الفنون الجميلة مع نهاية الموسم المنصرم، ولا أعلم لماذا اخترت هذا التوقيت تحديدًا بعد انتهاء امتحانات الترم الثاني مع أنه من المفترض أن أنهي كل شيء فورًا. لكنني أحيانًا أتخذ بعض القرارات الحمقاء، متوغلة الإبهام، فاقدة الرشد التي تجعلني أضحك، فنحن نعيش مرة واحدة، من حقنا أحيانًا أن نفقد البوصلة وننسى الاتجاهات.

داخل السيارة التي يقودها سائق ضخم الجثة، ثخين، المقعد يئن من تحته، يدندن مع أغنية كاريوكي. السكة شمال في شمال، سرحت بخيالي لمنتصف مخيم الامتحانات حيث أؤدي دوري المنوط بي كطالبة في الصف الثاني بكلية الهندسة، القاعة مزدحمة، لكن ليس بمراقبي الجامعة فقط ولا حتى دكتور عوني وبقية الأوغاد، بل بصحفيين وإعلاميين، قنوات تلفزة، قمت بدعوتهم بنفسي، كطرف محايد لتصويري وأنا أجيب الأسئلة كلها بطريقتي الاحترافية في تحدٍ صارخ لأستاذتي وعميد الكلية. كل إجابة أكتبها ستكون مسجلة ولا يمكن تزويرها، ستتم مراجعة أوراقي عن طريق أساتذة جامعات أخرى يدرسون نفس المواد الهندسية.

حينها سأنال كل الدرجات التي أستحقها، سيتضح كم كنت مظلومة، وإنني أستحق أن يوضع اسمي في لوحة الشرف. أطلقت ضحكة جعلت السائق يستيقظ من نومه، حملق بمرآة القيادة بعيون تراني وقحة، مجنونة. انظر أمامك. قلت بنبرة عنيفة. كنت قليلة الأدب والحشمة، فليسامحني الله، لأنني حينها كنت في قاعة الامتحانات أجيب على الأسئلة تحت كاميرات التلفزيون المراقبة، وسط تشجيع دكتورة سارة من جامعة أكسفورد التي قمت بدعوتها أيضًا. الأجرة يا آنسة؟

كانت السيارة توقفت أمام المنزل دون أن ألحظها. اعتذرت للسائق ومنحته أجرته، أحيانًا أنسى أنني آنسة وأقوم بحركات صبيانية بشعة. منذ مدة طويلة لم أشغل آدم بمشاكلي، حين اتخذت قراري بأن تكون لي كينونتي الخاصة كنت أعني ذلك. الاعتماد على النفس لا يعني دفع كلفة غرفة أقيم بها فقط، بل أيضًا أن أحل إشكالياتي بمفردي وأتحمل نتيجتها.

عدت للرسم مرة أخرى، كانت لدي قصة انهزامية ترسمها فرشاتي على لوحة قماش لوجه حزين ووحيد، وجه يبكي بلا دموع، روح تتقاذفها الأمواج وليس هناك أي مرفأ قريب. على مدى شهر كامل حبست نفسي داخل غرفتي، أرسم أذرع وأيادي، رؤوس، جذوع وآذان ومقل، أفكار مختلطة لأرواح متشابكة، لقد أصبح لدي معرضي الخاص. لوحات مختلفة متنوعة لمصائر مجهولة، إنها من اللحظات النادرة التي منحني فيها القدر هبتي.

عندما فتحت باب غرفتي كنت متعفنة، أظن رائحة الزيوت والألوان وصلت حدود الشارع، بشعر متلون كقوس قزح استقبلتني سولين بوجه مصدوم. من أنتِ؟ لصة؟ كيف وصلتي هنا؟ آدم؟ الشرطة؟ إسماعيل موسى؟ ثم حدقت بوجهي. أنتِ زهرة التي تقطنين غرفة في الطابق العلوي وتعيشين معنا؟ قبل أن أفتح فمي أردفت. ما الذي فعل بكِ ذلك؟ نقص حجمك النصف، أنتِ تشبهين جرذان مجاري، تعالي هنا، سأحميكِ بنفسي وأغسل أوساخك. هيه، فنجان قهوة آنسة سولين من فضلك.

تهاويت على الأريكة في غرفة الاستقبال، بين المزهريات البلورية والتماثيل الجميلة وظلال مروحة السقف، مسترخية، ملقية برجلي الطويلتين على المنضدة ببنطالي الممزق وقدمي الملطختين بروث الألوان ومعدتي المنقبضة. آدددددددددددم! صرخت سولين. زهرة فقدت عقلها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...