دراسة الهندسة. بصاق هررة، مفرمة، هذا ما نسميه الوقوع في الوحل حتى الأذن. أحتسي قهوتي وأصيغ رسومات هندسية تظهر لي وجه نحيل بشفة ناتئة. أجد نفسي أغرق في مظهر جميل، ينتهي بي أن أغلق عيني على هسيس اللوم. يعتقد المرء أن معاناته انتهت بالمرور من الثانوية العامة، ثم يكتشف أنها بدأت للتو. محاضرات، تحكمات، استكيشات، عملي، نظري، لقب فارغ يفرغ عقلي.
في تلك الشهور التي كانت تقودني نحو امتحانات الترم الأول، تشكلت لدي قناعة أنني لا أصلح للهندسة. رغم ذلك، عبرت بدرجات جيدة جداً. كنت من الأوائل وبدأ اسم زهرة يلوح في الأفق. كنت في المركز السادس تقريباً. لم أسع لذلك، لم أبذل مجهوداً كبيراً، لكني اسمي ظهر على لوحة الشرف وكبلني بقيود كنت في غنى عنها. فزهرة عليها أن تكون في الثلاث مراتب الأولى من أجل ذاتها.
في تلك الفترة، اعتبر البعض نجاحي ووجودي في لوحة الشرف محض صدفة وتوقعوا فشلي في الاستمرار. لذلك، آليت على نفسي أن أفحمهم وفعلت خطتي السرية: انتزاع مكانتي بمخالبي. زهرة ليست خنفساء ولا حتى نكرة، وإن كانت يتيمة. غير مهم، فإنها قادرة على انتزاع مكانتها كما فعلتها من قبل. مرة أخرى، رحت أذاكر حتى الصبح، مقسمة وقتي بين الرسم، الصلاة، المذاكرة. وساعدني أنني كنت وحيدة وليس لدي اهتمامات أخرى.
هسيس عبد الدايم، التي كانت تعتبرني صابئة ولا تتشرف بمعرفتي، كانت صديقتي الوحيدة. أليس هذا من حسن حظي؟ لا تلجأ إلي إلا عندما تحتاج محاضرة، أو تصعب عليها إشكالية في المنهج. لقد نجحت بالكاد، وكانت تتهمني بالكذب عندما أخبرها أنني لا أذاكر. "أنتِ خائنة يا زهرة. تقولين أنك غير مهتمة، لا تذاكرين، ثم أجد اسمك على لوحة الشرف؟ خيانة!
أرسل لي جون فيلكس أول دفعة من بيع لوحاتي، ثلاثة آلاف جنيه إسترليني. مبلغ ضخم بالنسبة لي، أن أدم أكد لي أن مكاسبه أضعاف ما أرسله لي. قال ربما ثلاثين ألف جنيه إسترليني. فجأة أصبح لدي 45000 جنيه مصري دفعة واحدة. وضعتها في حسابي. أستطيع أن أقول إنها المرة الأولى التي فكرت فيها بالاستقلالية. فإما لن أقضي كل حياتي عالة على أدم.
كنت أستبعد فكرة رحيلي عن المنزل في الوقت الحالي، لم تبدو لي صائبة. لكن أن أشارك في مصاريف المنزل، لما لا؟ تحدثت مع أدم على انفراد ووضحت له فكرتي. قال: "هذه حماقة يا زهرة. أنا لا أحتاج نقودك." قلت: "لكني مصرة يا سيد أدم. سأستأجر غرفتي أو سأترك المنزل." "هذا جنون! " صرخ أدم. "أنتِ بمثابة ابنتي يا زهرة." قلت: "سيد أدم، أرجوك. من فضلك، طاوِعني؟ أنهى أدم حوارنا بانفعال: "افعلي ما يريحك يا زهرة."
أعدت رسم لوحاتي القديمة، مثقلة بشجن وحنكة. كان لدي مخزون يسمح ببعض الإضافات المهمة. يقول البعض ليس من الجيد أن يعيد الرسام نفسه، لكني نجحت. كان باللوحة بعض أوجه القصور التي كنت أعرفها، لكني حينها لم أعرف كيف أسد تلك الفراغات. ثم إن الألوان لم تكن تعجبني. أعدت رسم مأساتي مرة أخرى وتجرعت نفس الألم. أرسلت كروكي لجون فيلكس. لم يتأخر، طالبني بإرسال اللوحة فوراً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!