أخرج الرجل الورقة النقدية وبدأ شكري بعد أن شغل عداد الدقائق. الرسم، شخبطات متفرقة على الورقة، نقط وشدات، وضح لي أن شكري يتقن ما يفعله وأنها ليست المرة الأولى التي يخوض خلالها تحديًا. لكن ما كنت أنتظره تحديدًا أن يقوم شكري برسم وجه لا يعرفه بكامل الدقة. مضت ثمانية دقائق وبدأ شكري ينهي اللوحة، كانت العائلة ترقب ما يحدث بتركيز وأنا أحدق مذهولة بسرعة شكري. أخيرًا أنهى شكري اللوحة ومد يده للرجل، "النقود؟
بتردد وضع الرجل الورقة النقدية في يد شكري، حينها ناول شكري الوالد لوحته. حملق الرجل باللوحة رفقة زوجته قبل أن يبتسم: "أنت رجل مبارك يا مستر، قديس، كيف فعلت ذلك بحق الآلهة؟ قال شكري بلا مبالاة: "منحتك والدتك ورقة رسم لعيني بعشرة جنيهات." "لكنك لا تعرفها، لم تقابلها،" قال شكري بنبرة أرادها أن تكون مقتضبة.
"يمكنك الانصراف الآن يا سيدي ولا تخبر أي شخص أنني أحضر هنا كل ليلة تمام الساعة التاسعة وتستطيع رسم أي وجه دون أن أراه." انتظرت شكري أن يتحدث إلي، أن يشرح لي ما قام به. لكن شكري طلب مني الانصراف: "زهره، عليك الذهاب لمعرضك." "أستطيع أن أقول لك أنه بعد خمس دقائق المعرض سيكون ممتلئًا بصعاليك الرسم." "هيا يا فتاة اذهبي، استمتعي بإنجازك، افرحي بنجاحك." "لكن أنت؟ تعالي معي."
قال شكري: "الرسام عليه الاختفاء الآن، الشرطة الإنجليزية... "سكوتلاند يارد تبحث عني، الوداع زهره." ومد شكري يده: "سنلتقي مرة أخرى؟ "سألته! "أجل، يظهر شكري في الوقت غير المناسب، أعدك أن نلتقي مرة أخرى." "أنت ساحر شكري؟ نفر من قبيلة جان؟ "لا يا زهره، أنا مستبصر." اختفى شكري وتركني في أوهامي. بطريقي عندما اقتربت من المعرض لاحظت أن هناك أفواج من الناس تدخل المعرض.
عندما دلفت استقبلت بعاصفة من التصفيق، كان المعرض غارقًا بالبشر. لاحقًا عندما حكيت لآدم عن شكري قال إنني أتوهم ذلك: "كنتِ منومة مغناطيسيًا يا زهرتي، ما تقولينه مجرد حلم." حاولت أن أقنع آدم بشكري، رسمه، لوحاته، العائلة، لكن لم يكن لدي دليل. انتهى المعرض على خير، استطعت أن أبيع كل لوحاتي بأسعار معقولة. بعد عشرة أيام كنت في القاهرة محملة بعملات نقدية كثيرة في حسابي، نقود كثيرة لم أتخيلها، لم أحلم يومًا بالحصول عليها.
رغم كل تلك السعادة، الفرحة، ظل شكري يطوف بعقلي. الشخص الذي تنبأ بنجاحي ورآه قبل أن يحدث. هل كان شكري ساحرًا فعلاً؟ نوع من الجان؟ وقعت أنا في لعبة رخيصة؟ حدثي، عقلي كان يقول العكس، طالما حاولت أن أتخيل قصة شكري. كيف يستطيع أن يرسم أشخاصًا لم يرهم؟ ماذا تعني كلمة مستبصر؟ لقد تركت تلك الفتاة الجميلة رغمًا عني، إنها تذكرني بأيام شبابي. أعلم الآن أنها مرتبكة وتعتقدني شبحًا لعينًا.
طرقت ليزا باب غرفتي، كانت قد أحضرت الطعام الذي طلبته منها، منحتها إكرامية معتبرة حتى لا تشي بي للشرطة. صنعت فنجان قهوة وأشعلت لفافة تبغ، شردت في الماضي، ماضي سحيق أيام كنت مجرد شاب لا يعرف كيف يعيش في هذه الحياة المختلطة. ليزا جالسة بجواري تحتسي الجعة وأنا منحني على دفتري أرسم وأتذكر. كنت في الثلاثين من عمري ولم تكن لدي أي علاقة نسائية، ثلاثين سنة لم أتحدث لفتاة غير أمي.
أذهب لعملي في مصلحة الضرائب كل صباح بروتين محفوظ، أتناول طعام إفطاري من عربة فلافل يعمل عليها أربعيني سليط، بعدها أحتسي قهوتي وأذهب للعمل. في تمام الساعة الثانية ظهرًا، أترك العمل وأعود لشقتي، كانت الأيام تعيد نفسها ولا أمل بأي بارقة أمل تحرك المياه الراكدة في شاطئ حياتي. على غير العادة وأنا أمارس هوايتي في الرسم سمعت رنة هاتفي الأرضي. صعقت، فمنذ إقامتي هنا وعلى مرور السنين لم يقم أي شخص بمهاتفتي، فأنا لا أعرف أحد.
بأصابع مرتعشة وضعت سماعة الهاتف على أذني المتلصصة، جأني صوت أنثوي ناعم: "الووووو، شكري؟ تردد الصوت داخل عقلي، لم أفتح فمي، لم أجرؤ على الكلام. "الووووو، شكري؟ ارتعشت يدي، ولأنني أعلم أن الحوريات لا تتحدث مع البشر، أغلقت الهاتف وجسدي يترنح. ظللت واقفًا بجوار الهاتف أكثر من ساعة أحاول استيعاب ما حدث للتو، لكن الهاتف لم يتحدث، لم يرن.
في نوبة من الشك اعتقدت أنني اختلق كل ذلك، أن حاجتي للعنصر النسائي أحدثت صوتًا أنثويًا ناعمًا داخل عقلي. كالعادة ذهبت لعملي، محاولًا تناسي ما حدث معي. تأخرت ذلك اليوم في العمل، عندما فتحت باب شقتي سمعت صوت الهاتف. ركضت نحوه وسمعت: "الووووووووو." "شكري، اجب من فضلك." أعرف اسمي ولا أحتاج من أحد أن يذكرني به، ثلاثين سنة من الصمت الأنثوي تفاجئني بذلك الصوت. "أعلم أنك هنا،" قال الصوت، "رد من فضلك، لن آكلك."
حاولت أن أرد، لكن لساني لم يطاوعني. أغلق الخط. لأول مرة أجد نفسي سعيدًا بلا سبب، كانت نبرة الصوت وحدها كافية لإسعادي لإدخال الفرحة لقلبي. الساعة كانت تشير للثالثة عصرًا موعد هاتفي الغامض. وضعت لوحة رسم على الحامل، من خلال الصوت حاولت رسم تلك الفتاة التي كانت تتحدث إلي. نمت على المقعد وأنا أرسم فتاتي الغامضة، أفكر أحجيتها وأتخيل شكلها. اليوم الثالث.
قبل الساعة الثالثة عصرًا، كنت واقفًا بجوار الهاتف، لم أخطئ، رن الهاتف في موعده. وصلني صوتها: "الوووو وووووو، شكررررري." لن أفتح فمي، ظللت أستمع بصمت. "شكري؟ قد تظن أنني أعاكسك، لا أعرفك، لكني أراك كل يوم." واصلت الصمت واستمر الصوت. "تعلم شكري أنك شخص عتيق؟ أعني أنك وسيم لكن تعيش في عصر غير عصرك." "انظر لسترتك، هاها ها ها، بهتت ألوانها، تتسع لشخصين معك." "شكررررري؟ لم أفتح فمي، لم أكن قادرًا على ذلك.
"سأخبرك بفكرة شكري، اسمع، لو أنك سعيت لتغيير نوعية ملابسك، قصصت شاربك، فإنك ستبدو وسيمًا جدًا." "أرغب برؤيتك، أعني شكري الجديد، لا تحرجني من فضلك." أغلق الخط، لم يكن حلمًا ولا تخيلًا، إنها فتاة وجميلة أيضًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!