قامت سولين بحفلة شواء ضخمة تتويجًا لجهودها في الإيقاع. بعدت سمكات بحرية وارتفعت غيمة من الدخان فوق شرفة أدم المتربص، الذي لاذ بالصمت منتهزًا الفرصة للانقضاض على الغنيمة. "هل انتهيتِ يا سولين؟ "أشعر بالجوع! "انتظروا، ليس بعد، امنحوني بعض الوقت، ما بكم؟ هكذا قضينا ليلتنا الأولى ملتفين حول سولين، لا أستطيع أن أنكر الأمر كان يستحق.
بعد العشاء كان سريري ينتظرني، لكن النوم عاندني، فأنا لا يغمض لي جفن حتى أصعد للقمر، أعبر البحار، وأحل كل مشكلات العالم. تتنازعني الأفكار ولا تتركني إلا قريب الفجر. كانت اللوحة في يدي عندما لاحت الفتاة التي قمت برسمها، تركض نحوي مثل مهرة متمرّدة وشعرها يرفرف خلفها. كان لدي لحظات لأعاينها، ولا غلطة، رسمتي متقنة. كانت هي كما تخيلتها، ورغم أن ذلك الأمر سيوقعني في المشاكل لاحقًا إلا أنني لم أخفِ فرحتي.
انتظرتها حتى عبرتني ثم أوقفتها. رمقتني باستنكار. "نكرة، حثالة، ذكر أوز، متطفل، قلت تفضلي هذه من أجلك." ناولتها اللوحة وهربت. في الأيام اللاحقة، أنا شكري الذي لم يتحدث طوال عمره لامرأة غير والدته وأخته، كنت أختار مرافقاتي كل ليلة. سمراء، بيضاء، قصيرة، طويلة. أفرش لوحتي، أرسم مرافقتي، أسامرها طوال الليل. وعندما يفتح الصبح فمه أكون مستعدًا لملاقاتها في المكان الذي قمت بتحديده.
شكري في عالم العلاقات النسائية أصبح لديه عالمه الخاص، عالم حُرم منه في الواقع الحقيقي، عالم غير مضطر خلاله لتقديم تنازلات. شقشقة العصافير على شجرة قريبة، أغصانها الوارفة من حسن حظي تقبل فم شرفتي الصغيرة حتى أنني أستطيع لمسها بيدي ومضغ نغمها في ذهني. فردت ذراعي بكسل، تقلبت على السرير ربع ساعة كاملة قبل أن أُنهض. الشمس ناعمة، أشعتها لطيفة، ساعدتني على الوقوف في شرفتي دون إزعاج.
تحت الشرفة على مقربة أربعين مترًا كان ذلك الشاب يقف، وجهه للبحر مولياً ظهره للطريق. بدا أنه واقف منذ مدة طويلة، يراقب المنزل؟ يراقبني؟ لكنه لم يلتفت عندما سعلت، ظل محدقًا في البحر حيث كانت تمر مركبة صيد صغيرة. بدلت ملابسي. كان غرضي أن أطرده. قبل أن أنزل للطابق الأرضي من الشرفة لمحت سولين تخرج في زي البحارة، تحمل حقيبتها على ظهرها مثل طالبة مدرسة ثانوية، سنارتها في جانبها وفي يدها الأخرى المذياع القديم.
كانت قد ابتعدت عن مرمى صوتي الهادئ، قبل أن أصرخ عليها كانت قد عبرت الشاب الذي ما إن لمحها حتى تخلى عن شروده المصطنع وتبعها. وأنا التي كنت أظن أنه يقف هنا من أجلي؟ يراقبني، يلاحقني، معجب بي؟ اتضح أنه يتبع سولين. ضحكت. منذ متى وهناك أحد يهتم بي؟ أدركت أنني أختلق كل شيء. أصوغ تهيؤات في عقلي وأنه ليس من الوارد أن يلاحقني أحد مثل سولين.
حتى هناك في بلاد الغرب، في المعرض، كان الكل منبهرًا برسوماتي. لوحاتي التي تكاد تنطق وتتحدث عن نفسها. كنت أسمعهم يتهامسون من حولي بلكنتهم الغربية. أولئك المتطلعين لعلاقة معي لا بأس بها، لا تخلو من الجمال، معتبرة. "جرب أن تصطحبها لسريرك." هذه كانت نظرتهم تجاهي. يصافحوني، يتحدثون من خلفي ولا يعتقدون أنني أفهمهم. ولا أحد فيهم فكر فيّ كإنسانة تستحق.
بدا لي أن حياتي الغير مهمة ستمضي بي لنهاية تراجيدية مؤلمة مثل قصتي الحزينة. فتاة من ملايين الفتيات سيئات الحظ الذين يباعون كسلعة تحت مسمى الزواج! اختفت سولين عن نظري، رأسها، وسطها، كلها. وأنا أفكر لماذا أشغل نفسي بتلك الحوارات الفارغة؟
حتى الفتاة المؤدبة، غير المبالية، التي تنظر للعلاقات خارج إطارها الشرعي على أنها محرمة، تحب أن تُرمق بعين الحب والاهتمام. ليس معنى ذلك أن تنجرف خلف نزواتها أو حتى أن تكون فتاة لينة، لا، على الإطلاق، بل بعمق ستظل في مكانها بكامل حشمتها وبهائها. لكن مهمة، مرغوبة، وليس كهنة مهملة، فضلات طعام، كتاب على الرف.
أعلم أنني لست فتاة مذهلة، خارقة، استثنائية. لقد تمرغت في الوحل، مررت بتجربة شريرة كادت أن تقتل روحي. علي أن أسعد بما وصلت إليه الآن، هذا يعجبني أن لا أتوقف. آه قبل أن أنسى، قلت إنني لست فتاة مذهلة لذلك لا تطلبوا مني أن أبهركم كل مرة، فأنا أمر بأيام سيئة أحيانًا. عندما أشعر بالإحباط والاكتئاب اقتل نفسي في الرسم. أغلقت غرفتي على... إذا كان العالم لا يهتم بي، فلماذا علي أن أهتم به أيضًا؟
أسمع صوت البحر يضرب الشاطئ بأمواجه. إنه رفيقي خلال سهرات الليل، يؤنسني وأنا أرسم. معتكفة في غرفتي، أحتسي فناجين القهوة وأستمع للموسيقى. أرسم. أجلس في الشرفة، قدمي ممددة على طاولة واطئة في آخر أنفاس الليل، أقزقز اللب والسوداني الذي سرقته من أدم دون أن يشعر. أدم الذي نسيني مثل غيره منذ حضرنا هنا. هو الآخر لديه عزلته التي يحبها ولوحاته.
وحيدة في غرفتي لا أخرج منها. يدي ملطخة بزيوت الرسم، ملابسي ملونة بلطخ الألوان. كلما طرأت على ذهني فكرة ركضت لأرسمها على لوحة. آه لقد نسيت سولين، ماذا حدث معها؟ هل تجرأ ذلك الشاب وأفصح لها عن حبه؟ أم أنني كعادتي أختلق قصص مبتكرة حتى لا تشعروا بالملل؟ ربما علي أن أسألها. الساعة على الجدار تشير للثانية صباحًا، وقت غير مناسب لزيارة شخص، وتطلب منه أن يبوح لك بحكاية. لذلك طرقت باب سولين النائمة وانتظرت حتى قالت "ادخل".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!